في ذكرى رحيله.. اللحظات الأخيرة لاستشهاد عمر المختار

إعدم عمر المختار
إعدم عمر المختار

 

عاش حياته من أجل الجهاد ومحاربة الغزاة، أملًا في تحرير أراضي بلاده من الطامعين، استطاع أن ينحت اسمه في التاريخ، حتى أنه يعد من أشهر المقاومين العرب والمسلمين، فهو المجاهد العربي الليبي، «شيخ الشهداء والمجاهدين» عمر المختار، الذي تحل ذكرى استشهاده الـ86 اليوم.

عمر المختار، اتخذه المجاهدين منهجًا وطريقًا لهم يهتدوا به لطريق الحرية، واستطاع أن يوحد شعب بلاده على كلمة واحدة، وهي محاربة عدوهم اللدود «الغزو الإيطالي»، الذي سلب منهم وطنهم وحرياتهم.

وفي ذكرى رحيله يستعرض «اليوم الجديد» المشهد التفصيلي لعتقال «أسد الصحراء» في التقرير التالي:

استطاع الغزو الإيطالي لليبيا، بقيادة غرانسياتي، في أكتوبر 1930، من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة، نزف فيها كثير من دماء أنصار «المختار»، ومن خلالها عثر الطليان عقب انتهائها على نظّارات «شيخ المجاهدين»، وخيله المعروف مجندلًا في ميدان المعركة، وذلك ما ثبت أنه ما زال على قيد الحياة، وزرع بداخلهم الغضب الشديد، بسبب اعتقادهم بأنه توفى خلال الحرب.

وبعدما تأكد «غراتسياني» من عدم وفاة «المختار» كتب منشورًا حاول فيه أن يدشن الرعب في قلوب المختار وأنصاره، والقضاء على أسطورته، وقال متوعدًا: «لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغدًا نأتي برأسه».

 

إيطاليا في ليبيا
إيطاليا في ليبيا

 

وفي 11 سبتمبر من عام ،1931 توجه عمر المختار مع عدد صغير من رفاقه، في زيارة سرية لضريح الصحابي «رويفع بن ثابت» بمدينة البيضاء، ولكن تمكنت وحدة استطلاع إيطالية من التعرف عليهم، وأبلغت سريعًا قواتها، وقاموا بمهاجمة «أسد الصحراء» هو وأصدقائه، واستطاع الاحتلال التعرف عليه وأخذ أسيرًا.

 

بعض المجاهدين
بعض المجاهدين

 

وبعدها تم استدعاء أحد القادة الطليان، «دودياشي» الذي سبق أن فاوض «المختار» للتثبت من هوية الأسير، وبعدها نقله جيش الأعداء إلى مبنى بلدية سوسة، ومن هناك على ظهر طراد بحري، إلى سجن بنغازي، ويحوطه كوكبة ضخمة من القوات الإيطالية أثناء نقله، مُكبلًا بالسلاسل، دون مراعاة سنة وحالته الصحية.

 

 المختار من الجانب ومن الأمام، بالإضافة لبصماته بعد مُقابلة مع غراتسياني.
المختار من الجانب ومن الأمام، بالإضافة لبصماته بعد مُقابلة مع غراتسياني.

 

وصل الأسير إلى بنغازي، وكان على الرصيف مئات من المشاهدين عند نزوله في الميناء، ولن لم يتمكن أي شخص مهما كان مركزه أن يقترب من الموكب المُحاط بالجنود والقوات المسلحة بالرشاشات، حتى أودع في زنزانة صغيرة خاصة به، كان يتم تغيير الحراس عليها كل فترة، وأثناء مكوث عمر المختار في السجن، أراد المأمور رينسي، السكرتير العام لحكومة برقة، في يوم 14 سبتمبر، بأن يُقحم الشارف الغرياني، في موقف محرج مع «المختار» فأبلغه بأن «شيخ المجاهدين» طلب مقابلتك، فلبى الأول طلب الشيخ، وذهب إلى السجن لمقابلته، وعندما التقائهما عم السكوت الرهيب، حتى قال الأول: «الحاصلة سقيمة والصقر ما يتخبل»، وماكاد الشيخ، يسمع المثل المذكور حتى رفع رأسه ونظر بشدة إليه قائلًا: «الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، رب هب لي من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، أنني لم أكن في حاجة إلى وعظ أو تلقين، أنني أومن بالقضاء والقدر، وأعرف فضائل الصبر والتسليم لإرادة الله، أنني متعبٌ من الجلوس هنا، فقل لي ماذا تريد؟»، فأيقن المندوب الإيطالي، أنه غرر به فزاد تأثره وقال له: «ما وددت أن أراك هكذا ولقد أرغمت نفسي للمجيء بناًء على طلبك» فرد: «والجبل الشامخ أنا لم أطلبك ولن أطلب أحدًا ولا حاجة لي عند أحد»، فتلقى «الغرياني» كلماته كأنها رصاصات في قلبه، وعند رجوعه إلى منزله سؤل عن نوع الثياب التي كان يرتديها «أسد الصحراء»، فوصفها قائلًا: «عليه ثيابٌ لو تُقاس جميعهابفلسٍ .. لكان الفلسُ منهن أكثرا، وفيهنَّ نفسٌ لو تُقاس ببعضها .. نفوس الورى كانت أجلَ وأكبرا».

