«دور يا موتور».. خطة كاملة من الحكومة لتطوير «الغزل والنسيج »

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 

مكتب «وارنر» الأمريكى ينتهى من وضع مقترحات التطوير

«القابضة للغزل»: المرحلة الأولى تشمل تطوير محالج الأقطان

مطالب بدعم زراعة القطن.. ووقف عمليات التهريب

 

خطط لا أكثر -على الأقل حتى الآن- هكذا تتلخص قصة التصريحات الحكومية والمؤسسات المعنيّة مع صناعة الغزل والنسيج بمصر، بعد الإعلان أكثر من مرة عن وضع خطة وصفت بـ«الطموح» لإنقاذ تلك الصناعة والنهوض بها، وعقدت لأجل ذلك العديد من الفعاليات فى السنوات الأخيرة، ولكن الخطة الحكومية حتى الآن، وبحسب خبراء فى الصناعة، لم تدخل حيز التنفيذ، الأمر الذى يطرح علامات استفهام حول جدية الحكومة فى تطوير تلك الصناعة، أم أنها مجرد حبر على ورق؟

وبداية الحديث عن تطوير صناعة الغزل والنسيج كانت فى عام 2014 بعقد مؤتمر بمقر النقابة العامة للغزل والنسيج بحضور المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء السابق، وأصدر المؤتمر حينها عدة توصيات تتعلق بالأزمات التى تمرّ بها الشركات العاملة بتلك الصناعة، وحلول الأزمة، وفيه وعدت الحكومة بوضع خطة شاملة لتطوير قطاع الغزل والنسيج من خلال آليات واضحة.

وبعد إعلان الحكومة عن اعتزامها تطوير قطاع الغزل والنسيج، تلقت وزارة قطاع الأعمال، والشركة القابضة للغزل والنسيج العديد من العروض من خمسة مكاتب استشارية عالمية لوضع خطة شاملة للإصلاح هى «وارنر»، و«جيرزى»، و«الاستشاريين العرب»، و«دار الهندسة»، و«المركز العلمى»، حُسمت لصالح مكتب وارنر الأمريكى.

رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج، المهندس أحمد مصطفى، لفت إلى أن دراسات مشروع تطوير صناعة الغزل والنسيج انتهت، موضّحًا أن المشروع سيتم على مراحل عديدة، تبدأ أولى مراحلها خلال الفترة المقبلة.

وأشار «مصطفى» إلى أن المرحلة الأولى ستشمل تطوير محالج الأقطان على مستوى الجمهورية، مبينا أن مشروع التطوير سيتم إسناده لشركة عالمية، لافتًا إلى أن الشركة القابضة تبحث عن تمويل للمشروع سواء من الموارد الذاتية، أو الشركاء، والبنوك.

إعلان الشركة القابضة للغزل والنسيج عن تطوير محالج الأقطان كخطوة أولى فى خطة الإصلاح، يأتى متزامنا مع تدهور أوضاع شركات المحالج بمصر، فبحسب بيانات حكومية فإن ثلاث شركات فقط تعمل فى مجال حلج الأقطان تمتلك 25 محلجًا تحتاج إلى إعادة الإحلال، والتجديد، فهى قديمة، ومتهالكة، ولا تتناسب مع خطة التطوير، ومن المقرر استبدال تلك المحالج بأخرى حديثة تستهدف رفع طاقة الحلج من مليون، ونصف المليون طن قطن إلى أربعة ملايين، و400 ألف طن، إضافة إلى إعادة توزيع تلك المحالج فى المحافظات المشهورة بزراعة القطن.

ووقعت محالج الأقطان مع بداية التسعينيات تحت وطأة مخطط خصخصة القطاع العام فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ومثّلت مؤشرا مهما لانهيار صناعة الغزل والنسيج.

ويشير قيادى عمالى بشركة النيل لحليج الأقطان، تخوّف من ذكر اسمه، إلى أن فروع شركته تمتد لخمس محافظات مصرية، موضّحًا أن الحكومة قررت خصخصت الشركة عام 1997 بأقل من قيمتها الفعلية، بعد طرحها للبيع كأسهم فى البورصة، ولجأت الإدارة إلى إغلاق المحالج، وتشريد عمالها، مبينا أن مهمة المحالج تهيئة القطن قبل توريده للمصانع لتحويله إلى غزل.

