بالتفاصيل| صفقة «الشيشان» الأمنية فتحت لمصر أبواب «بريكس روسيا والصين»

- مصر خططت لاختراق التكتلات الاقتصادية الشرقية الرائدة كبريكس وشنغهاى بضرب رؤوس الإرهاب فى القوقاز وكلمة السر «الأزهر»
- زيارة الشيخ الطيب إلى جروزنى نهاية أغسطس 2016 كانت بداية الطريق لاختراق تجمع بريكس الاقتصادى
- الخطة المصرية للحصول على مكاسب من الدول الاقتصادية الكبرى اعتمدت على عرقلة «الطبعة الجديدة من الأفغان العرب» قبل إشعالهم ممرات العبور بين أوروبا وآسيا
 
 
 
فى زيارتيه الأخيرتين إلى الصين وفيتنام، كانت الأهداف الاقتصادية على قمة أولوليات الرئيس عبد الفتاح السيسى والوفد رفيع المستوى المرافق له، غير أنه فى خلفية المشهد أطل الأمن كرقم أساسى وصعب، كان هو الفيصل فى إتمام مختلف الصفقات المالية التى وقعتها مصر عبر رأس الدولة، بل إن تحرينا الدقة ربما كان هو محفزها الأساسى.
ولم يتوقف كثيرون أمام اتفاقية التعاون الأمنى التى وقعها الرئيس مع نظيره الصينى، تشى جين بينج، على هامش مشاركته فى قمة تجمع بريكس الاقتصادى، رغم كونها وحدها بعيدًا عن نحو 12 أخرى كسبتها القاهرة من كل من بكين وهانوى، قد خالفت الخط الاستثمارى المالى.
توقيع الاتفاق الأمنى رسميًا بين القاهرة وبكين الأسبوع الماضى، كانت له مقدمات ربما مرت دون جلبة مطلع يوليو الماضى، حيث رحلت مصر عددًا من طلاب أقلية الإيجور التى تحظرها الصين وتطارد نشطاءها حول العالم لسد الطريق على مطالبهم المتكررة بالاستقلال وتأسيس دولة تركستان الشرقية.
وكثيرا ما طالبت بكين الدول الصديقة لها منذ العام 2001 بتسليم أولئك النشطاء، وسبق لدول كباكستان وكازخستان أن تعاونت فى هذا الشأن، فيما بدا أن مصر دخلت على الخط مؤخرًا.
 
 
*  صفقات سياسية على هامش قمة اقتصادية
فيما توازى كذلك حديث الرئيس العابر عن نجاح مصر فى مواجهة غول الإرهاب، ومن ثم قهره قبل أن يتحول لعائق ضخم أمام خطط التنمية والاستقرار، مع تخصيص جزء من مباحثاته مع كل من الرئيس الصينى، وكذا نظيره الروسى المشارك بدوره فى «بريكس»، فلاديمير بوتين، لبحث تطورات المنطقة العربية والشرقين الأوسط والأدنى، على المستويين الأمنى والسياسى.
بل أن السيسى وبوتين، لم يفوتا اجتماعهما المشترك، دون التطرق إلى أزمة أقلية الروهينجا المسلمة فى ميانمار، ليظل الملف الأمنى المنطوى فى جزء منه هذه المرة على بحث التصدى لأحداث إبادة شبه جماعية ستفجر بلا شك بؤرًا جديدة للتطرف والإرهاب العالمى، حاضرًا وبقوة فى رحلة يفترض أن هدفها الأبرز كان الاقتصاد.
*  طموح مصرى مشروع فى بريكس
إن الرئيس لم يكن ليقف فى الصين مشيدًا بقمة بريكس، الذى يضم فى عضويته دولا رائدة واقتصاديات قوية: الصين، روسيا، البرازيل، جنوب إفريقيا، الهند، معلنًا رغبة صريحة من قبل القاهرة فى التعاون المثمر والبناء معها، إلا وهو على قناعة من فائدتها الكبرى بالنسبة للاقتصاد الوطنى الذى ينشد التعافى والتطور.
الرئيس قال نصًا فى الصين إن «مصر ترى فى تجربة البريكس الفريدة، ونجاحها فى تحقيق درجة غير مسبوقة من تنسيق السياسات وتطبيق التعاون الفعلى بين أطرافها، تجربة جديرة بالمحاكاة ويتعين دراسة سبل نقلها إلى دوائر أوسع من الدول النامية، كما نعرب عن استعدادنا للدخول فى علاقات تعاون ثلاثى مع دول البريكس فى إفريقيا، فى تجسيد حقيقى للتعاون جنوب- جنوب.
وفى مناسبة أخرى قال إننا «قمنا بدراسة أفضل النماذج المتبعة فى الدول المشابهة لنا، وبعضها أعضاء بالبريكس، فدرسنا النموذج البرازيلى الذى كان من أنجح التجارب فى التعامل مع التضخم عن طريق رفع إنتاجية وكفاءة الاقتصاد بشكل عام، من خلال خصخصة الشركات بالتوازى مع التوسع فى الإنفاق العام على الخدمات والحماية الاجتماعية، كما قمنا بدراسة ما قامت به الهند من تطبيق نظام تكنولوجى متطور لحصر المستفيدين من الدعم وربطهم إلكترونيًا بمنظومة الدعم الحكومى».
 إذن الرئيس لن يفيض بكل ذلك الثناء والإشادة وربما التغزل فى ذلك التجمع الواعد، من دون أن تكون مصر قد أنجزت بالفعل استحقاقات تؤهلها للالتحاق بذلك التكتل المؤثر.
ويستهدف التجمع تعاونًا ماليًا وغذائيًا ومصرفيًا ضخمًا يحقق له الاستقلالية عن الهيمنة الأمريكية الأوروبية فى هذا الشأن، وبخاصة أن دوله المؤسسة تشكل 40% من سكان العالم، فيما أنها تنشد تحويل «بريكس» بحلول عام 2050، إلى اتحاد نافذ ذى كلمة مسموعة، على أساس أن مؤشرات الاقتصاد العالمى تنبئ بأن الصين وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا والهند ستكون فى صدارة السياسة والاقتصاد على كوكب الأرض، ربما بشكل منفرد خلال 3 عقود قادمة على الأكثر.
يكفى فى هذا الشأن أن دول بريكس تعمل مثلًا على إنشاء بنك تنمية وصندوق احتياط نقدى جديدين، ليكونا بديلين لصندوق النقد والبنك الدوليين، بقيمة 50 و100 مليار دولار عل التوالى، على أن يكون مقرهما شنغهاى الصينية.
وعليه فإن الاستحقاقات المصرية لا بد أنها كانت على مستوى كل تلك الميزات السابق الإشارة لها.
 
