بالأرقام| عام من الإصلاح.. ما الذي تغير في الاقتصاد المصري؟!

طارق عامر- محافظ البنك المركزي
طارق عامر- محافظ البنك المركزي

 

عام مضى على قرارات تحرير سعر الصرف التي اتخذت في 3 نوفمبر 2016، والاقتصاد المصري ما زال يبحث عن نفسه، مدفوعًا بارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم وصلت إلى 34%، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر متأثرًا بتآكل الطبقة المتوسطة، فيما تكتوي الطبقة الأشد فقرًا بنار الأسعار ولهيب القرارات المتتالية، لتتحول بدورها إلى الطبقة الأشد احتياجًا، ما تسبب في ارتفاع حدة الفقر بين جموع المصريين ليلامس 40% من الشعب المصري.

هذه التطورات جاءت مصحوبة بارتفاع معدلات الدين العام، لتصل إلى نحو 3.5 تريليون جنيه، تأثرًا بارتفاع الدين الخارجي لـ79 مليار دولار، ما تسبب في تراجع الجنيه ليفقد قيمته الشرائية لأكثر من 120%، الأمر الذي أحدث موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.

قرارات تحرير سعر الصرف، من جهة أخرى، أسهمت في ارتفاع الاحتياطي النقدي ليصل إلى 36.5 مليار دولار، وأدت إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، واستعادت الثقة إلى الاقتصاد المصري بعد سلسلة من الهزات العنيفة الذي تعرض لها

يتفق الدكتور صالح سالم ووائل النحاس، الخبيران الاقتصاديان على أن قرارات الإصلاح كانت عنيفة وأحدثت هزات قوية، أثرت على السواد الأعظم من الشعب المصري.

 

أبرز الخاسرين          

القطاع العقاري تأثر بشدة بقرارات التعويم، فأغلقت أكثر من 500 شركة أبوابها، وتركت السوق المصري بحثًا عن فرص استثمارية واعدة في أسواق أخرى، حيث أثرت القرارات الاقتصادية عن ارتفاع أسعار مستلزمات وأدوات البناء كالحديد والأسمنت، والأدوات الكهربائية والمنزلية، إذ قفزت أسعار الحديد من ستة آلاف إلى نحو 12500 جنيه للطن الواحد، فيما تضاعفت أسعار أدوات البناء كالخشب، والأسلاك الكهربائية، وأدوات الإنارة والأبواب والشبابيك، وغيرها بنسبة تجاوزت 100%، ما أدى بالتبعية إلى قفزة ضخمة في أسعار العقارات، ما أحدث نوعًا من الكساد.

القطاع الدوائي لم ينج من انفلات الأسعار، فاختفى أكثر من 1450 صنفًا دوائيًا، وارتفعت أسعار الأدوية قرابة 90%، ولم ينج أي صنف من موجة الارتفاع.

القطاع الصناعي نال نصيبه هو الآخر، فتوقفت عشرات الشركات والمصانع عن الإنتاج بعد ارتفاع تكلفة التشغيل والتصنيع.

القطاع الزراعي تضرر من قرارات الإصلاح، حيث تضاعفت أسعار الأسمدة والبذور، فضلاً عن المبيدات، حيث ارتفعت مستلزمات الزراعة والنقل بعد قرار التعويم، التي تأثرت بها جميع المحافظات.

الخدمات أيضًا رضخت للتأثيرات السلبية، فارتفعت أسعار المياه والكهرباء، تأثرًا بقرارات الإصلاح الاقتصادي.

قطاع النقل والسيارات عانى هو الآخر من سلسلة الارتفاعات بعد تحرير سعر الصرف، فتضاعفت أسعار السيارات، وتوقفت حركة البيع والشراء قبل تحديد الدولار الجمركي عند 16 جنيهًا.

وظل تقليص عجز الموازنة الهم الشاغل للحكومة حتى تاريخه، ما أدى إلى التوسع في بيع أذون وسندات الخزانة بصفة مستمرة، من خلال الطرح مرتين أسبوعيًا

تخفيض سعر الفائدة، ساهم هو الآخر في وقف حركة الاستثمار التصنيعي، وأصبح الاقتصاد المصري يميل إلى الورقي دون التشغيلي.

