ما بين «الأعور» و«المقنع».. القصة الكاملة لتنظيم يهدد البوابة الغربية لمصر

أفراد تنظيم داعش الإرهابي - أرشيفية
أفراد تنظيم داعش الإرهابي - أرشيفية

 

لا يجب أن يمر تدشين الدولة المصرية لقاعدة محمد نجيب العسكرية، بالقرب من الحدود الغربية للبلاد مرورًا عابرًا، وخاصة إذا علمنا بأن هذه القاعدة تعرضت لمحاولة تفجير انتحاري لنفسه على أبوابها، في هجوم فشل بعد تصدي القوات له.

تبدو الدولة المصرية مدركة للخطر القادم ليس من ليبيا فقط، بل من منطقة الصحراء الغربية وبعض بلاد الشمال الإفريقي بأكمله.. حيث ذئاب الإرهاب الموتورة والجائعة.

عندما كانت تضج وسائل الإعلام بالتحذير مبكرًا من أوكار الذئاب التي تعوي على الحدود الشرقية لمصر حيث سراديب الأنفاق التي تنفذ فئرانها وثعالبها في قلب شمال سيناء، كانت عيناي ترنو نحو البوابة الغربية للبلاد، كنت أرى أن هناك خطرًا كامنًا، حتى وصل اليقين، إلى أن سيناء لم تكون سوى هدفًا يشغل الدولة المصرية عن ما يحاك لها خلف بوابتها الغربية.

إنها حدود مترامية الأطراف، تقبع خلفها دولة وقعت في الفوضى العارمة، وخلف تلك الدولة الصحراء الغربية الشاسعة التي تحوي بين جنباتها المئات من العناصر الإرهابية من ذوي الجنسيات المتعددة.

لتلك الصحراء أميران للحرب، أولهما جزائري يدعي مختار بلمختار ، واشتهر بــ" الأعور" قذفت به الأقدار لأن يلتقي مع آخر مصري، كان يعمل ضابطًافي القوات المسلحة، ثم أصابه لعنة الفيروس التكفيري فنكص على عقبيه هو، هشام عشماوي، واشتهر بالمقنع.. ومن هنا نبدأ القصة.

من هو الأعور؟

 

 

ذات يوم هبت الرياح الحارة على وادي ميزاب، في الجزائر،فكادت أن تقتلع الطفل الهزيل المنهمك في لعب الكرة.. كانت أمنيته أن يكون لاعبًا يشار له بالبنان .. تلك كانت أقصى أمنياته.. فانتهى به الحال إلى أن يلعب الكرة برؤوس الرجال بعد أن يجتزها من فوق أجسادهم.

في العام 1979 ولد  للشامخة الزهراء وبلمختار ، ولد أسمياه مختار، وتمنيان أن لو يصبح مهندسًا، يفتخران به أمام قبائل الشعانبة العرب والإباضية الأمازيغ في ولاية غرداية شمال صحراء الجزائر.

ظهر الفشل مبكرًا على الابن فرفض استكمال تعليمه فأخرجه والده ليتعلم صيانة السيارات فتمرد وواصل الفشل..  وانعكس الضرب المبرح من قبل الوالد عليه في شكل انطوائية مرضية وميول نحو الشر فقرر العدوان على رفقائه من الأمازيغ متهما إياهم بالكفر والابتداع، فأطلق عليه رفقائه "مختار السونا"

ضربت رياح التكفير أحياء غرداية المالكية وبات شيوخ التكفير في حي ثنية المخزن الذي يقطن فيه المختار الأعلى كعبًا متخذين من الأجواء الطائفية منطلقًا في بث تلك الأفكار المسمومة.

قتل عبدالله عزام في بيشاور في عام 1989 فألهب الشيوخ حماس الفتى مختار  فقرر الهجرة إلى أفغانستان للثأر لمقتل عبدالله عزام.. وعندما حل هناك كانت الحرب قد وضعت أوزارها بعد دخول قوات أحمد شاه مسعود إلى كابول والإطاحة بحكم نجيب الله الموالي للسوفييت، ليشتعل بعدها الصراع بين الفصائل الأفغانية.

