العيب والحرام

العيب والحرام

 

مجتمعنا ملىء بالتناقضات وبازدواجية واضحة في بعض المفاهيم والقناعات.. بل أن البعض يصل إلى مرحلة إلصاق كلمات العيب بما ليس بحرام، والعكس صحيح أيضا فما هو حرام وما نهى الله عنه بنص القرآن والسنة بإجماع العلماء يصير لدى البعض الآخر من قبيل العادي والطبيعي!

لا عجب في مجتمعنا أن تجد بعض التعليقات المدممة بالسباب والطعن بل والخوض في الأعراض من قبل عدد غير قليل من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وبالاطلاع على صفحاتهم تجد بها من الأدعية والحكم والمواعظ الدينية والاجتماعية ما لا يدل أبدا أنهم من الممكن أو الوارد أن يتفوهوا بألفاظ وجمل وعبارات أقل ما توصف به بالأذى والقبح.

ولا غرابة في مجتمعنا أن نجد من ترتدي الحجاب وتضع الصور ومقاطع الفيديو على صفحتها الشخصية التي لا تتنافي مع الحجاب بقدر ما تتنافى مع الأوامر والنواهي الإلهية الواضحة وضوحا لا ريب فيه، وفي المقابل نجد البعض ممن تعلو أصواتهن مع مجموعة من الرجال بالتحرر و بأن الدين المعاملة وفقط، فتجد في أسلوبهم و تعاملهم ما لا علاقة له بهذه المقولة من قريب أو بعيد!

نجد في مجتمعنا من يفضل أن يلقي بسهام كلماته  ليجرح ويستبيح القتل المعنوي على أن يقوم بفتح مجال لحوار هادىء هو أول من يطالب غيره به، أما بالنسبة له فلا وجود لهذا المسمى عنده!

أما عن لوغاريتمات المشاكل الزوجية التي يستصعب حلها، والتي لا تعرف في كثير منها من الجاني ومن الضحية، من المتهم ومن المجني عليه، فما أكثر التناقض في شخصية أحد الطرفين الذي ينتقد صفات الطرف الآخر التي هي فيه قبل أن تكون في شريكه!

كثير من الرجال يحفظ جيدا بعض آيات القرآن التي لا يعرفون إلا ظاهرها دون التعمق في معناها الحقيقي ليبرروا لأنفسهم أفعالا وأقوالا بها من العنف والقسوة مالا يتفق مع آيات أخرى غفلوا أو تغافلوا عنها لأنها لاتتفق وأهوائهم الشخصية ومنها قوله تعالى:" فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ"(جزء من الآية 229:البقرة).

أين الرحمة في قلوب تتحدث بعض ألسنة أصحابها عن الرحمة؟! أين حسن المعاملة عند بعض من يتشدقون أن المخبر أهم من المظهر؟! أين البدء بالنفس فيمن ينتقد الآخرين؟! أين حسن الخلق عند بعض من يتحدثون باسم الدين؟!

أين المخالفة الشرعية في أن يتعامل الإنسان بذوق ورقى محسوب ومدروس مع الجنس الآخر؟! و هل من علامات الصلاح الإمعان في تقطيب الجبين والتجاهل لما يقوله، بل و ربما التعمد الواضح في إحراجه بل والنيل منه ؟!

الكثير من التعاملات ممن أساءوا فهم الدين تذكرنا بقوله تعالى:" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ "(جزء من الآية 159:آل عمران).

أين الإيمان بالله والكفر بمن سواه عند من لا يهمهم سوى أن يصفق لهم الجمهور ويرفع لهم قبعته، حتى إن خالفوا أوامره بل واختلفوا معها من أجل مواكبة بعض الآراء التي تدعي التمدن والتحضر؟!

وينسى من ينجرف فقط وراء التيار ويسير مع الموجة إن المرء مهما فعل من أجل إرضاء الناس، فلن ينال رضاهم أبدا ، إلا في حالة واحدة لا غير، وهى أن يكون رضا الناس  من رضا  الله رب الناس، عدا ذلك فلا ينتظر أحدا تصفيق مدو، أو شارات تميز، بل عليه أن ينتظر نكران الناس و تأنيبهم، بعدهم وجفائهم، تنصلهم و تبرئهم.

وتأتي السنة المطهرة لتؤكد لنا هذا المعنى، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضا عنه الناس، ومن أرضا الناس بسخط الله سخط الله عنه وأسخط عنه الناس" رواه ابن حبان.

وفي قول مأثور للإمام على كرم الله وجهه يقول: "رضا الناس غاية لا تُدرك، ورضا الله غاية لا تُترك، فاترك ما لا يُدرك، وأدرك ما لا يُترك".

التعليقات