 

الوجه الآخر

يقول الدكتور معتصم الشهيدي، الخبير الاقتصادي والعضو المنتدب لشركة هوريزن، في تصريحات خاصة لـ«اليوم الجديد» إن الإصلاح الاقتصادي كانت سلبيات، لكن إيجابياته قوية ومؤثرة وتشمل وقف المضاربة على سعر الدولار في السوق السوداء، وارتفاع حصيلة إيداع المصريين في الخارج حتى قاربت 17 مليار دولار، وتخفيض قيمة الواردات من السلع الاستفزازية، وارتفاع الصادرات، وموافقة صندوق النقد الدولى على منح مصر القرض، الذي كان بمثابة شهادة الثقة للاقتصاد المصري، وأدى إلى جذب فرص استثمارية للسوق المصري، لافتًا أن سعر الفائدة على القرض لا تتجاوز 4%، في حين أن هناك قروض أخرى قد تصل إلى 8%، حيث رفضنا التعامل مع هذا النوع.

يضيف «الشهيدي» أن الإصلاحات منحت الثقة للقطاع المصرفي، وسوق الأوراق في جذب استثمارات جديدة.

 

مكاسب الإصلاح

اللواء حسن السيد، عضو اللجنة الاقتصادية، قال إن القرارات كانت صعبة ولم يتخيلها أحد، لكن مصر خرجت من عنق الزجاجة، واستطاعت أن تغير نظرة المستثمر الأجنبي عن السوق المصري.

وتابع عضو اللجنة الاقتصادية لـ«اليوم الجديد» أن من أكثر الإيجابيات التي حدثت:

ارتفاع الاحتياطي النقدي، حيث وصل الاحتياطي النقدي إلى 36.5 مليار دولار في خطوة تعد التحدي الأكبر للاقتصاد المصري بعد الثورة.

القطاع المصرفي وسوق الأوراق المالية، كانا الرابح الأكبر بعد تحرير سعر الصرف، حيث قفزت البورصة من 7300 نقطة إلى 14600 نقطة، في صعود تاريخي لم يحدث من قبل، حيث حققت جميع مؤشرات البورصة مكاسب تاريخية لم تتحقق من قبل، كما حقق القطاع المصرفي للبنوك أرباحًا طائلة وصلت في بعض نتائج الأعمال إلى 500%.

ارتفاع الصادرات بنسبة وصلت إلى 19%، ودخول السلع والحاصلات الزراعية العديد من الأسواق الخليجية والأفريقية.

منح التعويم فرصة إلى المصانع المتوقفة لكي تعمل وتعيد تشغيل بعض الخطوط المتوقفة، كما منح الفرصة لبقية المصانع أن تزيد إنتاجها لتلبية احتياجات السوق بعد تقليص الواردات.

تحرير سعر الصرف أعطى مناخ الاستثمار قبلة الحياة، بضخ أموال واستثمارات جديدة، كدخول بعض الشركات العملاقة إلى الاستثمار في المشروع اللوجيستي لقناة السويس، مثل موانئ دبي العالمية، ومؤسسة الراجحي في القطاع الزراعي والغذائي، فضلاً عن التوسعات الكبرى لشركة سامسونج العالمية، ودخول مصر في شراكات عربية وأجنبية في العديد من المجالات.

قطاع السياحة اقتنص الفرصة هو الآخر، حيث أدت قرارات تحرير سعر الصرف إلى جذب وإغراء السائحين بالقدوم إلى مصر، بعد ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه.

المؤسسات والأفراد المتعاملون في الودائع الدولارية، وكذلك المضاربون أو أصحاب الأموال السخنة، فضلاً عن الذين يتقاضون أجورهم بالدولار.

وكان طارق عامر، محافظ البنك المركزي، والحكومة المصرية، برئاسة المهندس شريف إسماعيل، قد اتخذا قرارات الإصلاح الاقتصادي في 3 نوفمبر 2016، في خطوة وصفها البعض بالعنيفة والقاسية، فيما وصفتها الحكومة نفسها بالمؤلمة، وبمرور العام الأول من قرارت تحرير سعر الصرف، أشادت المنظمات الدولية والجهات المصرفية، بقرارات الإصلاح الاقتصادية، قبل أن يعتذر صندوق النقد الدولي عن أسفه للمصريين من قرارات تحرير سعر الصرف.

التعليقات