كان مختار بلمختار قد تعرف على الأمراء الحربيين وعلى الزعماء الأفغان العرب واكتسب لقبًا جديدًا " أبو العباس خالد" وتمرس على فنون القتال وحرب العصابات.. حتى تواترت الأنباء قادمة من الجزائر تفيد بوقف العملية الانتخابية هناك بعد أن كادت جبهة الإنقاذ أن تصل للسلطة.

عاد متخفيًا إلى غرداية فاقدًا إحدى عينيه ليكتسب بعدها لقبًا جديدًا " الأعور" .. وسرعان ما شكل تنظيمًا سريًا أطلق عليه " كتيبة الشهداء" أخذت في تنفيذ عملياتها ضد الجيش وقوات الدرك الجزائرية فقتل العشرات وقطع رؤوسهم.

استعر أوار الحرب الأهلية في الجزائر فصعد ورفقائه التكفيريين إلى جبال تيزي أوزو معلنين عن تكوين الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" وشنوا من هناك مجازر للمدنيين العزل بعد أن اقتحم القرى وذبح من فيها من النساء والأطفال.. حتى انقلب الرأي العام الجزائري على الجيا وصدمت المجازر قلوب البشرية جمعاء.

قرر مختار ومن معه الاحتجاج لدى أمير الجيا وقتها جمال زيتوني، فقرر زيتوني بدوره التخلص من المعترضين فنصب كمائن لعدد منهم فقتل بعضهم ونجا مختار من كمين محكم.. إلا أن زيتوني لقى حتفه في كمين نصبه له رفقائه التكفيريون .. وتولى عنتر زوابري قيادة الجيا بعدها إلا أن قرر الثأر من الخصمين مختار بلمختار وأبو مصعب عبدالودود.. إلا أنهما نجيا بأعجوبة.. وقتلت أجهزة الأمن الجزائرية زوابري في أحد المنازل القريبة من قريته.

ذهب بلمختار وحسان حطاب وأبو مصعب عبدالودود لتكوين جماعة جديدة أطلق عليها الجماعة السلفية للدعوة والقتال، سرعان ما أعلنت بيعتها للقاعدة.. وسرعان ما دب الخلاف فيها فهرب حطاب ليسلم نفسه للسلطات الجزائرية وتولي أبو مصعب القيادة من بعده وانتقل بلمختار بكتيبته "الملثمون" إلى الصحراء الكبرى .

تزوج بلمختار من قبائل الطوارق المنتشرة في الصحراء الإفريقية ليوطد نفوذه فيها ويصبح أكبر مهرب لسجائر المارلبورو ويفرض إتاواته على المهربين والتجار العابرين لحدود دول الشمال الإفريقي .. لم يكتف بذلك بل بات أكبر  رئيس عصابة لخطف الرهائن الأجانب والحصول على فدى قدرت بمئات الملايين من الدولارات.

بعد سقوط نظام القذافي باتت الفرصة سانحة لمستر مارلبورو للانقضاض مع جماعة أنصار الدين والتوحيد والجهاد على شمال مالي وطرد الجيش النظامي منها وإعلان إمارة أزواد الإسلامية... لكنه تمادى فضرب ثكنات للجيش الفرنسي وطمح في احتلال مالي كلها... فكانت الضربة الفرنسية.

في مقطع فيديو ظهر "الأعور" ليخاطب المسلمين من المحيط إلى النيل مشيرًا بذلك إلى أن ولاية تنظيمه الإرهابي يمتد من المغرب حتى مصر، وليعلن عن أنه اقتحم مؤسسة عين أمناس في تيقنتورين الجزائر مقابل الإفراج عن عمر عبدالرحمن وإيقاف التدخل الفرني في مالي.. بعدها اكتشف أن عناصر مصرية تكفيرية كانت تعمل تحت إمارة الأعور في كتيبته الجديدة " الموقعون بالدماء"