 

كوكبة ضخمة من القوات والجنود أثناء نقل المختار بعد أسره.
كوكبة ضخمة من القوات والجنود أثناء نقل المختار بعد أسره.

وبعد مرور أيام التقى «شيخ المجاهدين» عدد من المحققين الطاليان، ليستجوبوه في جميع مايراودهم من أفكار، ولكنهم تفاجئوا من هدوئه وصراحته المذهلة في الرد على أسئلتهم، إذ قال لهم: «نعم قاتلت ضد الحكومة الإيطالية، لم أستسلم قط، ولم تخطر ببالي قط فكرة الهرب عبر الحدود، منذ عشر سنوات تقريبًا وأنا رئيس المحافظية. اشتركت في معارك كثيرة لا أستطيع تحديدها، ولا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة، وما وقع ضد الطليان، منذ عشر سنوات وحتى الآن كان بإرادتي وإذني، كانت الغارات تنفذ بأمري، وبعضها قمت به أنا بنفسي، فالحرب هى الحرب، أعترف بأنه قبض علي والسلاح بيدي، أمام الزاوية البيضاء، في غوط اللفو، هل تتصورون أن أبقى واقفًا دون إطلاق النار أثناء القتال؟، ولا أشعر بالندم عما قمت به».

مختار يجلس في زنزانته
مختار يجلس في زنزانته

وصل «غراتسياني» إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر، وأعلن عن انعقاد المحكمة الخاصة يوم 15 سبتمبر 1931، وفي صباح هذا اليوم قبل المحاكمة بساعات، رغب القائد الإيطالي، في الحديث مع «المختار»، وكتب الأول في مذكراته: «عندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المُرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية، يداه مُكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أُصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطًا لأنه كان مغطيًا رأسه بـ«الشال»، يجر نفسه بصعوبة، لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالرغم من ذلك خيل لي أنني أقف أمام رجل ليس كالرجال، له منظره وهيبته، فها هو واقف أمام مكتبي، سألته:

لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشية؟..أجاب: من أجل ديني ووطني، فاستكملت: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟ أجاب: لا شيء إلا طردكم، لأنكم مغتصبون، فقلت له: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم؟ أجاب: لا يمكنني عمل أي شيء، نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا، ولا نستسلم أو نلقي السلاح».

فانتهى اللقاء بين «غراتسياني» و«المختار» وفي الساعة ال5 مساءً 15 سبتمبر 1931، بدات المحاكمة، وجاء الأخير، إلى قاعة الجلسة محضرين معه أحد المترجمين الرسميين ليتولى ترجمة كلامه هو والقضاة، فعند بدأ الاستجواب، بلغ التأثر بالترجمان، مما جعله لايستطيع إخفاء خوفه وارتباكه، فأمر رئيس المحكمة باستبعاده وإحضار شخص آخر، فوقع الاختيار على أحد اليهود.

 

جلسة محاكمة المختار
جلسة محاكمة المختار

بدأت الجلسة وكان «المختار» جريئًا جدًا، ليصحح بنفسه للمحكمة بعض الوقائع، وخصوصًا حادث الطيارين الإيطاليين أوبر وبياتي، الذين أسرهما المجاهدون قبل ذلك، وبعد استجوابه وقف المدعي العام «بيدندو» وطلب بالحكم عليه بالإعدام، وبعدها أثير الجدل بداخل المحكمة بين مؤيد ومعارض، ولكن القاضي أسكت الجميع قائلًا: «الحكم بعد المداولة».

مضت فترة قصيرة من الانتظار لمعرفة الحكم، فدخل القاضي والمستشاران والمدعي العام، وقال «قررنا بالحكم عليه بالإعدام شنقًا حتى الموت، وعندما ترجم الحُكم إلى «المختار» اكتفى بقوله: «إن الحكم إلا لله، لا لحكمكم المُزيف، إنا لله وإنا إليه راجعون».

في صباح اليوم التالي للمحاكمة، 16 سبتمبر 1931، اتُخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق، لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، و20 ألف من الأهالي وجميع المُعتقلين السياسيين، خصيصًا من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحك

م في قائدهم.

المختار
المختار

إعدام عمر المختار
إعدام عمر المختار

وفي مشهد حزين، مر على كل الحاضرين كأنه سنين، حضر «أسد الصحراء» مكبل الأيادي، وفي الساعة التاسعة صباحًا وصل إلى موقع المشنقة، حتى أخذت الطائرات تحلق في الفضاء فوق ساحة الإعدام على انخفاض، وبصوت مرتفع، لمنع الأهالي من الاستماع إلى كلماته، ولكنه لم يتفوه بكلمة، وسار هادئًا إلأى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، ويؤذن في صوت خافت آذان الصلاة عند صعوده للحبل، وكان يقرأ «يَا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضيًة مرضية» وبعدها كان قد عُلق على المشنقة وفارق الحياة.

فك الأصفاد لإعدام المختار
فك الأصفاد لإعدام المختار

إعدام عمر المختار
إعدام عمر المختار

 

التعليقات