«كاتب جنسي».. اتهام «شعبي» و«رئاسي» واجه إحسان عبد القدوس

عبدالقدوس - عبد الناصر
عبدالقدوس - عبد الناصر

 

  • هيكل أبلغ إحسان عدم رضا ناصر عن المحتوى الجنسي في "البنات والصيف".. فرد الأديب بـ 1300 كلمة
  • ناقد أدبي دافع عن إحسان في السبعينيات: استخدم الجنس لكشف تحوُّل المرأة إلى سلعة

 

الابن: في مشروع يا ماما اتخذنا فيه قرار. هنعمل مكتبة نشترك فيها كلنا.

الأم: فكرة هايلة. أنا مستعدة أشترك معاكم.

الابن: لأ. آسفين!

الأم: آسفين ليه؟

الابن: لأن الفكرة قائمة على التحرر من رأس المال، وإنت رأس المال. لو اشتركتي معانا هتكوني مركز قوة، وإحنا مش عايزين مراكز قوى.

الأم: خلاص بلاش أشترك معاكم. لكن افرض جبتم كتاب أنا مش موافقة عليه؟

الابن: مش من حقك!

الأم: هنبتدي في قلة الحيا؟

الابن: أومال فين حرية الرأي؟

الأم: يعني تروحوا تشتروا كتاب عن الجنس مثلًا وأسيبه يدخل البيت؟

دار هذا الحوار –الذي له أكثر من مخزى- في فيلم "إمبراطورية ميم" (1972)، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للأديب إحسان عبد القدوس (1919-1990).

ولا عجب أن يكون "سان" –كما كان يناديه أصدقاؤه المقربون في جريدة "روزاليوسف"- هو من كتب هذا الحوار، الذي يتناول معاناة عدة كتاب، كان هو منهم، وُصِفَت –أو وُصِمت- كتاباتهم الروائية بأنها تنشر الانحلال والرزيلة وتتحدث في الجنس!

هيا نتذكر معاناة "إحسان" مع تلك الاتهامات، ونحن نمر بالذكرى الـ27 لوفاته في 12 يناير 1990.

"بنات" إحسان تزعج الرئيس

لكن إحسان يختلف تمامًا عن الآخرين، إذ واجه اتهامًا بهذا الشكل من رئيس الجمهورية شخصيًا! فحين نشر ابن فاطمة اليوسف قصصًا بعنوان "البنات الصيف" على صفحات جريدته "روزاليوسف" عام 1955، بعث الرئيس الراحل جمال عبد الناصر برسالة إلى إحسان عبر الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، مفادها أنه غير راضٍ عن نشر تلك قصص التي تضم حكايات عن الجنس.

ربما لم يكن إحسان قد نسى قصة اعتقاله في العام السابق بسبب مقال "الجمعية السرية التي تحكم مصر" -وهو الاعتقال الذي اعتذر عنه عبد الناصر شخصيًا مؤكدًا أنه تم دون علمه- لذا اهتم بالدفاع عن نفسه أمام الرئيس، فصاغ رسالة طويلة عريضة تتكون من نحو 1300 كلمة! وأرسلها إلى ناصر، ومن ما جاء فيها: "سيدي الرئيس.. إن ألبرتو مورافيا في إيطاليا، وجان بول سارتر في فرنسا، وهمنجواي وفولكنر في أمريكا، وغيرهم عشرات كلهم يكتبون قصصًا أكثر صراحة وبشاعة من قصصي، ورغم هذا فهم يرشحون لجائزة نوبل. وحاول كثيرون من الكُتّاب في مصر أن يحملوا هذه المسئولية، كعبد القادر المازني في قصته «ثلاثة رجال وامرأة»، وتوفيق الحكيم في قصته «الرباط المقدس»، ولكن ثورة الناس عليهم جعلتهم يتراجعون".