وبعد فشل عملية عين أمناس.. شن بملختار هجومًا انتحاريًا مزدوجًا على النيجر ، كان أحدهما على ثكنة عسكرية بأغادير فقتل وأصاب العشرات والآخر استهدف مؤسسة لاستخراج اليورانيوم.. واختفى بعدها بلمختار حتى تحدثت تقارير عن أنه انتقل إلى ليبيا بعد أن أصبحت ملاذًا آمنًا للقاعدة.. ويشكل تهديدًا مباشر للأمن القومي المصري.. وربما حاول إثبات وجوده بعملية قادمة فاشلة كأخواتها

المقنع عشماوي

 

 

كانت نبتة التكفير الشيطانية التي دسها عبود الزمر، وعصام القمري، بين عدد من أفراد الجيش، اقتلعت تمامًا بعد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وظل الوضع كذلك حتى اجتاحت القوات الأمريكية الأراضى العراقية، فهيأ الغزو عقول وأفئدة شباب لنمو الفكرة الشيطانية مرة أخرى.

كان الضابط طارق أبوالعزم، يقضى بعثة للتدريب في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن ثمة طارئًا كان قد طرأ على قلب الشاب ووجدانه وبدأ فى التساؤل لماذا هم متقدمون ونحن متخلفون؟ بعدها عاد"أبوالعزم"ليشتري كتب سيد قطب ويبحث في الإنترنت عن كلمات بن لادن وأبومحمد المقدسي وأبومصعب السوري حتى وصل لقناعة أن ما نعيش فيه هو جاهلية العصر، وأن النظام السياسي في مصر كافر وطاغوتي. بدأ أبوالعزم نشر أفكاره، وتواصل مع ضباط آخرين كان من بينهم هشام عشماوي، إلا أن المخابرات الحربية كانت قد رصدته فعاقبته وآخرين بالفصل من الجيش.

البذرة الأولى

بعد اندلاع ثورة الــ٢٥ من يناير وتهاوى الأجهزة الأمنية المصرية، توجهت أعين المراقبين للحدود الشرقية المصرية حيث الخطر الداهم الذى يهدد الأمن القومي للبلاد، لكن هناك خطرًا أدهى وأمر كان قادمًا من البوابة الغربية حيث الحدود المصرية الليبية وما وراءها من بلاد الساحل الإفريقي، وكان غريبًا أن يقف أمير كتيبة المرابطون، الموالية للقاعدة"مختار بلمختار" ليوجه خطابًا إلى المسلمين من المحيط إلى النيل في إشارة واضحة، إلا أن القاهرة تقع ضمن ولاية تنظيمه الذى يتمركز نشاطه في الساحل الإفريقي والذى ضم مصريين نفذوا عمليات انتحارية ضد القوات النيجرية والفرنسية على أراضي النيجر.

كان الارتباط الفعلي لتنظيمات القاعدة المحلية في مصر بنظيرتها في شمال إفريقيا وليس في الشام كما ظن الكثيرون، فالقاعدة اعتبرت مصر أحد قطاعات شمال إفريقيا الذى قسمه التنظيم إلى ما يربو على ٧ قطاعات.

حضر العنصر التكفيري المصري في التنظيمات الموالية للقاعدة في شمال إفريقيا بقوة، وخاضت تلك العناصر حروبًا ليست فى الثورة الليبية فقط بل امتدت بعد ذلك للمشاركة في الحرب ضد القوات المالية والفرنسية في إقليم"أزواد" مع الفصائل المسلحة الأخرى مثل أنصار الدين بزعامة إياد غالى، والقاعدة في بلاد المغرب المنبثق عن الجماعة السلفية للدعوة والقتال بقيادة عبدالمالك دروكدال، والسرايا التابعة لها والمنتشرة في غرب وشمال إفريقيا، وبعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي ذهبت القاعدة لحجز مكان لها على خريطة الميليشيات المسلحة التي تنامت بقوة بعد سقوطه.

