هؤلاء ركّاب قطارات الغلابة

أرشيفية
أرشيفية

 

طلاب.. موظفون.. بائعون.. مجندون.. أمناء شرطة
 
عشرات الملايين من المهمشين والمسحوقين والغلابة والفقراء من الموظفين والطلاب والبائعين يركبون قطار الغلابة بشكل معتاد ودائم، ورحلتهم اليومية فى البحث عن لقمة العيش، ليس لديهم وسيلة أخرى للسفر سوى القطار «المميز» أو قطار الغلابة كما يطلق عليه البعض، فلا يملكون رفاهية ركوب القطارات المكيفة، يضعون أيديهم على قلوبهم، ما بين تأخير يصل فى أحيان كثيرة لساعتين أو ثلاثة بسبب عطل فى الجرار.
الموظفون فئة من بين عشرات الفئات الأخرى التى تركب القطار بشكل معتاد فى الذهاب إلى أعمالهم أو العودة، لا سبيل أمامهم سوى هذه الوسيلة السهلة والرخيصة، كل ما يريده الفقراء هو وسيلة نقل آمنة ورخيصة.
مشهد وجوه الناس الغلابة يملأ عربات القطار الثمانى التى يتكون منها، مفردات كثيرة يومية وحكايات من طوائف الشعب المصرى تستقله بزحامه وفقرائه وأطفاله وباعته الجوالين الغلابة، أما رجال البزنس أو ما يطلق عليهم «الناس النضيفة» يركبون القطار المكيف، فلا يمكن أن يتأخر لحظة، ومن السهل جدا أن يتم حجز قطارات الغلابة بالساعة والساعتين على ما يعدى قطار الناس «اللى معاها فلوس» وفى أحيان كثيرة يظل القطار «مخزنا» فى أى محطة من المحطات الجانبية حتى يحن عليهم «المحولجى» أو مراقب البرج كما يطلق عليه، ويعطى لسائق القطار أشارة بالسير ويضىء له الإشارة خضراء.
زبائن القطارات الرخيصة معرفون بوجوهم الشقيانة، التى تتكدس بهم أعداد كبيرة، ويتزاحمون على الأبواب وفى الطرقات، ووسط عربات متهالكة انتهت صلاحيتها منذ فترة طويلة، ويعاد تشغليها مرة أخرى، فى ظل شبابيك مغلقة يتم تسكيرها على يدى المواطنين حتى ينعموا بنسمة هواء فى صيف حار خانق داخل عربات القطار، لا تهوية ولا شبابيك مفتوحة، ومع انتهاء فصل الصيف يضطر المواطنون أن يضعوا كراتين على الشبابيك التى تم تكسيرها فى الصيف وهكذا بشكل معتاد، حتى الحمامات الموجودة فى العربات، حالتها سيئة جدا ورائحتها كريهة ولا يمكن استعمالها، بالإضافة إلى عدم وجود أبواب عليها، إنها المعاناة اليومية لملايين من المواطنين ركاب قطارات الغلابة.
حالة من السخرية والتندّر يتناقلها المواطنون عندما يسمعون أن القطار الأزرق يطلقون عليه «المميز» والقطار الأصفر يعنى «المطور»، فلا هو مميز ولا حتى مطور، فمنذ عشرات السنين لم يتم استيراد عربات جديدة ولا حتى جرارات، فلا يمكن أن يسير قطار فى ميعاده فالكل متأخر إلا المكيف منها «بتاع الناس اللى معاها فلوس».
مشاهد قطارات مدهونة باللون الأصفر فى الخطوط الجانبية وتحديدا فى خط «القاهرة ـ طنطا وخط منوف، وخط بنها ـ منوف وميت غمر» وغيرها من الخطوط الجانبية كلها متهالكة يتم تشغيلها مرة أخرى بعد ترميمها بشكل مؤقت، وفى نهاية المشهد المتكرر يدفع الناس الغلابة حياتهم فى ظل أهمال متفشٍ وفساد يسير على قضبان السكة الحديد فهم الضحايا الدائمون.
نماذج الناس الغلابة وهى تركب يوميا القطار من محطة «مصر» فى رمسيس تشهد بأعينها التفاوت الطبقى المرعب بينهم وبين «اللى معاهم فلوس» وهم ينتظرون قطارهم المكيف، بكل تأكيد ناسنا وأهالينا الغلابة لا يحقدون على هؤلاء، بل يريدون حياة كريمة، ووسيلة مواصلات آمنة يعودون فيها إلى بيوتهم وليس إلى المقابر، هذا هو حلم الغلابة فى رحلتهم اليومية مع قطارات الفقراء، استمرار الحوادث بأشكال كثيرة يجعلنا أمام قتل مع سبق الأصرار والترصد للغلابة فى هذا البلد.

 

التعليقات