عملية إنقاذ حماس وقطاع غزة على أيدى الدولة المصرية

أبو مازن وإسماعيل هنية - أرشيفية
أبو مازن وإسماعيل هنية - أرشيفية

 

نجحت الدولة المصرية فى إنقاذ حركة «حماس» من قطر وإيران، وبالتالى إنقاذ قطاع غزة الذى سيطرت عليه فى عام 2007 من مصير مظلم، وتمت المصالحة الفلسطينية، بشكل أثبت بما لا يدع مجالاً للشك، الدور المصرى الإقليمى، وعظمة ماضيها فى الإشراف على حل القضية الفلسطينية.

كانت التحولات سريعة للغاية، وجاء الوفد الحمساوى للقاهرة ليغسلوا أيديهم من ماضيهم، وليفسروا للمصريين، تلك التيارات المتناقضة التى تعمل كلها تحت لواء خالد مشعل ومكتبه السياسى، وأن حماس تتنازعها أطراف كثيرة على احتوائها، ومنها الدوحة وطهران.

البداية كانت من الدعم المالى الذى يعتبر البوابة الحقيقية لعلاقة حماس بقطر، خصوصا فى ظل تراجع الدعم العربى بعد ثورات الربيع العربى، وتراجع الدور الإيرانى فى دعم حماس بعد نقلها مكاتبها من دمشق.

 

 

بروز قطر لم يكن فجأة بل منذ فترة بعيدة  منذ فوزها فى الانتخابات التشريعية عام 2006، وازدادت العلاقة جرعة ثقيلة العيار حين عقدت «قمة الدوحة» خلال الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة 2008-2009  وأعلنت قطر تقديم 250 مليون دولار، ثم زادت هذه العلاقة تدريجيا خصوصا بعد زيارة أمير قطر لقطاع غزة.

الغطاء الدولى لحماس وفرته قطر بشكل كبير، وسهلت حركة قياداتها عربيا ودوليًا، عبر جوازات سفر قطرية، وحقائب دبلوماسية، وبصحبة حاكم قطر، والأهم من ذلك هو محاولة قطر المتاجرة بالقضية الفلسطينية، واستخدام حماس لتصفية حساباتها مع الدول التى تقف عقبة فى طريق الحلم القطرى، وهنا وجدنا الدعم لحركة الإخوان المسلمين عبر حماس فى مصر من خلال فتح السجون، وتهريب المساجين فى ثورة يناير 2011، أمثال سامى شهاب.

كانت علاقة حماس وقطر مركبة، فكلاهما فى حاجة للآخر، وكلاهما مطارد يبحث عن دور فى المنطقة بعد سقوط الأقنعة ووضوح الحقيقة للجميع، فالحركة تبحث عن مقر لتحركاتها، ودعم مادى وغطاء سياسى، وفى المقابل قطر تبحث عن تنامى وتعظيم دورها عربيًا والمتاجرة بالقضايا العربية.

فى أغسطس عام 2011 وأثناء وجود خالد مشعل فى دمشق تلقى اتصالاً هاتفياً من رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطرى، ناقلاً له دعوة عاجلة من أمير قطر لزيارة الدوحة، وبعد أسبوع من هذا الاتصال توجه مشعل على رأس وفد من قيادة حماس، حيث التقى فور وصوله مع أمير قطر، بحضور رئيس الوزراء، وعزمى بشارة.

أمير قطر تحدث مع وفد حماس بالتالى: بشار الأسد انتهى وعليكم إنقاذ أنفسكم قبل فوات الأوان، عندما يسقط بشار الأسد يسقط كل من معه وستخسرون فى معركة ليست معركتكم، كل ما أنجزتموه سيسقط، ولكم عبرة كيف سقط عرفات عندما حالف صدام حسين وسقط معه ولم يشفع له كل ما قدمه من اتفاقيات مع إسرائيل من أجل البقاء .. سقط لان العالم أجمع على ضرورة إسقاطه.. نحن جاهزون لمساعدتكم، أميركيا وأوروبيًا، وحتى مع إسرائيل، لضمان وجودكم وفرضكم على الطاولة إذا ما تعاملتم بإيجابية بما نطرحه عليكم.