وختم إحسان رسالته قائلًا "إن كل ما قصدته بخطابي هذا هو أن أظل محتفظًا بثقتك فيّ، وأنا محتاج إليك كسند وأخ، وقد عشت حياتى كلها أشعر بالوحدة بين الناس وأكافح وحدي ضد دسائس الناس وظلمهم لى، دون أن آخذ من كفاحي شيئًا إلا استمرارى في الكفاح".. انتهت الرسالة، وتحولت "البنات والصيف" إلى فيلم صدر عام 1960 من بطولة "ابن الثورة" عبد الحليم حافظ.

الطريق المسدود بين إحسان و"الأب والأم"

".. وارتفعت سخونة أنفاسه، كان كل ما فيه يغلي.. واشتدت برودة جسدها كأن كل ما فيها يموت.. ثم أحست بيديه تضغطانها إلى صدره، وأحست بهما تطوقان خصرها، ثم ترتفعان إلى نهديها البريئين، ثم إذا بيديه ترتجفان فوق صدرها وهما يبحثان عن منفذ في ثوبها لتصلا منه إلى لحهما.."

مشهد من قصة طويلة لإحسان عبد القدوس باسم "الطريق المسدود" صدرت عام 1955. المشكلة إذن ليست في رئيس الجمهورية، بل في ثقافة الأب والأم وقتها، وربما حتى الآن! إذ لن يستسيغا أن يقرأ ابنهما المراهق أو ابنتهما المراهقة مشهدًا كهذا، قد تراه عاديًا أو أقل من العادي، خاصة ونحن في عصر الإنترنت.

من يدافع عن إحسان؟

احتاج إحسان إلى من يدافع عنه، لذا إذا تصفحت عدد مجلة الهلال الثقافية الشهرية في مارس 1977، ستجد دراسة على هيئة مقال أو مقال على هيئة دراسة بعنوان "المرأة والجنس في أدب إحسان عبد القدوس"، ويحاول كاتبها الراحل "عبد الرحمن أبو عوف" تفنيد الاتهامات الموجهة لأدب عبد القدوس في وقت كان فيه لا زال على قيد الحياة. ويقول "ربما يتسرع القارئ أو الناقد لاتهام إحسان بالخروج عن اللياقة الاجتماعية، والصراحة المفزعة للذوق، بل يتهمه بتضخيم أزمة الجنس. غير أن الفحص العميق غير المتزمت أخلاقيًا يكشف عن دلالة أخطر وأشمل للسقوط الذي يهدد المجتمع. سقوط في معايير السلوك والنمط السائد للعلاقات بين الطبقات المسيطرة، التي يحكم عواطفها الخاصة منطق سوق البورصة والملكية الخاصة النفعية، التي تحيل آدمية المرأة وعواطفها إلى سلعة رخيصة".

هكذا شرح الناقد الأدبي كيف استخدم إحسان الجنس في رواياته للدفاع عن المرأة بعدما تحولت إلى سلعة عقب الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بالضبط كما استخدمه في السابق لإيصال رسالات مجتمعية أخرى.

وكمثال، يخبرنا أبو عوف عن قصة "خيوط على مسرح العرائس" لإحسان، التي عرى فيها طريقة إدارة لعبة الكراسي الإدارية في فترة معينة من تاريخ مصر، وكيف استخدمت "خديجة" –إحدى بطلات الرواية- علاقاتها (الخاصة) للحصول على أذون استيراد وتصدير، وكيف كان هذا النمط من النساء ينتشر مع انتشار محلات البوتيكات والسلع الاستهلاكية المستوردة.

دراسة الجنس "واجب"

في حوار معه عام 1958 بمجلة الكواكب، قال إحسان ردًا على تصنيفه ككاتب جنسي عقب ظهور رواية وفيلم "لا أنام": "كان لزامًا عليّ ألا أهرب من تحليل هذه المواقف بل مواجهته بشجاعة، ودراسة الجنس واجب من واجبات الكاتب لا يستطيع أن يتجاهله وإلا تنقص القصة".

التعليقات