وظهرت أنصار الشريعة الليبية بارتباطها بنظيرتها التونسية واتخاذها من ليبيا معقلًا لقياداتها وتقديمها للدعم اللوجيستى للتنظيمات الإرهابية المصرية، وبعد ظهور "داعش" دبت الصراعات بين ما تبقى من قادة القاعدة وأفرعها حول إمكانية مبايعة التنظيم الآخذ في الصعود والأكثر دموية وتكفيرًا مما جعل المنطقة كلها تواجه خطرين أقلهما يوصف بالدموية وأكثرهما يوصف بالوحشية.

الشبكة

في الصحراء الغربية الشاسعة، حيث الحدود"الليبية المصرية" مترامية الأطراف وبقايا ألغام زرعها الإنجليز تحسبًا لاقتحام قوات"روميل" البوابة الغربية للمحروسة.. كانت الجمال تروح عابرة للحدود الليبية وتغدو محملة بأسلحة وصواريخ، قاصدة شبه جزيرة سيناء حيث تنيخ بأحمالها فى الصحراء الشرقية لتتلقفها أيادي التنظيمات التكفيرية المسلحة.

بدأت بذرة التنظيمات التكفيرية فى النمو بعدما أرسلوا لخبير في تصنيع المفرقعات، هو التونسي على سعيد ميرغني، لجلبه إلى مصر وتخزين الأسلحة القادمة من ليبيا بشقة فى برج العرب بالإسكندرية.

عندما بدأ الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي، كان أحد ضباط جهاز الأمن الوطني الذين جرى تسريحهم من أعمالهم بعد ثورة ٢٥ يناير يشاهد التلفاز، فرأى أحد أوجه المهاجمين الذى استشعر للوهلة الأولى أنه وجه لم يكن غريبًا عليه، وكان صاحب الوجه محمد جمال الكاشف، فأبلغ الضابط بدوره المسئولين الحاليين في الجهاز، وبدأت مراقبة "الكاشف"، وكان اكتشاف الصيد الثمين «خلية مدينة نصر».

غير أن شخصًا آخر جرى رصده وهو يراقب منازل ضباط الأمن السابقين والحاليين، كريم أحمد عبدالسلام صاحب شقة مدينة نصر التي أوى فيها أخطر العناصر التكفيرية، كان منهم خبير المفرقعات"سعيد ميرغنى". قبلها كانت أجهزة الأمن رصدت"عادل عوض شحتو" يلتقى بأحد العناصر التكفيرية يدعى "بسام" قرب الحدود المصرية الليبية، فاتضحت معالم الخلية كاملة بعد ثبوت ارتباطاتها بالعناصر التكفيرية في أنصار الشريعة الليبية. سألت نيابة أمن الدولة في تحقيقاتها مع التونسي المنتمي لـ "حزب النهضة" وخبير المتفجرات على سعيد ميرغنى: لماذا ذهبت إلى ليبيا قبيل الهجوم على القنصلية الليبية بيومين ثم عدت إلى مصر بعدها بيومين؟ فارتبك ثم أجاب: ذهبت للسياحة.. أي سياحة في ليبيا في عصر الحرب الأهلية هناك.

نجح الكاشف في تأسيس أخطر شبكة إرهابية خططت لاستهداف السفن المارة في قناة السويس بالزوارق الحربية، واستهداف المواطنين الأقباط ودور عبادتهم لإحداث فوضى عارمة فى البلاد. لم يكن عنصرًا هينًا كما حاول بعض إخوانه من التكفيريين أن يثبت، فقد تلقى محمد جمال التدريب على صناعة القنابل في معسكرات القاعدة  بأفغانستان في الثمانينيات، وعاد إلى مصر في التسعينيات وأصبح القائد العسكري لجماعة الجهاد الإسلامي المصرية التي كان يقودها في ذلك الوقت أيمن الظواهري. ومنذ خروجه من السجن، شكل "الكاشف" شبكة باسم "الجمال"، تدرب أفرادها في ليبيا ومصر بتمويل من فرع تنظيم القاعدة في اليمن، ووقتها نقل عن أخصائيين في مكافحة الإرهاب قولهم إن "أجهزة المخابرات الغربية المكلفة بمكافحة الإرهاب، تعتبر الكاشف أحد الأشخاص الأكثر خطورة في المنطقة منذ الربيع العربي".

