لماذا يزداد الحنين داخلنا عندما يأتي الشتاء؟

لماذا يزداد الحنين داخلنا عندما يأتي الشتاء؟

 

دائمًا ما اسأل نفسي لماذا يزداد الحنين داخلنا عندما يأتي الشتاء؟

أتذكر تلك المرة التي كنت أجلسُ فيها وحدي بمقهى كعادتي، بعيدًا عن نفوس المتعبون والراحلون عن العمل، بعيدًا عن ضجيج الشوارع وهي تعلوا بأصوات السيارات المُسرعة للوصول إلى محطتها الأخيرة، كان كل شيء معدى للحنين واسترجاع الذكريات، أضواء المصابيح في أعمدة الطرقات تشع ضوءً خافت كأنُه يأتي من غرفة مُظلمة في ممر طويل بشقة مهجورة، يعجز عن إدخال الطمأنينة إلى قلوب المارة والعابرون من أمامي، وإنما تشع بالفزع والرعب في نفوس العاشقين والحالمين المنتظرين، كأنها شمس تتوهج بنورها تفضح لقاء الآحبة. -أبحث عنكِ-

من القائل أن الشتاء كئيب؟                             

الكآبة ليست إلا من طبائع البشر، الشتاء صديق، حنين هو كما تراه، يأتي محاولًا إعادة ما كان، أو الحافظ على ما تبقى، ربما تستطيع من خلاله أن تهدء روحك الفازعة.

جئت منعزلًا عن العالم، يزداد الفزع داخلي يجعلني أتذكر ما الذي جاء بي إلى هنا، الأحداث السيئة. يعتصرني الحزن. أنا من انتظارت الشتاء لأحتمي به في لحظات ضعفي، فهو من يعاملني بإحترام ويتفهمني، هو من يتحمل ثورتي، عكس البشر من ينتهزون الفرصة ليفرغوا قسوتهم كلما ازددت ضعفًا.

أنظر إلى السماء وهي تحتضن القمر في سواد يشبه حالتي، صوت الهواء المصطدم بأخر ما تبقى للشجر من أوراق على غصونه، الجو بارد لكني لم أرتجف. فقط ارتعشتُ قليلًا. ثم جُننت.

كيف يصير الناس هكذا كأوراق الشجر تتساقط مع بداية الشتاء؟ ومتى سيتوقف عن إحياء الذكريات؟

حاولت أن أجَمْعَ الأوراق والغصون. حاولت جمع شخص كنت أحبُّه. لكن كعادة المنتظرين لم أستطع، الكثيرون مثلي جمعوا ورقًا وحطبًا ليشعلوا مواقدهم. ربما نشعر بالدفِئَ من سقيع الحنين.

لن يتمَّ أبدًا جمْعُ شخص. لن يتمَّ جمع أعضاء كاملة. كثير منها احترق.

مع ذلك لا بدَّ من أن أعيد شخصًا كنت أحبّه. على الأحبَّاء أن يعودوا إذا نادينهم. عليهم أن يعودوا ولو كانوا هواء. لو كانوا أمواتًا.

هأنتَ تَهمُس بكلماتهَا الأخيرة قبل الرحيل، الآن تريد أن تبحث عما بداخلك ولكن عليكَ أن تتواخى الحذر لأنك تُزيح الستار عن المجهول داخلك.

فقد كانت السنوات الماضية بالنسبة لكَ، تحاول دائمًا فيها أن تُخفي أو تتجاهل الكثير مما حدث معكَ بحثًا عن شيء ظننت أنه هو المنتهى، لكن الآن وبعد أن كثرة الإخفاقات التي تتعرض لها والإنتظار الذي أصبح موجود من كثرة شعورك باليأس. سينتهي، لكن عليكَ في كل مرة أن تكشف الجذور دون أن تجرح يديك، حتى تستطيع أن تُنبت من جديد بشكل جيد.

إلى هؤلاء الحالمون والسذج المنتظرون واقع أجمل.

إلى هؤلاء المتعبون الذين يتوقعون نهاية لرحلة الشقاء المستمر.

إلى هؤلاء المستكشفون والباحثون عن مستقبلًا أرقى.

كفوا عن العبث الدائم فيما تفكرون.

لكن لا تكفوا عن العشق، لا تستمعوا إليَّ فأنا أعبث بالكلام أنا رجلً لا أعرف كيف أُحَب. فقبلوا أحبابكم صبحً ومساءً، قبلوهم على مشارف الطريق ووسط الزحام. تحت أعمدة الإنارة دون خجل من المارة التعساء مثلي، فأنا تركت حبيبتِ دون أن أودعها خوفًا من الماضي وألم الفراق، فلا تفعلوا مثل فعلتي الحمقاء.

التعليقات