*كروت فى يد القاهرة للعب مع الكبار
سيقول قائل، وهل تملك مصر بوضعها الحالى ما يؤهلها اقتصاديًا لتناطح مثل تلك التجمعات وتصبح جديرة بها؟ ربما على مستوى طموحها الاستثمارى وعبر إصلاحاتها التنموية المستمرة فإنها قد تصبح مشمولة بنظرة تشجيع، إلا أن لبلاد النيل أوراقا وكروتا أخرى مهمة بالنسبة لدول بريكس بعيدًا عن مساحة المال والغذاء، لعل أبرزها: الأمن والدور الفاعل للقاهرة فى مواجهة الإرهاب العالمى، ناهيك بالثقل السياسى الإقليمى.
فى الأخير، ومهما كانت أهداف التجمع مالية اقتصادية بحتة، فطريقه فى النهاية إلى الواجهة السياسية، وهنا تصبح لمصر أهمية مضاعفة نظرًا لأنها من الأسواق الواعدة الضخمة ومن البلاد صاحبة الكلمة المؤثرة أمنيًا وسياسيًا، ومن ثم فهى تملك مقومات الإفادة والاستفادة من تكتلات على شاكلة بريكس ونظرائه.
الأرجح أن مصر خططت منذ فترة ليست قريبة لأجل تحقيق اختراقات ناجحة لتجمعات اقتصادية سياسية تلعب فيها روسيا والصين والهند دور البطولة، مثل بريكس وتجمع شنغهاى وغيرهما. بيد أنها لجأت للسياسة والأمن لإحراز أهداف اقتصادية مؤثرة، وذلك ليس عيبًا، طالما أن الفائدة تلو الأخرى تعود عليها.
 
