«مدام معاي» أغنية متفصلة على صوت فايزة أحمد

«مدام معاي» أغنية متفصلة على صوت فايزة أحمد

 

جمال صوت فايزة أحمد ينبع من حميميته المفرطة، ودفئه الدائم. ينقلك لعالم مستقروهادئ ومريح. صوت أنثوي حنون ونادر. ربما يكون خالي من الشقاوة والبهجة كصوت شادية، أو الإغواء والدلع كصوت صباح. وفي نفس الوقت بعيدا عن رسوخ وكبرياء يحمله صوت أم كلثوم. ولا تستطيع إيضا أن تضعه في خانة واحدة مع صوت مدلل حائر كصوت نجاة. ولكنه في منطقه أخرى تماما، كأنه صوت الحب نفسه والعواطف التي تستوطن قلب كل امرأة. صوت ينقل بحساسيته الشديدة تجاه الكلمة واللحن كل المشاعر المفتقدة، إليك دفعة واحدة، تغمرك وتطمئن قلبك المضطرب، كشمس تشرق بعد ساعات هطوال المطر الطويلة تدفئك. شجي تنتصر فيه الدموع على الضحكات. ونحن بطبيعتنا نتأثر كثيرا بالدموع  في الغناء. فدخل صوتها من باب في القلب مفتوحا دائما.  

ربما كان هذا الدفء، والألفة الموجودة في صوتها، سببا لأن تغني فايزة بجانب أغانيها الرومانسية الجميلة، أغاني أخرى شديدة الخصوصية، تحمل عاطفة من نوع مختلف، مثل بيت العز، وست الحبابيب، ويا غالي عليا يا حبيبي يا أخويا. أغاني مهما أعادها آخرون بأصواتهم  تظل حبيسة أذنك بصوت فايزة وحدها. كأنه صوت لواحدة من عائلتك، ترتب على كتفك وتغني لك بحنان صادق، حبيبتك، أختك، زوجتك، ابنتك.

دائما كنت أفضل الاستماع لأغانيها الأولى القصيرة، المصحوبة بألحان بليغ حمدي أومحمد الموجي، أكثر من الأغاني التي لحنها لها محمد سلطان، رفيق الرحلة الطويلة في الحياة والفن، وبخاصة أفضل معها الموجي الذي كان يصنع لها ألحانا ناعمة حريرية تذوب فيها عذوبة الصوت، فلا تستطيع الفصل بينهم، كأن الأصل ليس مزجا بين لحنا وصوت، ولكنه كيان واحد منذ البداية. أبرزت الألحان جماليات الصوت، ورسمت له المسار الصحيح، من لا يغرم بأغاني مثل يا ما القمر على الباب، قلبي إليك ميال، ليه يا قلبي ليه، يا الأسمراني، وحيران، ولكني منذ فترة اكتشفت أغنية (ومادام معاي ). أغنية جميلة جدا لفايزة من ألحان سلطان وكلمات عبد الرحمن الأبنودي. هذه الأغنية ككلمات ولحن، مفصلة لأنوثة مطمئنة دافئة احتلت حنجرة فايزة أحمد. لا أتصورغيرها يغنيها، وينقل بصدق تلك الحالة النادرة الموجودة في الأغنية مثلما فعلت فايزة. وأتخيل الأبنودي وهو يكتب، مستحضرا صورة فايزة أمامه كيف ستغني كل كلمة.

  وكعادته في أشعاره، يسرد كل شيء بطريقة مختلفة جدا ويجعلك تنبهر، يستخدم تعبيرات بدائية وتركيبات لغوية بسيطة غير مفتعلة ولكنها مهجورة، فتعيد اكتشافها أشعاره. صنع لفايزة أغنية حب لا تشبه  باقي الأغاني. اعتادنا إما أن يكون الحب في بداياته، فتتعزل الأغنية في الحبيب وعيونه وقوامه، أو في منتصفه فتشكو لوعة الأشواق والمراوغة في الوصال. أو تكون نهاية قصة، فتصب لعنات الندم على الطرف الغائب، الآخر المدان دائما.  لكن لن تجد أغنية مثل تلك، تدافع فيها الحبيبة عن حبيبها بواسطة حنجرة فايزة وتنزهه عن كل الكلام المثار حوله، ولا تعطي له وزنا، بثقة وشياكة ورزانة تليق بصوت فايزة. واللحن أيضا كان رقيقا، هادئا جديرا بهذه الأنثى العاشقة التي رست على بر الأمان.

تبدأ الأغنية بـ (  وما دام معاي اللي بحبه وبريده.. ما دام معاي). كلمة معاي تخرج باطمئنان شديد من فايزة. كلمة واحدة تحمل تاريخا طويلا من الاكتفاء والحب الهاديء والعشرة التي لا تشوبها ولا تكدرها شيء. ثم يأتي تلخيص الأبنودي لفكرة الحب التي تسيطر على عقل الأنثي وقلبها، في مرحلة تأتي بعد تشبع بتاريخ حافل بالشد والجذب، وتأرجح في العلاقات المجنونة. فكرة الحب المستقر الواثق الذي لا ينهكها. فكرة تنمو في رأسها وتتمد إلى باقي أجزاء جسدها عندما تتحقق، منتشية بها وراضية. يلخصها الأبنودي في هذا المقطع ببساطة ( وبنقسم اللقمة ونضحك وبنشرب شاي ). هذا هو الحب بدون فلسفة، بدون غزل وشموع وزهور وشحتفة. الأشياء العادية نفسها التي نقوم بها في كل وقت، ولكن الفارق بين منتهى السعادة والرضا، ومنتهى الشقاء والسخط، من يشاركنا الأشياء؟. ليبني بعدها هذا الحب حائط صد ضد كلام العزال المتربصين لحالة الاستقرار تلك (ما يهمنيش مهما إن قالوا. ما هو دول عوازلي وعزاله بيقولوا داير على حاله مع إنه كان في الساعة دي قاعد معاي). ما هذه القدرة والرغبة في رد غيبة الحبيب بصورة متألقة رائعة، لم أشهدها في أغنية أخرى. ( بيقولوا ياما أنا عارفة أنا، أنا عارفة خلي يعشقني أنا). أكاد أقسم أن هذه الطمائنينة والثقة التي تغني بها فايزة الجملة هى أمنية وهدف تسعى إليه كل أنثى، في كل علاقة حب تدخلها. فلا يفسد الحب إلا انعدام الأمان، والتشكك والقلق الدائم من المصير المتعلق بين الوفاء والغدر.

(قالوا البنات قالوا وعادوا، قالوا ماهوش جاي في ميعاده )، يكمل الأبنودي صورته برتوش أخيرة من الترصد، لهذه العلاقة الآمنه من أخريات، ومحاولتهن للتفريق بين طرفيها، ولكن يأتي الحبيب ويصدق في وعده، لتضيع فرصتهم، وتضحك فايزة له وهو هالل عليها، وأكاد أسمع ضحكتها في الأغنية وهى تقول له( شايف بيغيروا إزاى). لهم حق والله يا ست فايزة يغيروا.

التعليقات