الكل يعرف موقف روسيا، فهى تؤزم وتصعب ليكون الثمن الذى تقبضه كبيرًا، فالأميركيون والأوروبيون بدأوا بعقد صفقة مع روسيا، ونحن فى دول الخليج نقلنا موقفنا لروسيا بأننا جاهزون لتعويض روسيا عن أية خسائر ممكن أن تلحق بها فى حال تغيير موقفها، وكلنا يعرف أن روسيا أضعف من مقاومة هذا الإغراء.. أما بالنسبة لإيران فلا تراهنوا عليها كثيرًا، وإن ما يحدث فى سوريا هو تهيئة دولية لما سيحدث فى إيران لاحقًا، فالعالم قرر أن لا مجال لأى طرف بالتمرد وتهديد مصالح الآخرين.

بعد أيام غادر خالد مشعل الدوحة إلى بعض الدول ثم عاد إلى دمشق، وخلال تلك الفترة دعا خالد مشعل بعض القيادات الموجودة فى سوريا ولبنان والأردن لاجتماع طارئ وعاجل، لينقل لهم ما جرى معهم فى الدوحة، وما طلبته قطر، مستعرضًا أمامهم كل التفاصيل والمشاورات التى أجراها بهذا الخصوص مع دول وشخصيات هم على علاقة بهم.

فى هذا الاجتماع بدا التباين واضحًا فى مواقف قادة حماس الموجودين فى الاجتماع، والجزء الأكبر منهم اتهم خالد مشعل بمحاولة تبرير هذا الموقف بالزحف، لأن هذا الموقف هو انقلاب مفاجئ فى سياسة حماس، وكاد الاجتماع أن ينفجر لولا خشية الجميع من تسريب ذلك للقيادة السورية والأمن السورى.

الوفد القطرى المعنى بملف إعمار غزة، الذى كان على وشك الوصول إلى غزة أجل وصوله لأسباب فنية كما أعلن القطريون، وهذا ملف كانت تعول عليه حماس كثيرًا ليكون بداية لرفع الحصار عن غزة، وترافق ذلك أيضًا مع اتصالات حثيثة ومستمرة من الشيخ القرضاوى مع مشعل وغيره من قيادات حماس فى الداخل والخارج مناشدًا إياهم باغتنام الفرص وتبرئة أنفسهم من الدم السورى المسفوح على أرض سوريا، وأن الشعوب الإسلامية ستحاسبهم إذا استمروا على هذا الموقف.

مشعل وبالتشاور مع بعض أعضاء المكتب السياسى قرر أن ما هو مطروح أكبر من قرار المكتب السياسى؛ هذا موضوع يهدد وحدة حماس كمشروع سياسى، ولمواجهة هذا الخطر الداهم لا بد من دعوة مجلس الشورى للحركة، وأن يحضره أكبر عدد ممكن من الأعضاء فى الداخل والخارج، علمًا أنه يعقد فى السودان، ويكون الأعضاء فيه على علم مسبق بمجال البحث ليتمكن من لا يستطيع الحضور أن يعلن عن موقفه ورأيه بمراسلة إلى مجلس الشورى.

انعقاد مجلس الشورى فى السودان لم يحسم الصراع ولم ينهه بل رحلّه، والصيغة الوحيدة التى اتفق عليها كانت (الخروج الصامت للقيادة العليا لحماس من دمشق دون أن يترافق ذلك مع أى ضجة إعلامية).

