فلسفة اللحية

فلسفة اللحية

 

يسارع أكثرُ الناس في مجتمعنا إلى تلقيب أيِّ ملتحٍ يبصرونه بـ (الشيخ)، ويعتقدون أنه ما أطلق لحيتَه إلا تقرُّبًا لله، باتباع سُنَّةِ الرسول، وتقليدِ إحدى عاداته، فتصبح كلمة (الشيخ) كنايةً عن تديُّنٍ يظنونه في مُطلِقِ لحيتِهِ، برغم أن معناها الاشتقاقي لا يدلُّ إلا على من طعن في السن. والعوام لا يعتبرون هذا المعنى؛ فلا يجدون غضاضةً في تلقيب ذي الأعوام السبعة عشر بالشيخ، مادام مطلقًا لحيته!

ولأن العوام يميلون إلى الإطلاق، وتعميم الأحكام، وتسطيح الأمور، وتشبيه الأشياء بعضها ببعض، راكنين إلى الكسلِ العقليِّ الذي ينبو بالاستقصاء، وتحرِّي ما توارى خلف الظاهر المُعلَن؛ لأنهم كذلك، لم يُـلِمَّ بعقولِهم افتراضٌ، يُخرج ملتحيًا ما من دائرة لقب (الشيخ)، إلى دائرةٍ اعتقاديةٍ أخرى، خَفِيَتْ على أفهامِهم، ولذلك لا يزالون يعجَبون كلَّما أبصروا ملتحيًا يخرج من محلِّ خمور، أو آخرَ يسير برفقةِ حسناء مسدلة الشعر، منكرين مثل هذين الفعلين على مَن يأتيهما، وشاعرين بالتناقض ما بين الجوهر والمظهر!

لن أستطرد إلى تخمين دوافع مَن أطلق لحيته، واتَّخذ مظهرًا، أجمعت العامَّة على اعتباره (دينيًّا)، ثم جاء بما ينكره المجتمع، لأن مثل هذا لا جُناحَ عليه، ولا يستحق اللوم على ما فعل؛ فاللوم إنما يجب أن يقع على مَن جعلوا ظاهر الأشياء عنوانًا لا يخيبُ لباطنِها، وأسَّسُوا على هذه الفَرَضِيَّةِ المتهافِتة، استنتاجًا واهيًا، راقهم، فركنوا إليه واعتقدوه. لن أستطرد إلى هذا، وسوف أعرض رأيًا يرقى باللحية من المنظور الديني الضيق، إلى أفقٍ أرحب، تصبح فيه رمزًا عميق الدلالة، يوائم بين الإنسان والطبيعة التي منها نشأ.

إذا التقطتَ صورةً لوجهِكَ حليقًا، ثم التقطت له بعد شهرين من هجر الموسى، صورةً من نفس المنظور، وقارنتَ بينهما، فسوف تندهش من عِظَمِ التغيُّر الذي طرأ على ملامحك. شهران من التبدُّل الدقيق الذي لا يُلاحَظ، كانت محصلتهما تغييرًا كبيرًا في مظهرك. وفي هذا إشارة إلى الكيفيةِ التي تؤثر بها الطبيعة في الموجودات، وردِّ الفعل الإنساني تجاه التغيرات التدريجية البطيئة. فالإنسان لا ينتبه إلا إلى التغيُّرات الضَّخمة المُباغِتة، وقد تطوَّر على مدار عشرات الآلاف من السنين لكي يتكيف مع العالم بهذه الطريقة؛ أما الظواهر التي تنمو ببطءٍ، مثل الاحترار العالمي، وذوبان الجليد، وارتفاع منسوب المحيطات، وانقلاب المجال المغناطيسي للأرض، فهي مثل النمو الملليمتري للِّحية على مر الأيام، لا تُلاحَظ إلا بعد فوات الأوان!

ولِحلق اللحية بعد بلوغِها طولًا فادِحًا، مغزًى عميقٌ؛ ففيه تنويهٌ بأنَّ النهاية ليست إلا بدايةً جديدةً، وأنَّ العَوْد الأبديَّ (بتعبير نيتشه) للِّحية، نموذجٌ توضيحيٌّ مصغَّر لعَوْدٍ أبديٍّ كونيٍّ، يستعلِنُ فيه خلودُ مبدأ (النمو/التمدُّد/التوسُّع) على اختلاف تجلِّياته. فالدائرة التي تنتظمُها إطالةُ اللحيةِ فحَلْقُها ثم إنماؤها من جديد، تجسيدٌ شهريٌّ (مثل دورة الطمث أيضًا) لجوهر إدراك المادة للوجود، الذي يلخِّص ماهية الحياة على كوكب الأرض، ويقدِّم لنا في (عرضٍ مستمرٍّ) إشاراتٍ خفيةً لحكمة وجود الحياة، والمبادئ التي إليها يُعزى تراكبُ الظواهر الكونية المعقَّدة، ومنها - بلا شك - نشأة الكون، ومآله.

وفي اللحية أيضًا تجلٍّ لرأي هيراقليطس القائل بأنَّ النهرَ الذي تضع فيه قدمَكَ اليُمنى، غيرُ الذي تضع فيه قدمَكَ اليُسرى؛ فالتغيير الذي تضفيه على ملامحِكَ اللحيةُ من حينٍ لآخرَ، يؤكِّد حقيقةَ تغيُّرِك المستمرِّ؛ فأنتَ غدًا غيرُك أمسِ، وأنت بعدَ أسبوعٍ إنسانٌ جديدٌ ظاهرًا وباطنًا. ولذلك أعتبر أنَّ في نموِّ اللحيةِ تذكرةً يوميةً للإنسان، لكي تترسَّخ عنده فضيلةُ تفهُّمِ حتميةِ التغير المستمر، والإقرار بأن تباين البشر من الركائز التي إليها استند تطوُّر حضارتنا الإنسانية. وبهذا التفهم وهذا الإقرار، يسود التسامُح؛ فلا شيء ثابت لكي تبني عليه تصوُّراتِكَ للانتقام في مستقبلٍ، كلُّ ما فيه مختلفٌ بالكليةِ عن الحاضر والمستقبل.

هذا تبيان لفلسفة اللحية، الذي إخال أنه قد يمهِّد السبيل لأن يتحقق في النهاية الانسجام بين ذواتِنا وهذا الوجود.

التعليقات