ليست الأهرامات فقط.. المثلية الجنسية أصلها فرعوني!

- من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد الأسبوعية

فى عام 1980م نشر الباحث الأمريكي «جيم كنيستون» بحثًا موثقًا عن تاريخ المثلية، نُشر في مجلة «الشذوذ الجنسي»، واعتُبرت أوثق محاولة للوصول إلى تعريفات وتصنيفات محددة بشأن هذا السلوك، قال فيه إن كلمة HOMOSEXUAL تعني الرجال أو السيدات الذين يفضلون ممارسة الجنس مع شريك من نفس الجنس، والتي لا يفضل الكثيرون استعمالها ويستخدمون بدلاً منها اللفظ gay.

هذه الظاهرة ضاربة في القِدم، ولم تقتصر على حضارة دون غيرها، بل وتؤكد الوثائق أن المصريين والآشوريين والبابليين واليونانيين عرفوها، وبالعودة إلى الأساطير الإغريقية القديمة سنعرف أن الشاعر هوميروس يحدثنا في الإلياذة عن الحب الذي يحمله البطل أخيل للغلام «باتروكلوس»، وفي أساطير الإغريق أن رب الرباب «زيوس» هو الذي اغتصب الفتى الوسيم «جانيميد»، كما يحدثنا أفلاطون عن عشق سقراط للغلام «اليسباديس»، ويذكر ديوجنيس أن سقراط عندما كان غلامًا كان معشوقًا لمعلمه، وعلى الرغم من المَسحة المتحفظة «ظاهريًا» على التاريخ العربي من هذا الأمر، إلا أن المكتبة العربية من أغنى مكتبات العالم في موضوع الجنس، وبالذات في موضوعات الشذوذ، والتي ناقضت الموقف الديني الرسمي في القرآن الذي حرَّمه على لسان النبي لوط حين عاتب قومه لإتيانهم «فاحشة» ما سبقهم إليها أحد، إلا أن عددًا كبيرًا من خلفاء الدولة العباسية يملكون «غِلمانا» يمارسون معهم ما يُسمى بالتلمذة الجنسية، بمعنى المداعبة وعدم الوصول إلى الاتصال الجنسي الكامل، وحفظت لنا كُتب التاريخ العديد من الأشعار الماجنة التي وثقت سلوكيات شائنة مثل أقاويل أبى نواس وابن برد وغيرهما.

رسم وثق به الفراعنة المثلية الجنسية في عصرهم

يقول د.رمسيس عوض في كتابه «الشذوذ والإبداع»، إن تاريخ أول سجل أدبى لظاهرة الشذوذ يرجع إلى أكثر من 4.5 آلاف عام حين تناولته إحدى البرديات المصرية القديمة.

حفظت لنا البرديات قصة الشريكين «خنوم حتب وني أنخ خنوم»، وهما ذكران مصريان قديمان عاشا في حوالي عام 2400 قبل الميلاد، وكان بينهما علاقة «وطيدة» ولهما رسم على الجدران «في وضع تقبيل».

كما أفردت جريدة «الإندبندنت» البريطانية تحقيقًا مطولاً أثبتت فيه حدوث انتشار نسبي، لهذه الظاهرة في المجتمع الفرعوني، مبررة ذلك بأن الإعلان السابع والعشرين لكتاب «الموتى» يؤكد فيه المتوفي أنه لم يكن له علاقات أي جنسية شاذة، كشرط من شروط «الخلاص الأخروي».

ووثق كتاب «مروج الذهب» و«تاريخ الخلفاء» أخبار هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامى التى تفشت إلى أن وصلت الخلفاء، فالوليد بن يزيد من عصر الأمويين اشتهر باللواط، حتى إنه راود أخاه عن نفسه!

وكذلك نال العصر العباسى حظه من خلال إسهام الخليفة الواثق الذي كان عاشقا للغلمان، وكان منهم غلام مصري اسمه مهج، ملك مشاعره وملك وجدانه حتى قرض فيه شعرًا.

ولا يمكن أن نغفل عن أشعار أبى نواس، التى امتدح فيها الشذوذ علنًا فى أبيات عديدة، مثل:

«أحب الغلام إذا كَرّها وأبصرته أشعثًا أمْرَها

وقد حذر الناسُ سكينه فكلهم يتقى شرها

وإني رأيت سراويله لها تكة أشتهي جرها».

كما أن كتابًا «سليط اللسان» مثل «نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب»، أفرد فصولاً كاملة في تأريخ ظواهر الجنس في دولة الخلافة منذ عصر ما قبل الإسلام، وأكد أن المأمون كان له مئتا جارية، ثم مال إلى الغلمان، أما الأمين فقد رغب عن النساء ومال إلى الغلمان، وكان يفتي بأن الغلام إذا كان ملك اليمين حل التمتع به. وانطبق الشيء نفسه على المعتصم الذي مال إلى الغلمان الأتراك.

توضح الكتابات الشعرية ما بين القرنين الـ16 و19 مدى «الوجود المِثلى» في ظل الخلافة العثمانية، وهي ممارسات اتخذها محمد عبد الوهاب وآل سعود في محاولات الخروج بحكم الجزيرة عن حكم الآستانة، وكان أبرز ظواهر هذا الوجود الـ«Köçek»، وهم صبيان صغار يتم تدريبهم على الرقص وارتداء ملابس الإناث، ويُختارون من بين غير المسلمين عبر ما يعرف بضريبة الدم، وهي ضريبة اعتاد العثمانيون أخذها من صغار الأعداء المهزومين. وكان الـKöçek يعزفون على الآلات، ويرقصون للرجال، ويضعون أدوات تجميل النساء.

فى العام 1858 ألغى السلطان عبد المجيد الأول العقاب على الممارسة المثلية، فمنذ هـذا العام بات من حق المثليين الممارسة دون أن يعاقب عليها القانون، وفي عهد السلطان عبد العزيز ثم عبد الحميد الثاني (1908/1961) اندثرت ثقافة الـKöçek، وإن لم تُمنع الممارسة المثلية أبدًا إلى يومنا هذا.

 

التعليقات