بعد هذا، شعر القطريون ومن معهم أن كل ما خططوا له بالسيطرة على قرار حماس لم ينجح، إن لم نقل إنه قد فشل، كان لا بد من خطوة قطرية قوية تمكنها من العودة لاستقطاب الجزء الأكبر من قيادة وكوادر حماس، وأبلغ مشعل من قبل أمير قطر أنه ذاهب إلى غزة، وسيدفع أموالًا طائلة هناك من أجل إعادة الإعمار، وأن كل هذه الزيارة ستتم فقط بالتنسيق مع مشعل شخصيًا، مما يعيد إليه الاعتبار والقوة فى قيادة حماس.

كشف الصراع بين الحمساويين فى غزة عن نطاق العسكرة الضخم الذى تحولت إليه حركة حماس فى السنوات الأخيرة٬ إن كان بالنسبة إلى آلاف الصواريخ متعددة المدى أو عشرات الأنفاق التى حفرتها، وبمراجعة وثيقة ودقيقة تظهر أن أهم مصادر التمويل لحماس٬ لا سيما جناحها العسكرى (كتائب عز الدين القسام)٬ تحملته حكومة رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركى٬ هذا بالإضافة إلى المساعدات المالية من قطر، وكل ذلك تم استخدامه فيما بعد لتهديد أمن مصر.

أغلقت مصر الأنفاق، وكانت النتائج على حماس مدمرة، عزلة سياسية شبه كاملة٬ وأزمة اقتصادية ضخمة٬ مما حملها على اللجوء إلى جمع الأموال فى دول مثل تركيا وقطر.

وفى بدايات عام 2012 وفى ذروة اعتقاد أردوغان أن النظام السورى على وشك الانهيار٬ بعدما أمنت تركيا وصول كل فرق الجهاديين إلى سوريا، وعد أردوغان قادة حماس الذين جاءوا إلى تركيا بأنه سيقدم لهم مساعدات سرية وواسعة بقيمة 250 مليون دولار. رأى أردوغان فى وضع حماس ولجوئها إليه٬ الفرصة بأن يحل محل إيران٬ وأن يضغط على مصر، ويصبح الراعى الرئيس للحركة الإسلامية الفلسطينية٬ وحامل علم أيديولوجية «الإخوان المسلمين» فى العالم، لكنه لم يف بوعده.

فى هذه الآونة برزت داعش والسلفية الجهادية بشكل هدد الوجود الحمساوى بغزة، وبدأت مسارات من التوازن الهش بين الفريقين، حيث ورط داعش حماس مع النظام المصرى، لتجد نفسها وحيدة، دون إيرن وقطر فى النهاية.

أدركت حماس ببراجماتية أن عليها إن أرادت البقاء ألا تفقد جناحيها سوريا ومصر، ومن هنا لجأت للسعودية، وأعلنت دعمها لعاصفة الحزم، والتقت السعوديين فى الرياض الذين توسطوا مع القيادة المصرية.

جاءت وفود حماس تترى، وعلى رأسها إسماعيل هنية، وقدموا خرائط كاملة عن عناصر حمساوية بسيناء، واتفقوا على إغلاق الحدود ومراقبة الأنفاق.

انتظرت مصر عدة أشهر لترقب أوضاع حماس، وجاء وفد آخر، وتوصلت المخابرات المصرية مع حماس على أن يتم إعلام مصر بمن دخل سيناء، وإعلام مصر بتفصيلات دقيقة عنه.

المفاوض المصرى كان حادًا وموضوعيًا لا يقبل الحديث بلغة السياسية، حيث إن مصر كانت تريد معرفة حيثيات علاقة السلفية الجهادية بحماس، لأن هذا هو حديث الساعة، وهذا هو الأمر الأكثر حضورًا وجدوى.

عقب الزيارة الثانية للوفد الحمساوى، بدأت حماس بالقبض على عناصر السلفية الجهادية، التى بدأت تهاجر بالفعل من القطاع إلى الخارج، ونجحت مصر فى قطع اليد التى ساهمت على مدار سنوات فى توصيل السلاح إلى غزة عبر سيناء.