 
* استقبال أسطورى لشيخ الأزهر فى الشيشان يفتح الطريق
قد يستغرب البعض مثلًا لو عرف أن الاستقبال الأسطورى الذى كان شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، حظى به لدى وصوله العاصمة الشيشانية جروزنى، نهاية أغسطس 2016، لحضور مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة؟» المثير للجدل، إنما كان أول طريق مصر إلى بريكس وكذا إلى منتدى شنغهاى.
فى ذلك الوقت، غضبت الرياض بشدة، وبخاصة بعدما استبعد المؤتمر السلفيين والوهابيين من أهل السنة والجماعة، ومن ثم لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، ليُوصم الحدث بالتسييس، وباتهامات برعايته من جانب المخابرات الروسية وبالتعاون مع القاهرة لضرب السعودية فى سوريا على وجه التحديد. الطائفية كانت آنذاك مرآة تأويل ما جرى فى جروزنى بامتياز، قبل أن تصل الإثارة مداها مع قراءات ربطت القصة برمتها بتحرك لافت للقيادة المصرية صوب الشرق، ممثلة فى الصين والهند، حيث كان الرئيس السيسى يزورهما فى ذلك الوقت، فضلًا عن محاولات القاهرة إعادة المياه إلى مجاريها مع موسكو.
الحديث جرى على هذا النحو، وكما انفرد اليوم الجديد آنذاك فى موضوع حمل عنوان «غزوة الشيشان»، عن تحرك مصرى فى منطقة حيوية تتوسط أوروبا وآسيا من جهة، وتتاخم الحدود الجنوبية الروسية من جانب آخر.
نتحدث عن القوقاز التقليدى، القائم فى محيط جمهوريات قومية سوفيتية سابقة، مثل جورجيا وأرمينيا وأذربيجان، فضلًا عن القوقاز الروسى، ويضم دويلات صغيرة للغاية غالبيتها تحت إدارة الاتحاد الروسى، ومنها الشيشان وأوسيتا الشمالية وداغستان وإنجوشيا.
والمنطقتان السابقتان للقوقاز، متاخمتان لفضاء استراتيجى أمنى واقتصادى وديمغرافى واسع أيضًا بالنسبة لروسيا، متمثلُا فى دول الاتحاد السوفيتى القديم حيث يطل منها ثلاث على بحر قزوين: كازاخستان، أوزباكستان، تركماستان (ثلاثتهم على الضفة المواجهة لجورجيا وأرمينيا وأذربيجان)، علاوة على قيرغيزستان وطاجكيستان.
أضف إلى ذلك ما تمثله تلك الدول من بُعد استراتيجى أمنى واقتصادى أيضًا للصين فى الشمال الغربى منها، وللهلال الحيوى المتمثل فى الهند وباكستان وأفغانستان وإيران. 
 
*  تحرك استباقى لرموز الإسلام الوسطى الأزهرى
الهدف المصرى وفق تلك الرؤية تمثل بالأساس فى ملء الفراغ الدينى فى تلك المنطقة الشاسعة بتحرك استباقى من جانب رموز الإسلام الوسطى الأزهرى، ومن ثم سد الطريق مبكرًا على دعاة السلفية الجهادية والوهابية والقاعدة وداعش ومواليهم من الباطن كالإخوان وتنظيمهم الدولى الدائر فى الفلك الأمريكى، وبخاصة من مواطنى تلك البقعة الحيوية فى العالم، وممن يكتسبون خبرة القتال والدماء حاليًا فى مناطق الصراع الدائرة فى فضاء الربيع العربى، كسوريا وليبيا واليمن، وفى سيناء، فضلًا عن العراق وأفغانستان، بحيث إذا ما عادوا إلى مواطنهم بعد أن تخمد النيران وأصوات البارود فى البلدان العربية، لا يجدون التربة ممهدة لتوجيه طاقتهم وسلاحهم صوب مصالح موسكو بدعوى مواجهة الإلحاد والكفر، ولا تجاه بكين بدعوى أنها نظام شيوعى يعادى الدين فى حد ذاته، ولا حتى بتنسيق مع واشنطن لتطويق البلدين بألغام التطرف والعنف الطائفى.
يستند ذلك الطرح إلى أن قيصر روسيا الجديد، فلاديمير بوتين، لم يخف حين استهل ظهوره العسكرى المؤثر والعلنى فى سوريا، رغبته فى ضرب المتطرفين القوقازيين بصفة عامة، والشيشانيين ومواليهم ممن يمكن أن يُطلق عليهم الطبعة الثالثة من الأفغان العرب، فى سوريا، قبل أن يتفرغوا ويعودا إليه محملين بطاقة تفريغ ثأرية.
على أثر هذا تحركت مصر، ولو لم تعلن ذلك رسميًا، بسلاح الأزهر، للسيطرة على منطقة رمادية متخمة بغمامات عقائدية، ومن بينها ما يبرر سفك بحور الدماء. 
 
