عزيزي أبي

عزيزي أبي

 

الموت الذي يدرك كل الأشياء الجميلة .الذي لم يعتاد الإستإذان كعادة كل الأشياء لن أنسي له يوما أنه غدر بي وقصم عمودي الفقري نصفين حين أخذ أبي وأنا بعيد ..

أبي !!ذلك الرجل الذي زرع اول بذور الحب بداخلي وأهتم بها حتي أتي الموت  وأخذه ومنذ ذلك الحين جفت أوردتي وتشقق جسدي وأنحني ظهر كبريائي حتي أعاد ترميم كل ذلك رجل رواية  ، وحدها الكتب تستطيع جمع شتاتنا وبقايانا بين أوراقها ..

ولأنني أدركت ذلك كان علي مراوغة الموت بالكتابة ،الهرب منه بين السطور والإختباء بين بياض الأوراق .

وحدها الكتابة تجعلنا كالظل الأبدي الذي يستحيل للموت النيل منه ،

ذات مساء شعرت وأن كل الهواء بصدري تبدد وتحول لكلمات ولم أمت !!!

أحيتني الكتابة وكانت أكسجيني وأدركت حينها أن الأكسجين من الممكن أن ينبعث من ناصية قلم ،ومن هنا أدركت أنني أتنفس فقط حين أكتب ،ولذلك فلن يدركني الموت ،

يقولون الموت آت آت ،وأخبرهم لا موت لمن يكتبون ،  ليس للأمر علاقة هنا بالكفر والإيمان فأنا ورغم كل جبال القسوة التي بناها الأخرون علي أرضي إلا انني مروية عن أخري بماء الحب وقلب ملئ بالحب لا يقوي ابدا علي التجبر أمام الله وانكار الموت. ولكن من يكتبون لا يعرف الموت طريق أقلامهم ،يخلدون في ذاكرة الجميع وبين دفات الكتب وان أحرقت عن أخرها،

كان علي ان أكتب حين  إشتقت أبي وكان إشتياقي له كوخز الإبر بقلبي ، وكتبت ،

عزيزي أبي .فاتك أن تخبرني أن تلك الحياة تأتينا بكل الأشياء التي لم نضعها في قائمة أمنياتنا ،فاتك أيضا أن تخبرني أنني من الممكن أن أجد ملاذي بين أضلع رجل غيرك وعلي تقبل الأمر ...

عزيزي أبي ،حتي الأن لم يحتلني رجل غيرك ،لم أشتاق غيرك برغم كل هؤلاء الرجال من حولي ،بحارهم مالحة وأراضيهم قحطاء ،حتي سمائهم لا أمطار فيها !

يوم أن فكرت التخلي عن الحب كفكرة ومحاولة الشعور به تجاه رجل أخر غير أبي فشلت ،فلكي أكون صادقة فأنا أستطيع ممارسة الحياة وتحملها بكل منغصاتها وأظل شامخة ،ولكن لا طاقة لي بتحمل لحظة خوف يتبعها خيبة أمل ، كأن ينقطع التيار الكهربي فجأة فأبحث عن أضلع زوجي لأختبئ داخلها ولا أجدها !

ولذلك كان علي أن أعتاد الحياة بانقطاع تيارها الكهربائي وأن أدرك أنه يكفي أن أغطي وجهي وأختبئ تحت الغطاء كالصغار حين يحدث ذلك ،

أذكر يوما شتوي كانت السماء فيه مهيئة وبشدة لهطول أمطار غزيرة وكان عليها أن تثور أولا برعدها وبرقها كعادتها  فالسماء عادلة لا تسلبنا السكينة  قبل أن تنذرنا بذلك ،تبدأ بغيمة ثم برق ورعد ويأتي الغيث بعد ذلك ، وبالرغم من حبي للمطر ألا أن صوت الرعد يرتعد منه قلبي حتي الأن  .أذكر أنني كنت أضع رأسي بين أرجل أبي حتي ينتهي ،

الأن كبرت ومازال الرعد يخيفني ولكن لا أحد باستطاعته ان يخبئ رأسي بين أرجله كما كان يفعل أبي ، وربما أيضا علي أن أتظاهر بالقوة أحيانا وأنا في أشد لحظات ضعفي !!!وكأن بموت أبي مات الحنان ! ،وحده أبي كان عندما يري شعري مربوط لأعلي كذيل الحصان كما يطلقون عليه كان يثني علي جماله وكم هو يليق بي ، وعندما كبرت ظل كلما يراني يثني علي تسريحتي وملابسي ويخبرني ستظلين طفلة  رافضة أن تكبر  وهذه أجمل صفاتك

في الحقيقة لا اجد مانع ان اظل تلك الصغيرة التي تتحدث عما تشعر به دون ان تخشي لومة لائم .ولا أجد مانع أيضا أن أربط شعري لأعلي كالباريسيات ، او أن أخشي صوت الريح وصوت الرعد ..لا مانع أبدا الا أكير وإن كان بالحياة ما يجعلنا نشيخ قبل أواننا  كذلك اليوم الذي نزلت فيه إلي عملي وانا أشعر أنني أسير للخلف ،أتراجع كي لا أصل  ،

سخيفة تلك الحالة التى لا اجد لها مسمي اليوم !

وكأن ذكري أبي  هي الشجرة التي  أهز بجزها فتساقط علي صبرا علي تلك الحياة ،

ذهبت إلى العمل ذلك اليوم  وكأننى مكبلة القدمين ومازلت أجهل السبب فى ذلك !

يبدوا اننى أضعف من مواجهة الأمر وحدى وكل ذلك التحدث عن القوة والعنفوان علي الأوراق ماهو إلا محض ترهات  لأعود من منتصف الطريق غير مبالية بما يترتب على ذلك ليس للأمر علاقة بعدم المبالاة كل مافى الأمر اننى شعرت بعدم الارتياح لبعض الأشخاص مما جعلنى أقرر ترك المكان بأكمله على أن أتقبل شخوصا كل ما سيفعلوه انهم سيؤثرون ولو بالقليل على ماتبقى بى من إنسانية ..وإن أتخذ قرار خسارتى بنفسى   خيرا من أن اخسر أشياء غالية وانا مجبرة على ذلك

فعلى الاعتراف أن المحيطين بنا سواء فى العمل أو مكان السكن من الوارد جدا أن يؤثرون فى حياتنا بأشكال مختلفة لذا قررت أن اهمش علاقتى بالجميع كى لا تحيط بى اجوائهم النفسية السيئة فتسلبنى ما تبقى بى من إنسانية  .. ولكل ما سبق سيبقي أبي هو النور الذي لا ينطفئ في حياتي 

التعليقات