أنين تحت عجلات القيادة

أنين تحت عجلات القيادة

 

ثمة أشياء كثيرة تحدث دون أن تكن علي أهبة الإستعداد لإستقبالها وكأن ضمير الحياة في غفوة أبدية، ثمة رجال يذهبون إلي عملهم دون أن يضعوا في حساباتهم أن هناك شئ قادم إليهم ، وثمة نساء يذهبن لشراء حاجياتهم  وأخريات ذهبن لأعمالهن لمساعدة رجالهن وانتهت أعمارهن علي طريق عودتهن. .يأملن في تقبيل صغارهن في المساء عند عودتهن ولكن الموت كان بانتظارهن وسرق منهن الأمل في العودة.

لا شئ جيد هذا المساء لأكتب عنه ، ساعة يدى تشير إلي الرابعة عصراً دون زيادة أو نقصان، كعادتي اليومية ركبت سيارة الأجرة التي استغلها يوميا من أمام منزلي للذهاب لعملي الذي يبعد عشرون دقيقة تقريبا عن منزلي ، تسلك السيارة عادة طريق الكورنيش لا شئ غير معتاد هنا سوي رعشة جسدي ووخز الإبر الذي أشعر به بقلبي وكأن أحدهم داخل صدري تعلم الملاكمة فقط من أجل أن يلكم اضلعي وهو يعلم جيدا أنني ساتجاهل ذلك ، ورغم ذلك يصر علي لكمي بعدد أنفاسي،لم أكن أعرف أن هناك موعد مع الموت من خلالها.

لم أكن علي إستعداداً لمواجهة قسوته ، إعتاد الموت القسوة ونحن إعتدنا الإستسلام،

كلما تقدمت السيارة كلما إزدادت رعشة جسدي، تلك القشعريرة التي تنتابني الأن لم أعتادها حتي في الشتاء ،ولكنها تشبه الحالة التي تملكتني حين سألت  دماء توني الصغيرة بعد مضاجعة والدها لها (توني أو انطوانيت هي بطلة رواية لا تخبري ماما) للكاتبة الإيرلندية توني ماغوير  تملكتني تلك الحالة مايقرب من إسبوعين تقريبا حتي خرجت انطوانيت من داخلي وبدأت التعرف علي بطلة رواية أخري أقل الما وحزنا، لا أعرف لم الآن تنتابني تلك الحالة وانا خالية تمام من كل أبطال الروايات التي قرأتها .

ذات يوم إستيقظت بحالة مشابهة ووجدتني أسقط من فوق سريري وانا اتصبب عرقا وأتذكر أنني كنت افتح خزانة ملابسي دون وعي  لأبحث عن شالي الفلسطيني الذي احتفظ به منذ سنوات ، شعرت حينها بأن عروبتي علي وشك الاحتضار وبأن رائحة فلسطين ستعيدها،

أتذكر انا حالات مشابهة لحالتي اليوم ولكن الغريب في الأمر أنني تجردت قبل نزولي من كل انتماء يسكنني سوي كوني إنسانة،  لا دخل لكل ما سبق بما حدث اليوم ،

الأن وبعد أن هدأ جسدي وتوقف ذلك الملاكم بداخلي عن ركلي وبعد مرور ثلاث ساعات ونصف علي ماحدث كان علي الكتابة عنه،

وجدتها تتدحرج أمام السيارة المقابلة للسيارة التي اركبها في الإتجاه الأخر ، كانت امرأة ، أقصد كانت إنسانة .ارتطام جسدها بالأرض جعلني اصرخ بصوت ازعج من جانبي وخلفي وأمامي. لم أسمع صراخها بأذني كانت المسافة بيننا لا تسمح بذلك ولكنني سمعت صراخها بشكل آخر وكأنني نزلت من السيارة ، أجري نحوها مسرعة ، أمد بدي لها لتنهض ابحث لها عن حقيبتها ، اسكت صغارها الذين لا أعرفهم ولكنني أعلم جيدا انهم ينتظرون أن تأتي لهم بالحلوي وكأنني انقسمت لثلاث أشخاص من أجلها ، لم أرها تنهض، لم تري يدي وكأنني هلامية من وحي خيالي ، إلتف الناس حولها ، لم أعد أراها،  صوت بكائي يعلو ، ويد امرأة خلفي تهدأ من روعي وصوت رجل يأتي من أمامي يخبرني إهدأئي ستكون بخير! !!

السائق كان مسرعا وهي كانت تسير بأمان ، جعلتها سرعته كالكرة التي رمي بها لاعب كرة محترف بعيدا، كانت الارض تلكمها هي الاخري، أشعر بما تشعر به، اتقاسم معها اللكمات، ليتني أستطيع تقاسم الموت أيضا معها ، لم أكن أعرفها ولكنني شعرت للحظة بكل ماشعرت به حين صدمتها السيارة أمام عيني، تمنيت لتستفيق وتعود، تمنيت أن اخبرها لا تستسلمي للموت ، لا تصافحيه علي الطرقات، عودي من أجل صغارك

التعليقات