الحجرة المغلقة

الحجرة المغلقة

وهناك في أقصى الروح منطقة مُخصَّصة للوجع وللاختباء ندُسُّ فيها على استحياء الدموع والمشاعر والخيبات، تلك المنطقة مُحرَّمٌ على أرواحنا دخولها إلا اضطرارًا خوف المواجهة وتجديد الذكريات.

كُلَّما زاد الحمل على كاهلنا، نخطو على أطراف أصابعنا بلطف، نفتح الباب الموصد برفق، كي لا يلمحنا الماضي المكتظُّ بالداخل، ثم ندسُّ حاضرًا جديدًا مؤلمًا لا يروق لنا بداخلها، ونوصد الباب دون أن نلتفتَ، في محاولة منّا لإقناع أنفسنا بأن كل الأمور بخير، وأن كل ما بداخل تلك الغرفة لا شأن لنا به.

وعلى الرغم من تكدُّس حجرتنا المغلقة بالماضي المؤلم وما فيه، فإننا كُلَّما أضفنا فيها جديدًا رَحَبَت به، واتَّسعت كأنها بلا انتهاء، حتى صار الوجع على تنوُّعه فيها لا يُحتمل. وكلَّما اتَّسع مداها ابتَعَدنا هاربين، ظنًّا ساذجًا منا أنَّنا بهروبنا المستمر مُحال أن نلتقي بكل ما استودعناه في الداخل، ولو اسْتَدَرْنا قليلًا للمحنا وجهنا منحوتًا في زواياها.

والحقيقة أننا مهما اختبأنا وهربنا، فيومًا ما سيصدمنا اللقاء، وسنخرُّ على عتبات غرفتنا نتوسَّل أن لا تُعيدنا إلى ذلك الكهف المعتم، تلك المنطقة القصوى في دهاليز الروح، التي نرسل فيها كل ما انتهت صلاحيته من مشاعر، وكل ما ظل حيًّا في الأعماق -لكن وجب عليه أن يظل راكدًا- كي يُمكننا الحراك. ممتلئة عن آخرها بكثيرٍ من الذكريات الرتيبة، والذكريات الحية المنهكة، من نشتاقهم، ومن نفرُّ منهم، من رحلوا، ومن يجب أن يرحلوا، تلك المنطقة الضبابية الممتلئة بعمر مضى، وعمر أوشك على الانتهاء، المكتظة بمخاوفنا، ومشاعرنا وعثراتنا. صندوق الأسرار المكتظُّ بوعكات القلب وقرارات العقل، ومحطات الانتهاء، لحظات الضعف، وعثرات البدايات، وممرات النهاية، أكاذيب الماضي وملفات الاعتراف، الحب الأول وتفاصيله الصغيرة، وبراءة ملامحنا في أول كل مرة من كل شيء.

الأخطاء المبعثرة التي لم يلمحوها، والنجاحات التي لم يشاركونا فيها، قاموس العمر وشفرات الحقيقة. تلك المنطقة الخفية عن الجميع وعنَّا، تجاربنا التي حجبنا عنها ضوء الشمس لسنوات وسنوات خوف المواجهة أو التصحيح.

في تلك الهُوَّة السحيقة من أعماقنا مشاعر تستهلك منَّا ما تبقَّى دون استئذان، حبٌّ لمن غادروا دون أن يلمحوا مشاعرنا. عتابٌ لمن آلمونا دون مبررات تمهِّد لنا النسيان أو قدرة على الوقوف مُجدَّدًا، شوقٌ لصديق حاصرته الحياة بمهام لا تنتهي فترك في حياتنا مساحات شاغرة.

ندم على قرار تأخَّر أدَّى إلى تصدُّع المعبد فوق الجميع، قلقٌ من غدٍ لم يحمل أسماءنا في قوائمه المفضَّلة.

كل هذا وأكثر ندَّخره في غُرفنا المغلقة، نَدُسُّه فيها دسًّا دون انتباه لعواقب انفجار محتمل أو مواجهة متأخرة، أو مكاشفة آن أوانها، نخسر كثيرًا حين نختبئ عن العالم وعن أنفسنا، نختبئ خوفًا وضعفًا وخجلًا، والحقيقة أن هذا الخوف وهمي لا دليل على وجوده سوى في أوهامنا، ولو حاولنا مرةً واحدةً مواجهته والاصطدام به لأدركنا زيفه، لكننا سمحنا لشبحه الخفي أن يطاردنا دون أن نلتفت لنؤكد لأنفسنا أنه لا أساس له سوى في خيالنا المرتعد.

