دون سبب وجيه

دون سبب وجيه

 

أنتمي لجيل الثمانينات؛ إذ وُلدت قبل اغتيال السادات على يد "الجماعة الإسلامية" بثلاثة أشهر، ذلك الحادث الذي مثل ذروة تصاعد النشاط المسلح، لتلك الجماعة وغيرها، ونقطة انطلاق لأنشطة إرهابية على نطاق أوسع داخل مصر، تجلت بشكل واضح خلال تسعينيات القرن الماضي.

ولأن تلك الحوادث كانت تستهدف بشكل أساسي بعض السياسيين والمفكرين طبقاً لقائمة شبه معلومة ومعلنة، فضلاً عن استهدافها للسياح والمزارات السياحية أيضاً. لذلك فلم يكن لي-كطفل آنذاك- احتكاك مباشر بأية حوادث إرهابية، ناهيك عما كنت أشاهده بنشرة التاسعة على القناة الأولى –ولا غيرها- من أخبار عن تفجيرات دامية بأفغانستان وباكستان ... وكذلك مذابح واسعة النطاق بالبوسنة والهرسك والشيشان. ظلت كل تلك الأحداث بعيدة عنا، أشاهدها فقط عبر شاشات التليفزيون، ولا أظن أبداً أن تشهدمصريوماً هجمات إرهابية بهذا القدر من الدموية.

تصاعدت تلك الذكريات بخاطري عندما حدثني أحد الأصدقاء بانزعاج عن ابنه الذي يلعب مع أخيه بإلقاء كرة صغيرة وكأنها قنبلة يدوية، وحار صديقي مما دفع ولديه لممارسة تلك اللعبة التي تعكس ميلاً جلياً للعنف، رآه نابعاً مما يشاهدونه من مشاهد عنف وقتل دموية سواء في الأفلام أو الأخبار أو حتى في الألعاب الإليكترونية.

وأثناء ذلك، وبينما استغرق صديقي في إيجاد سبب وجيه لتصرفات أبنائه، استغرقت أنا في التفكير بذلك الطفل الذي استيقظ باكراً صباح يوم الجمعة الموافق 24/11/2017، محتفياً بيوم الأجازة الأسبوعي، فأيقظ والداه، وتناول معهما طعام الإفطار، ثم ألبسته أمه الجلباب الأبيض، ووضعت على رأسه (طاقية) محلاة بزخارف شكلتها خطوط ذهبية اللون، ثم أمسك أبوه بيده وسارا معاً نحو مسجد الروضة –كعادتهما- لأداء صلاة الجمعة. لم يمضِ وقت طويل بشكل كافٍ ليشعر بذلك الملل والانزعاج من صوت الخطيب، لكنه بدأ يسمع أصواتاً أخرى ويرى مشاهد لم يألف أي منها في شعائر الجمعة من قبل .. احتضنه والده ضمه إلى صدره بقوة أوجعته لبرهة .. بدأت بعدها شدة القبضة تتراخى شيئاً فشيء حتى دفعه والده بالكاد ليستلقي على الأرض وتمدد فوقه ليقيه الرصاص المُطلق في كافة أنحاء المسجد .. استجاب الطفل لوالده دون أن يفهم ما يدور حوله ثم غاب عن الوعي ولم يفق إلا وقد ضمته أمه إلى صدرها وقد شوهت دموعها ابتسامتها فرحاً بنجاته .. فلم يُصب جسده بأي سوء، وإن ظل مشهد صلاة الجمعة الدموي حاضراً بكل تفاصيله أمام عينيه، ومحفوراً بعمق ووضوح داخل ذاكرته ، ومع ذلك فلم يجد سبباً لما حدث، ولم يخبره أحد بذلك، وظل يفكر لماذا لم يعُد بصحبة والده بعد انتهاء صلاة الجمعة –كالعادة- وقد حملا بعض الخضر والفاكهة.

أعلنت الإحصاءات الرسمية وجود ثلاثين طفلاً بين ضحايا الحادث الإرهابي الذي استهدف المصلين بمسجد الروضة، فتساءلت أين الطفل الذي أفكر فيه، لماذا لم يرد اسمه ضمن الإحصاءات الرسمية حاملاً الرقم (31)، صحيح أنه "صاغ سليم" ولم يُصَب بأي ضرر جسدي، لكن الحادث قد ترك بنفسه ألماً مبرحاً، غير أنه فقد والده وعمه وعدد من أقاربه.

حاولت أن أضع نفسي مكانه وتساءلت عن إحساسي في المرة القادمة التي سأذهب فيها لصلاة الجمعة؟ هل سأستطيع الذهاب بمفردي دون والدي؟ وإن فعلت أي الشعورين سيطغى على الآخر: الشعور بالملل والانزعاج من صوت الخطيب وعدم استيعابي لمعاني الخطبة، أم الشعور بالخوف من الموت غدراً بالمسجد؟

وأخيراً جاء دور السؤال الأهم: ما الذي نقل تلك الحوادث الدموية من داخل التليفزيون مخترقة شاشته لتتجسد واقعاً مريراً في حياتنا، يسلب الأبرياء أرواحهم دون سبب وجيه.

*******

كُتبت بعض سطور هذا المقال أثناء ركوبي للميكروباص في طريقي إلى العمل، حيث تحدث أحد الركاب تليفونياً عن شقيق زوجته الذي أصيب في حادث مسجد الروضة بطلقتي رصاص، ويرقد حالياً في حالة خطرة بإحدى مستشفيات مدينة المنصورة.

التعليقات