«ديوريكس».. حطم جميع قواعد الإعلان فى مصر

- من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد الاسبوعية

حالة من الجدل نجحت فى إحداثها صفحة «Durex» «ديوريكس» منذ ظهورها على مواقع التواصل الاجتماعى، بعد نجاحها الساحق فى الترويج لمنتجاتها «أوقية ذكرية» من خلال الاعتماد المطلق على مفاهيم شباب «فيسبوك» وحدها، فلجأ إلى الخلطة المعتادة وهى الاعتماد على تصميم «فوتوشوب» جيد مع تعليق ساخن عادة ما يكون متسقا مع مناسبة ما مع حمله مدلولا جنسيا بشكل مبطن، وهو بهذا يكون أكثر منتج يتجاوز القواعد التقليدية للإعلانات فى مصر.

لطالما كانت المنتجات الجنسية يتم اعتبارها من المحرمات مما يجعلها تعتمد على نفسها فى الترويج، لأن التقاليد القديمة المحافِظة للتليفزيون، -المكان الأول للإعلانات سابقًا- كانت تمنع عرض مثل هذه المنتجات عبر الشاشة، وفى السنين الأخيرة فقط تم السماح بشكل جزئى لإعلانات المنشطات الجنسية وحدها بالخروج للمشاهدين، مع الحرص التام على عدم المباشرة واللجوء المستمر إلى اللف والدوران والإيحاءات كى لا يقع فى فخ الانتقادات.

أما باقى «عائلة المنتجات الجنسية» وهى تجارة لها اعتبارها القويم فى الخارج والداخل، من أول الأوقية وحتى بعض المستلزمات الأخرى فأزعم أنه يكاد يكون من حكم المستحيل أن يخرج إعلان لها إلى النور فى ظل هذه الأجواء المتشنجة التى تحاكم الكتبة والصحفيين فما بالك بصناع إعلان جنسى؟!

مما جعل صفحات «فيسبوك» لها أشبه بطوق النجاة فى الإعلان عن وجودها للناس من خلال تكثيف المحتوى الدعائى عبرها من خلال الاعتماد على فريق «سوشيال ميديا» قوى، وهذا ما حققه فريق «ديوريكس» بمنتهى البراعة.

بمفردات المجتمع وفى استغلال جيد لعاداته وأعياده، وبخفة دم لا يعشق المصريون مثلها، نجحت الصفحة فى تقديم بضاعتها دون أن تتدنى فى رسالتها إلى قاع الابتذال ودون أن ترتفع بها إلى سماء الغموض والملائكية. رسالة «بين بين» تعتمد على اللمحة واللقطة فى الترويج لأهمية معروضاتها، وكل لبيب بالإشارة يفهم، مع الحرص على إجابة كل استفسارات الجمهور، حتى الساخرة منها والناقدة للصفحة ككل، بشكل لا يخرج عن روح الصفحة «السخرية والتورية»، مما يزيد من جودة التفاعل على كل صورة ينشرونها.

فى العيد كتبوا لجمهورهم «العيد فرحة» مع نشر صورة لفتاة تنفخ فى بالونة بشكل الواقى الذكرى، وفى ظل موجة أغنية أحمد شيبة «آه لو لعبت يا زهر» كتبوا «ماتستناش الزهر يلعب معاك.. الكيس دلوقت بـ3.5 جنيه»، فى عيد العمال غيّروا فى التصميم الاحتفالى له بعد تعديل ما تمسكه قبضة اليد من مفتاح إنجليزى لـ«كاندوم» وهكذا، بعقلية شبابية مرنة عرفوا كيف يستغلون وجودهم فى الواقع الافتراضى لترويج منتجاتهم بشكل مميز، كان من آخر المستحيلات أن يظهروا به عبر أى وسيلة إعلانية مرئية أو مسموعة.

هذا النجاح الملحوظ يعيد إلى الطاولة مناقشة جدوى الإعلان عبر صفحات التواصل الاجتماعى، وأنها المَلِك المقبل لـ«تورتة الميديا»، لما تقدمه من مزايا مهولة لأصحاب المنتجات، أبرزها القدرة على الوصول إلى كل الشرائح الاجتماعية المختلفة، مع انعدام الرقابة بشكل شبه تام، اللهم إلا الرقابة الذاتية والبعد المشروط عن الترويج للعنف والحض على الكراهية والمجون، وما عدا ذلك فالساحة خالية أمامك لكتابة وعرض ما تريد، يكفيك فقط أن تتمتع بعقل خلاق يعرف كيف يخاطب الجمهور جيدًا بمرادفاتهم وسلوكياتهم وحتى عاداتهم الجيد منها والمعيب. وفى النهاية الحكم للمستهلكين وحدهم، فإما أن ينفضوا من حولك أو تنجح فى جذبهم إلى مكانك، وهو ما نجح فيه القائمون على صفحة «ديوركيس» بامتياز.

وهذا النجاح يستدعى سؤالاً آخر عن مدى صمود »التليفزيون« فى المركز الأول كأداة يستغلها المعلنون للترويج لمنتجاتهم، فى المنطقة العربية على الأقل تؤكد كل الشواهد أنه فقد عرشه بامتياز؛ فالأفلام تُحمّل «تورنت» وتشاهد على الكمبيوتر، والأغانى تستمع عبر الموبايل و«اللاب»، وحتى آخر الأخبار ومقتطفات البرامج وأهداف المباريات الكبرى لم يعد لأحد أى صبر على مشاهدتها كاملة عبر الشاشة، واكتفوا بالتعرف عليها بشكل سريع عبر شاشة الموبايل، التى تغذيها بكل هذه البيانات شبكات التواصل الاجتماعى التى تضمن لصاحب كل منتج رواجًا دائمًا واستهداف دقيق للشريحة التى ينتوى الإعلان عنها. وهو أمر لا توفره وسيلة إعلانية إلا «السوشيال ميديا» التى تكفل لكَ انتقاء مشاهدى إعلانك على حسب الفئة العمرية والجنس وحتى الهوايات ومقر الإقامة.

بالأمس كان «الراديو» هو الهدف الأمثل للإعلانات، وبعدها أصبحت «إعلانات الآت دور» و«التليفزيون»، والآن بات واضحًا أن الكلمة والأولى ستكون فقط لأصحاب المواقع الزرقاء وأخواتها.

وهو ما يستدعى تطورًا كبيرًا فى مفهوم الإعلانات، يتضح من خلال نجاح تجربة «ديوريكس»، من خلال مخاطبة العملاء بشكل فردي، واستخدام المرادفات التى يسخدمونها فى حياتهم لتكون أقرب لهم، ويكونون أكثر إقبالاً عليها، فعلى الجميع أن يكونوا كـ«ديوريكس» وإلا فليكتفوا بلعب البوكيمون، ويتركوا مهنة الإعلانات لروادها المستقبليين.

التعليقات