المصرية للاتصالات.. قصة كفاح تبدأ بمحاربة «لوبي أمريكي» وتنتهي بتحقيق حلم «015»

أيام قليلية تفصلنا داخل المجتمع المصري عن إطلاق شبكة المصرية للاتصالات للمحمول 015، التي طال انتظارها لسنوات عديدة لاسباب سياسية واقتصادية رغم الاستعداد الفني الذي قامت به الشركة منذ إطلاق أول شبكة للمحمول في مصر عام 1996 وكانت من نصيب الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول "موبينيل" والتي قامت بتغيير اسمها التجاري إلى اورنج مصر حاليًا.

في بداية الصراع الذي واجهته المصرية للاتصالات في الحصول على حقها في تقديم خدمات المحمول باعتبارها الشركة الأقدم في السوق المصري المقدمة لخدمات الاتصالات والانترنت، كانت المعاونة الأمريكية هي السبب الأول في حرمان الشركة من حقها في الحصول على ترخيص يتيح لها تقديم خدمات التليفون المحمول، بجانب الخدمات الأرضية التي تقدمها، حيث اشترطت المعاونة الأمريكية عام 1993 ، أن يتم أولاً خصخصة "الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية" وهو الأسم التجاري للشركة المصرية للاتصالات في هذا الوقت، وهو ما تمت الموافقة عليه، بالإضافة إلى عمل مركز لمراقبة شبكة الاتصالات في مصر، تحت مسمى مركز ادارة الشبكة Network operation center   ـ NOC ، الأمر الذي رفضت الحكومة استمراره فيما بعد رغم الموافقة عليه في البداية.

بعد خصخصة الهيئة وتسميتها بالشركة المصرية للاتصالات، بدأت الشركة في الدخول مجال خدمات الانترنت عام 1998 ، كنوع من أنواع تحرير خدمات الاتصالات وفتح الاستثمار في هذا المجال بشكل أوسع، واستعداداً أيضاً لإطلاق أول رخصة للمحمول في السوق المصري، التي كان من المتوقع ان تكون من نصيبها، وطبقاً لشروط مرفق تنظيم الاتصالات "الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات" حالياً، فإن الشركة التي من حقها الحصول على رخصة تقديم خدمات التليفون المحمول، لابد أن تكون مقدمة لخدمات الاتصالات والانترنت معاً، وبالفعل تم تشكيل لجنة لبحث هذا الأمر عام 1998 برئاسة المهندسة عزة ترك رئيسة مجلس الادارة السابقة للمصرية للاتصالات، ولكن هذه الخطوة جاءت متأخرة بعد أن تم حصول موبينيل على الرخصة الأولى لخدمات التليفون المحمول.

وفي عام 1999 وفي ظل تولي الدكتور أحمد نظيف أول وزارة للاتصالات في مصر، رفضت الحكومة المصرية منح الشركة المصرية للاتصالات الرخصة الثانية لخدمات المحمول، طبقاً لتصريحات الدكتور طارق كامل وزير الاتصالات السابق ومستشار وزير الاتصالات آن ذاك، الذي اكد خلال اجتماع اللجنة المسئولة عن ذلك أن الرفض لأسباب "سياسية" لم يذكرها وليس لأسباب فنية، بعد أن تحملت الدولة استثمارات وصلت وقتها إلى 50 مليون جنيه مقابل تجهيزات هذه الرخصة التي كانت من نصيب شركة "كليك" التي تغيرت بعد ذلك إلى فودافون مصر.

وأوضح د/ كامل خلال اجتماع اللجنة أن المصرية للاتصالات هي الشركة "الغول" على حد وصفه التي تمتلك البنية التحتية والكابلات والشبكات، وبالتالي فإن وجودها في هذه المنافسة ليس مناسب، وهو ما صرح به بعد ذلك المهندس محمد أبو قريش رئيس النقابة المستقلة للمصرية للاتصالات ورئيس قطاع سابق بالشركة والذي كان احد أفراد اللجنة التي تبحث هذا الأمر، ومن هنا بدأ المساومة بين المصرية للاتصالات باعتبارها الشركة المالكة للبنية التحتية، وتفكر في استأجار عدد دقائق من شركات المحمول كأحد الاستثمارات المقترحة وقتها، وبين شركي موبينيل وكليك التي تستأجر البنية التحتية من الشركة المصرية.

وأثناء الاستعداد لطرح الرخصة الثالثة في عام 2005، كان الجميع على يقين بأن هذه الرخصة من نصيب المصرية للاتصالات وبالفعل قام الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء وقتها، بشراء هذه الرخصة لصالح الشركة مقابل 1.8 مليار جنية، ثم تم بيعها بعد ذلك مقابل 3 مليار جنيه بحجة أن ظروف السوق لا تسمح بهذه الرخصة حالياً، وأن الدولة تعمل على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وأن منح هذا الترخيص لشركة مصرية سيتعارض مع هذا التوجه، وهو ما علق عليه ابو قريش قائلاً: إن سيطرة رؤوس الأموال الأجنبية على أي صناعة وطنية بنسبة أكثر من 75% تعني انتهاء سيادة الدولة على هذه الصناعة، مع العلم بأن حجم أرباح قطاع الاتصالات في مصر يصل إلى حوالي 35 مليار جنيه سنوياً وهو ما يعادل تقريباً دخل قناة السويس في هذه الفترة، توزع هذه الأرباح 30 مليار لصالح شركات المحمول الثلاثة و 5 مليار لصالح المصرية للاتصالات.

وقال رئيس النقابة أن هناك 4 قوى رئيسية هي المسيطرة على قطاع الاتصالات في مصر خلال تلك الفترة، أولها من حيث التأثير هي الاستثمارات الاجنبية، والقوة الثانية هي الاستثمارات المحلية بنسبة، والقوة الثالثة وهي المجتمع المدني الذي عادة ما يكون له تأثير باستثناء أوقات معينة مثل الثورات مثلاً، والقوة الرابعة وهي سيادة الدولة التي غابت تماماً عن المشهد في ظل ما وصفه بـ "اللوبي" المنظم، الذي بدأ منذ خصخصة الشركة المصرية للاتصالات في ظل حكومة الدكتور عاطف عبيد.

وأختتمت هذه المسرحية بتصريح الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات الأسبق عام 2011 ، حينما صرح بأن أجري كوزير 30 الف حنيه بينما يصل أجر رئيس المصرية للاتصالات إلى 200 الف جنيه ، واختتمها المهندس خالد نجم الوزير السابق بأن المصرية للاتصالات كانت "مخططفة" ونعمل على إرجاعها ، الأمر الذي يوضح كم المفاوضات السرية التي كانت تتم داخل قطاع الاتصالات والتي منعت الشركة المصرية للاتصالات من الحصول على حقها كشغل متكامل لخدمات الاتصالات حتى الآن.  

التعليقات