وتعتمد الخطة الحكومية على إعادة تدوير الأصول غير المُستغلّة لدى الشركة القابضة للقطن، والغزل، والنسيج، والاستفادة بها فى خطة تطوير المحالج دون تحميل الموازنة العامة للدولة أيّة أعباء مالية، فضلًا عن تكليف وزارة الزراعة بتوفير أصناف جيدة من بذور القطن سواء طويل أو قصير التيلة تمنح إنتاجية كثيفة بجودة مرتفعة، لاستعادة مجد القطن المصرى.

وزادت المساحة المنزرعة بالقطن من 120 ألف فدان فى العام الماضى، إلى 215 ألف فدان خلال العام الجارى 2017، بزيادة تُقدّر

بـ95 ألف فدان، يأتى ذلك تزامنا مع شكاوى متكررة لمزارعى القطن من تجاهل الحكومة لمطالبهم.

يقول عبد الرافع عبد الغنى، مزارع بقرية الجميزة بمركز المحلة الكبرى فى محافظة الغربية، التى تشتهر بزراعة القطن، أن زراعة القطن تواجه عوائق عديدة أهمها أزمة السماد، ومياه الرى، وارتفاع تكلفة الزراعة، وضعف جودة البذور المُسلّمة من الجمعية الزراعية، ما يؤدى إلى انخفاض معدل إنتاجية الفدان من القطن، مبينا أن المزارع يضطر فى النهاية إلى تخزين القطن داخل منزله لأن الأسعار لا تتناسب مع تكلفة الزراعة التى يتحملها المزارع وحده بدون دعم من الدولة.

القيادى العمالى التاريخى بشركة غزل المحلة، ومنسق دار الخدمات بفرع المدينة نفسها سيد حبيب أكّد تأخر الحكومة فى تنفيذ خطة إصلاح قطاع الغزل والنسيج، موضّحًا أن عمال شركة غزل المحلة تلقوا وعودًا متكررة بينها ما صدر من رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب خلال زيارة سابقة له لشركة غزل المحلة بعمل الحكومة على تطوير القطاع، مبينا أن الشركة لم تشهد أى ملامح للتطوير خلال السنوات الماضية، وترتفع خسائرها من عام لآخر.

ويرجع «حبيب» أسباب تراجع الشركة إلى سوء الإدارة، وهروب العملاء، والفساد الإدارى، موضحًا أن تلك العوامل أدّت فى النهاية إلى تحقيق الشركة لخسائر بالملايين كل عام، بعد أن كانت تحقق أرباحًا باهظة، مبينا أن العمال طالبوا دومًا بإجراء انتخابات مجلس إدارة، وسرعة إجراء الانتخابات النقابية، وتطهير الشركة القابضة للغزل والنسيج من العناصر الفاسدة، وإحلال وتجديد المصانع.

وأشار القيادى العمالى إلى أن شركة غزل المحلة تعرّضت لعملية تخريب مُتعمّدة من قبل نظام رئيس الجمهورية الأسبق حسنى مبارك تمهيدًا لخصخصتها، مثلما حدث مع شركات أخرى مثل شركة غزل شبين الكوم بالمنوفية، موضّحًا أن الشركة تتعرّض لتصفية ذاتية منذ سنوات، عن طريق وقف التعيينات الجديدة، وتشجيع العمال على الخروج من الخدمة تحت مظلة المعاش المبكر، متسائلًا: «كيف نثق بوعود الحكومة بعد كل هذه الإجراءات؟».

أزمة صناعة الغزل والنسيج لم تتوقف عند شركات قطاع الأعمال العام الـ38، بل امتدت لتطول مصانع القطاع الخاص العاملة فى المجال نفسه، مما تسبب فى إغلاق مئات المصانع، فيشير الدكتور أحمد الشيخ، عضو مجلس إدارة الشركة العربية للنسيج والوبريات، إلى أن أزمة صناعة الغزل والنسيج بدأت مع تولّى عاطف عبيد منصب رئيس الوزراء، وكان يشغل قبلها وزير قطاع الأعمال، ووكّل له ملف الخصخصة، موضحًا أن عبيد اتخذ عدة قرارات كارثية منها تعويم الجنية المصري، وإلغاء ائتمان البنوك بالتحفظ على أوراق تجارية تحت التحصيل، وهو ما أضر بالصناعة وأربك السوق، لاعتمادها على البيع بالأجل.