*  مغازلة كبار أقطاب العالم فى الكتلة الشرقية
وفق ذلك الطرح أرادت القاهرة مغازلة كبار أقطاب العالم فى الكتلة الشرقية كالصين وروسيا والهند، إن جاز التعبير، بطريقة عملية، وهى الإسهام بفاعلية فى مؤتمر يخرج دعاة السلاح من معية أهل السنة والجماعة، ومن ثم تفريغ الحواضن المتوقعة للجهاديين العائدين، من أى مناخات خصبة للتجذور والتشبث بالأرض.
لقاء السيسى بشيخ الأزهر بمقر رئاسة الجمهورية، بقصر الاتحادية فى مصر الجديدة، مطلع أغسطس 2016، أى قبل نحو ثلاثة أسابيع فقط من مؤتمر جروزنى، فُسر ساعتها على أنه كان إشارة ضوء أخضر للتحرك الأزهرى فى المنطقة.
رغبة القاهرة آنذاك فى استعادة الحليف الروسى الذى مل على ما يبدو من ترددها فى حسم التحالفات والانحيازات، ومن سياستها الخاصة باللعب باستراتيجية التوازنات تجاه موسكو وواشنطن، يمكن تأويلها هى الأخرى كدافع لتحرك الأزهر خدمة للدب الملاحق أمريكيًا وغربيًا وربما خليجيًا أيضًا بعنف شديد.
لا يخفى على أحد أن الأمريكان، لا يضيعون أى فرصة مطلقا لاستعادة لعبتهم التقليدية القديمة، بتجييش المجاهدين العرب والمحليين لإشعال التوتر على الحدود الروسية، وبخاصة فى القوقاز والجمهوريات السوفيتية السابقة. بيد أن الساحة كانت فارغة ومهيئة لذلك فى الثمانينيات، حيث حرب أفغانستان، وفى الصراع الشيشانى بالتسعينيات، ومن ثم اُنهكت موسكو فى حروب صعبة ومكلفة ومهدرة للسمعة الدولية.
القاهرة منحت موسكو بذلك حلًا جديدًا، يجنبها المواجهات المسلحة، عبر التحرك لحرق الأرض أمام التيارات الجهادية المتسلفة والمتشددة.
بدت السلطة فى بلاد النيل حريصة، ولو ظاهريًا، فى ذلك التوقيت، على نفى صفة التردد عنها والتى كانت كلفتها على الأقل طيلة العام 2016، وتحديدًا مع الروس، خسارة السياحة من جهة، والاستبعاد من تحالفات أمنية وسياسية كبرى كتلك التى تجمع موسكو مع بغداد وأنقرة وطهران لمواجهة داعش والنفوذ الأمريكى بالمنطقة.
 
*  خدمة مصرية 5 نجوم للروس والصين
السلطة بالقاهرة منحت الصينيين والروس كذلك خدمة 5 نجوم بالسعى إلى تنظيف المنطقة من أفكار ظلامية، الأصابع الأمريكية ليست بعيدة عن النفخ فيها أو عن منح المؤمنين بها وقودًا لإشعال الأرض بها، ما يمثل ضمانة لبكين وموسكو بأن أى طموح اقتصادى وسياسى لهما لإعادة ترتيب المجتمع الدولى بما يوافق مصالحهما وحلفائهما، وبعيدًا عن التدخلات الغربية، على طريقة بريكس مثلُا، قد يمر بسلام بعيدًا عن خطر الإرهاب بوصفة مصرية أزهرية «خلاقة وغير تقليدية».
*  منتدى شنغهاى.. هدف مصرى جديد
فى تلك المنطقة من العالم لا يتمثل الطموح المصرى فقط فى الولوج إلى تجمع بريكس، فهناك طموح مشروع أيضًا للالتحاق بمنظمة تعاون ناشئة، هى منتدى شنغهاى، التى تضم فى بطانتها التأسيسية روسيا والصين وبعض دول الاتحاد السوفيتى القديمة، مع دول مراقبة أو فى طور الاندماج أو شريكة بالحوار كأيران وأفغانستان والهند وباكستان وبيلا روسيا وأذربيجان وأرمينيا وكمبوديا ونيبال.
تسعى تلك المنظمة إلى خلق نظام اقتصادى وسياسى وأمنى عالمى جديد لا تنفرد فيه واشنطن بالسيادة حتى أنه من ضمن الأفكار خلق كيانات تمويلية بعيدة عن هيمة البنك الدولى أو صندوق النقد الدولى المواليين للغرب بالكلية، ناهيك بالتنسيق لمواجهة خطر الإرهاب.
مصر تسعى للحصول عضوية شريك للحوار فى منظمة شنغهاى، وعلى تلك الخلفية يمكن اعتبار التحرك الأزهرى لوأد الإرهاب فى تلك المنطقة تذكرة مرور من جانب القاهرة صوب نيل مرادها، وبخاصة أنه المنظمة أعلنت أن الفترة من 2016 إلى 2018، مخصصة لتأسيس استراتيجية مجابهة الإرهاب.
التعليقات