التقط التنظيم القريب من داعش بسيناء ورفح الفلسطينية ما يحصل، فأصدرت جماعة أنصار الخلافة التابعة لتنظيم داعش الإرهابى بغزة بيانًا، هددت فيه حماس بالقيام بعمليات إرهابية بالقطاع.

قطر كانت ترقب التطورات التى تجرى، خاصة ما حصل من انتخابات فى الحركة، أفرزت قيادات نظيفة اليد، وفى ذات الوقت لها تاريخ حافل مثل «السينوار»، وأرسلت رسائل للقيادة الجديدة، لإغرائها بالعودة للدوحة، لكن هنية والسينوار، ادركا أن المشروع القطرى سيهدد وحدة حماس كمشروع سياسى، فى وقت كانت أزمة انقطاع الكهرباء خانقة، ولم تجد الحركة سوى القاهرة، التى أرسلت سيلًا من السيارات المحملة به إلى القطاع.

فرضت القاهرة على حماس المصالحة مع فتح، التى تضمنت بنودها حل اللجنة الإدارية لحركة حماس التى تسيطر على قطاع غزة، وعودة نظام الدفاع المدنى والشرطة الزرقاء حتى تكون تحت سلطة عباس، دون الاتفاق على مصير كتائب القسام، والسماح لأفراد من الأمن التابعين للسلطة الفلسطينية للتواجد عند المعابر على الحدود مع مصر وإسرائيل.

العقل البراغماتى لـ «حماس»، جعلها تدرك أنها إذا أرادت البقاء فعليها أن تسير فى ركاب القاهرة، فى معزل عن التصفية والنبذ والتهميش، وأنها فشلت ولا تستطيع وحدها وضح حل للفلسطينيين، ومن هنا بدأت المحادثات حول المصالحة، ليتم التوصل فى اتفاق رعاه الرئيس السيسى بالكامل، دمج الموظفين، فى غزة، وتشكيل لجان إدارية وفنية لكل وزارة من فتح وحماس، يرأسها نائب رئيس الحكومة زياد أبو عمرو، ووافقت الحركة على أن تكون مصر ضامنًا لحلّ أزمة الموظفين.

وقعت تلك الأحداث وقع الصدمة على رأس جماعة الإخوان المسلمين، التى لم تستطع التعليق على ما جرى، إلا عبر رسائل تهديدية عنيفة، من القيادى الذى كان يوصف بالحمامة فى الجماعة، وهو إبراهيم منير، الذى صرح بكلمات كانت على غير عادته، وأكد أن جماعته ستستهدف الدولة المصرية بشدة حتى تسقطها، وفق زعمه، وهو ما أشار بوضوح على تخبط الجماعة بعد نجاح الدولة المصرية فى إقناع حماس فى الدخول فى حلول سياسية مع السلطة الفلسطينية فى الضفة، وتعهدتها بمنع تسلل عناصر «داعش» عبر الإنفاق إلى سيناء.

استشعرت الجماعة أن الخناق بدأ يضيق عليها، وخاصة بعد تعرض الدولة القطرية حليفتها، إلى تضييقات قد تجبرها هى الأخرى فى الدخول فى تفاهمات مع الدول المقاطعة لها، والتزامها بالشروط  التى تلزمها بوقف دعم الإرهاب، ولم يبقى بعد ذلك سوى تركيا، التى ستكون المحطة الأخيرة للدخول فى مسرح السلام العربى والدولى المناهض للإرهاب، مما قد يضطر قادة الجماعة إلى الإعلان عن مراجعات علنية وفورية، لم تضطر إلى إجراءها من قبل منذ نشأتها، وهو ما تهدف إليه الدولة المصرية، من نزع فتيل الأفكار الإرهابية لدى تلك الجماعة، وعودتها أفرادها إلى المجتمع، دون العمل فى إطر تنظيمية، أو ممارسة لعبتها القديمة فى خلط ما هو دعوى بالسياسى.

التعليقات