«سمر ذكي».. الفتاة التي جعلت لـ«الزلط» روحًا

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد

 

أحجار يتقاذفها الأطفال يمينا ويسارًا فيما بينهم، يلهون بها، فتارة يضعونها على الأرض ويقفزون من حولها ضاحكين، وتارة أخرى يرصونها فوق بعضها؛ مبتكرين بها أشكالًا من المباني والتماثيل، ولكن كانت «سمر ذكي» -فتاة في منتصف العشرينيات من عمرها تخرجت من كلية الآداب قسم علم النفس- مختلفة بعض الشيئ في طفولتها عن مثيلاتها من الأطفال، فقد اعتادت أن تتأمل كل شيئ يوجد حولها بداية من الطبيعة وانتهاءً إلى المخلفات والقمامة، والتي يعتقد البعض أنه لم يعد لها أهمية أو استخدام، وتقول سمر: «من صغري بحب أدعبس في الحاجات اللي حواليا وأجمع البرطمانات الفاضية والعلب والحاجات المتكسرة، وأقعد أمخمخ إزاي اطلع منها حاجة شكلها حلو».

 لم تكن «سمر» تلك الطفلة التي تطلق العنان لخيالها لتأمل الأشياء المحيطة قليلًا ثم تترك شغفها جانبًا لتعود إلى واقع فارغ كباقي الأطفال الذين يلتهون بقطعة من الحلوى أو فيلمًا كارتونيًا تقليديًا؛ حيث سعت إلى تحويل تأملاتها إلى واقع فني يشبع رغبتها في حبها للجمال وإعادة تزيين الأشياء القديمة، لتضيف: «جمعت علب الصابون الفاضية وغلفتها بورق أبيض وعملت منها قطار، ورسمت عليه قطط على أساس إنهم ركاب للقطار. وعملت أول جاليري ليا وانا طفلة في ركن عندي في آخر الصالة في الشقة، وجمعت فيه رسوماتي وكراكيبي الحلوة. كمان كنت بحب اتفرج على برامج الأطفال اللي بتهتم بالرسم وإعادة استخدام الحاجات اللي في العادي بنرميها، زي برنامج عالم سمسم، وده كان أكتر حاجة كنت بتفرج عليها في التليفزيون».

 

سمر ذكي
سمر ذكي

 

«ربنا مش بينسي أحلامنا أبدا حتى لو عدى وقت واحنا نفسنا نسينا» قالتها «سمر» عندما وصلت إلى ريعان شبابها وزاد حبها للفنون ولم تستطع السيطرة على شغفها، وتتابع: «لما بدأت أكبر لقيت نفسي بحب الرسم جدًا وأي شيء متعلق بالفنون، وخاصة إعادة استخدام المواد المستهلكة. وبعد تخرجي من الكلية اشتركت في مرسم مع الفنان التشكيلي إلهامي نجيب، اللي اتعلمت منه كتير جدا مش بس عن الفن وعلم الألوان، ولكن إزاي نستمتع بالدنيا ونكون حاجة حلوة فيها، وكمان إزاي الوقت اللي بأقضيه وانا بأرسم وباستمتع بوقتي ممكن استثمره في إنتاج أعمال فنية كفكرة للبيع وعمل مشاريع خاصة».

وتتابع: «اشتغلت على نفسي كتير عشان أتعلم أرسم على خامات كتير زي الخشب والزجاج، وأكتر حاجة الزلط، وكمان من القماش القديم المستهلك عملت عرايس ولعب أطفال واكسسوارات، لتستكمل حديثها بضحكة مداعبة: «حتى الحيط ماسلمش مني ورسمت على حيطة أوضتي».

 

 

اختارت «سمر» نوعًا مختلفًا من الفن، جذبها إليه، وجذبته بدقة رسمها وإتقانها، وكان «الرسم على الزلط» اختيارها، لتشرح قائلة: «فكرة الرسم على الأحجار بالتحديد بدأت من سنتين. في يوم صاحبتي ياسمين عملتلي مشاركة لرسومات (مانديلا) على الأحجار، شدتني جدًا وقعدت أدور لحد ما عرفت اسم الفنانة اللي عملتها، وبعت ليها أسألها إزاي بترسم على الأحجار، وجاوبتني إنها بتختار أشكال مناسبة للرسم واللي بتكون في الغالب مسطحة، وبعد كده بتغسل الأحجار كويس جدًا وتبدأ ترسم عليها بألوان اكريلك».

تحولت «سمر» مرة أخرى إلى طفلة، تطير فرحًا عند منحها لعبة جديدة، فهكذا كان شعورها عند بداية دخولها عالم «الرسم على الزلط»، وتقول: «الموضوع كان عامل زي اللعبة وفكرة جديدة أول مرة أشوفها. كنت مستمتعة جدا اني بأحول شيء مستهلك يمكن بندوس عليه واحنا ماشيين، لحاجة مرسومة وشكلها حلو، ومش بس كده لاء ده شيء قابل للبيع كمان. كنت كل ما أشوف كوم زلط في الشارع بابقى حاسة إني قدام كنز حقيقي».

 

 

أكثر من 200 قطعة فنية من الحجر أو الزلط، قامت «سمر» بالرسم عليها وتحويلها إلى لوحة فنية صغيرة وإضافتها إلى معرضها الفني؛ لتصنع لنفسها شُهرة في مجال «الرسم على الحجر»، لتستكمل: «قررت اني لازم أعمل كورسات للأطفال وأخليهم يتعلموا كل الفنون اللي اتقنتها. وبدأت أعمل ورشات للرسم والتلوين الحر مع الأطفال بالتعاون مع مؤسسة تنويرة الثقافية اللي أنشأتها أستاذة أمل هاشم واللي بتهتم جدا بتنمية الفكر الإبداعي عند الأطفال، ولسه هأنفذ ورشات تانية معاهم عن فن الكولاج والدودلز وعمل العرائس والألعاب».

وتفصح «سمر» عما ترسمه بداخلها: «انا مهتمة جدا أني أغير نمط الاستهلاك المنتشر ما بينا، وابتدي أساعد الطفل ينفذ ويصمم شيء مميز بإيده ويكون خاص بيه، وقتها هيعرف كويس جدا قيمة التصنيع وأنه لو شاف أي شيء عجبه مش هيغلب، لا ده هيحاول ينفذه بنفسه».

 

 

التعليقات