وضعفًا لأننا لم نختبر يومًا قوتنا الحقيقية، واسترحنا إلى فكرة أننا لن نتمكن من حل مشكلاتنا، لذا علينا إيداعها الغرفة المغلقة اتِّقاء المشكلات مع الآخرين وإيثارًا للسلامة التي لم تأتِ على الرغم من ذلك.

أمَّا عن الخجل والاختباء فهما ليسا سوى اعتراف موثَّق بمدى ما نحن عليه من ضعف وهشاشة وننسى في خِضمِّ كل هذا أنه لا أَسْلَمُ من مواجهة الحقيقة أيًّا كان قبحها، ولا أجمل من أن نظلَّ على طبيعتنا حتى لو كانت على غير هوى البعض، فلا شيء في العالم يستحقُّ أن نخفي وجهنا الحقيقي من أجله، من منَّا بلا لحظة ضعف وبلا جريرة؟ من منَّا لم يخفت النور في قلبه ثم عاد بعدها أكثر وهجًا ونقاءً لأنه قبل أن يخشى الجميع كان خوفه من الله أكبر وأعلى؟

وعلى الرغم من ذلك فإننا لو فتحنا الغرف المغلقة، ورضخنا للمواجهة الصعبة التي زادها التأخر في الحسم صعوبة وتعقيدًا، لصوَّبنا الأخطاء التي فررنا منها مرارًا، سواء في تعاملاتنا مع الآخرين أو في تعديل سلوكياتنا وصَقْل قدراتنا الشخصية، ولمسحنا ما تراكم من وجع، ولنبت من أرواحنا الياسمين، سنتألَّم حين تهبُّ الرياح المكبوتة من الداخل نعم، سنتألَّم، لكنه الألم الذي يسبق البُرْء والشفاء، ألمُ ما قبل التعافي، وهو وإن كان مؤلمًا لكنه يُبشِّر بنهاية الهروب من الملاحقة اليومية للذكريات الكريهة والموجعة، سيُعَجِل بتتر النهاية الذي سيعقبه الفرج المختبئ منذ سنوات، ففي كل مرة نغلق فيها الغرفة ونخرج منها يرتفع التل، والحقيقة أننا لا نخرج منها بل نُعتَقل بداخلها.

في كل مرة نهرب فيها من مناقشة ما ترك ندوبه في أعماقنا مع من يهمُّه الأمر لنخفي ضعفنا، أو نُغلق الحوار قبل أن نُبدي فيه رأيًا كي لا نعترف بجهلنا أو مخافة السخرية، حين ندَّعي النسيان وذاكرتنا في قمة عافيتها وغضبها، أو نُظهر سعادتنا، بينما نحن غارقون في الحزن والشجن، أو نُعلن عِندًا أن كل الأمور بخير، وهي في أسوأ مراحلها، في كل مرة نصفع باب الحجرة المغلقة بعد ركلها بالقدم، مُودِعِين فيها بعضًا منا ثم نستدير، تنطفئ بداخلنا قيمة وينكسر في فؤادنا شعور، ويحتضر في أعماقنا هدف، ويذبل في أرواحنا حلم.

وعلى الرغم من كل الخسائر التي نحصدها بعدها، وأننا نبدو أشبه بمن رفع راية الاستسلام على غير إرادته، فإننا سنُجبَر على المواجهة عاجلًا أم آجلًا، فالمواجهات لا تعترف بالاستسلام ولا بالضعف ولا تسقط بالتَّقادم، ولكنها تلاحق الهاربين منها إلى الأبد، إن لم يكن في الواقع ففي كوابيسهم وعلى الطرقات التي ظنُّوها آخر محطات الفرار.

لا تختبئ، واستمدَّ من دعائك القوة، وابذر ياسمينك حيث تجد متَّسعًا، اهد تجربتك لطفل لم يتلوث بعد، لشيخ ما زال على قيد الحياة، يتمنَّى أن يستنشق عطرًا يذكِّره بالماضي الجميل.

اصنع من صبرك قلادة لحبيبتك التي ما زالت تنتظر يوم عرس ربما يتأخَّر كثيرًا، لكنها لم تيأس.

ولا تنسَ في ثنايا كل هذا أن لطف الله الخفي يقف خلف كل ما انقضى، ولكننا بسوء يقيننا

لا نراه، ننسى أن كل قضاء الله يناسبنا ليس لأننا نستحقه، ولكن لأنه أرحم بنا منَّا.

التعليقات