ويلفت «الشيخ» إلى أن رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، قرر فتح باب الاستيراد على مصراعيه مع دخول مصر اتفاقية الجات دون أى تمهيد، بجانب عمليات تهريب المنتجات الصينية، التى تدخل مصر مُدعّمة من الحكومة الصينية، مقابل فرض الرسوم والضرائب الباهظة على المنتج المصرى، وهو ما أضر بالصناعة.

عبد الفتاح إبراهيم، رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج، أكّد أن النقابة فى 2014 انتبهت للخطر القادم على الصناعة، ودعت لمؤتمر حضره كل الخبراء، ووضعت روشتة لإنقاذ صناعة الغزل والنسيج تتضمن عدة محاور، أبرزها ضرورة اهتمام الدولة بتطوير السياسة الزراعية، وزراعة أصناف كثيفة الإنتاج من أقطان طويلة، وقصيرة التيلة.

ولفت إلى أن النقابة طالبت بمنع تهريب المنسوجات، وإعادة ضبط الأسواق، ورفع الرسوم الجمركية على المنسوجات، مبينا أن صناعة الغزل والنسيج كثيفة العمالة، ويمكن أن تحل أزمة البطالة فى حالة الاهتمام بتطويرها.

ويشدد رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج على ضرورة تطوير تلك الصناعة التى تشمل مليونا ونصف المليون عامل، وانتشالها من كبوتها التى نتجت عن عدم تحديث الآلات، وتدمير زراعة القطن المصرى، والاستيراد من الخارج لتحويل مصر من دولة منتجة، إلى مستهلكة، مشددًا على ضرورة وضع خريطة زراعية تكفى احتياجات المصانع من القطن متوسط، وقصير التيلة، مشيرًا إلى أن ٣٨٪ من مستهلكى العالم يستخدم القطن قصير التيلة، رغم ذلك ترفض وزارة الزراعة زراعته.

وكشف «إبراهيم» عن تراجع إنتاج القطن المصرى من 12 مليون قنطار عام 2007 إلى 107 آلاف قنطار خلال العام الجارى، مع انخفاض مساحات الأراضى المزروعة، معربًا عن تأييده لخطة الشركة القابضة بتطوير الصناعة التى تبدأ باستلام القطن من المزارع مباشرة، وتخصيص أربعة مليارات جنيه لإعادة هيكلة الشركات.

ودعا محمد المرشدى، رئيس غرفة الصناعات النسيجية، إلى تشديد الإجراءات للقضاء على عمليات تهريب المنتجات النسيجية من الخارج، موضّحًا أن الغرفة وضعت خطة تستهدف جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية لقطاع الغزل والنسيج، والملابس الجاهزة، بالترويج لها عبر حملات بالأسواق العالمية بالتنسيق مع الجهات الحكومية المُختصّة.

بجانب خطة إصلاح صناعة الغزل والنسيج، تتجه الحكومة إلى إنشاء نحو 10 مدن نسيجية بالتعاون مع خبرات أجنبية مثل الصين، تنتشر فى عدة محافظات أهمها الغربية، والبحيرة، والمنيا، فضلًا عن تخصيص مليون متر مربع لإنشاء مدينة صناعية للنسيج بمدينة بدر.

حمدى الطباخ، عضو المجلس التصديرى للمنسوجات، وصف إنشاء مدينة متكاملة للصناعات النسيجية بـ«الخطوة المهمة»، موضّحًا أن تلك المدن تسهم فى خطة تطوير صناعة الغزل والنسيج، خصوصًا أن الدولة المصرية تمتلك خبرات، ومقومات متميزة فى تلك الصناعة التى تتنوع مراحلها من زراعة للقطن، إلى الغزل والنسج، والتجهيز، وتصنيع المنسوجات بمختلف أنواعها، لذلك فهى تستوعب الملايين من العمالة المصرية، بحسب قوله.

ويشير «الطبّاخ» إلى أن المجلس التصديرى طالب منذ سنوات بإنشاء مدن متكاملة، ومتخصصة فى الصناعات النسيجية على غرار مدينة الأثاث المنزلى بدمياط، على أن تشمل تلك المدن جميع مراحل التصنيع مثلما الحال فى المحلة الكبرى، وشبرا، مبينا أن مشاركة بعض الدول فى إنشاء مثل تلك المدن يعود بالفائدة عليها، وعلى الدولة المصرية، فتمتلك تلك الدول خبرات واسعة فى الصناعات الحديثة، وتمتلك مصر موقعًا جغرافيا فريدًا لقربها من الأسواق الأوروبية، والأمريكية، والإفريقية، والعربية.

التعليقات