عشماوي في مدينة نصر

بصمات "المرابطون" التي يقودها هشام عشماوي تظهر جلية عندما يستهدف مصالح الدول التي تعد خصومه التقليديين في الساحل الإفريقي، فبعد أن وقعت حادثة تفجير القنصلية الإيطالية ظهرت بصمات التنظيم بعد البحث عن خصوم إيطاليا من التنظيمات التكفيرية وطبيعة ارتباطاتها التنظيمية والجغرافية، فالمرجح هو قيام تنظيم "المرابطون" بتنفيذ العملية لأنه تنظيم ينشط فى شمال إفريقيا وليبيا على وجه الخصوص، ويتزعم فرعه المصري هشام عشماوي، ويأتي استهداف القنصلية الإيطالية، وفق هذا التحليل، للعداء المرير بين إيطاليا وتنظيمات الشمال الإفريقي خاصة في ليبيا، حيث تعتبر  تلك التنظيمات "روما" عدوها اللدود الذى يسعى للقضاء عليها عبر دعم خصومها اللوجيستي أو بالقيام بعمليات مباشرة تستهدف قادتها ومعسكراتها.

وبعد استهداف القنصلية الإيطالية بالقاهرة، تباينت التحليلات حول مغزى استهدافها تحديدًا دون غيرها، ليأتي الهجوم المسلح على سفارة "النيجر" ويؤكد وجود خطة استراتيجية تتبعها تلك التنظيمات.

فالأرجح أن الجهة التي استهدفت القنصلية الإيطالية والسفارة النيجرية مرتبطة بالتنظيمات التكفيرية في شمال إفريقيا، التي تمتلك رصيدًا من العداء والكراهية مع حكومات شمال إفريقيا، ومنها:  "النيجر وتشاد ومالي والدول الغربية المتحالفة معها، أهمها إيطاليا وفرنسا"

لم تكتشف الأجهزة المصرية أمر الضابط هشام على عشماوي إلا متأخرا، فقد كان عنصرًا حاضرًا بقوة في خلية مدينة نصر وعضوًا في شبكة الجمال، إلا أنه لم يكن معروفًا حتى لأعضاء خليته بعد استخدامه لعشرات من الأسماء الحركية، وانضم عشماوي إلى القوات المسلحة في منتصف التسعينيات، وفى ١٩٩٦ التحق بالقوات الخاصة "الصاعقة" لكنه وقع في وحل الأفكار التكفيرية وظل ينشر أفكارًا متشددة.

بعد مشاركته في حرب القذافي وارتباطه بقادة القاعدة في شمال إفريقيا تحول عشماوي إلى سوريا للمشاركة في الحرب هناك إلا أن اندلاع ثورة الــ٣٠ من يونيو، والإطاحة بنظام مرسى دفعته للعودة إلى القاهرة مجددًا والتنسيق مع قادة جماعة أنصار بيت المقدس.

تولى "عشماوي" عملية رصد تحركات وزير  الداخلية مع عماد الدين أحمد، الذى أعد العبوات المتفجرة بالاشتراك مع وليد بدر، منفذ العملية والعائد من سوريا، كما شارك في مذبحة كمين الفرافرة، في ١٩ يوليو ٢٠١٤، وهى العملية التي استشهد فيها ٢٢ مجندًا، ومذبحة العريش الثالثة، فى فبراير ٢٠١٥، التي استهدفت الكتيبة ١٠١، واستشهد بها ٢٩ عنصرًا من القوات المسلحة، كما اشترك في التدريب والتخطيط لعملية اقتحام الكتيبة العسكرية، إلا أن انحياز "بيت المقدس" لأبى بكر البغدادي ومبايعة "داعش" أغضب عشماوي الذى كان على ولائه للظواهري والقاعدة في الشمال الإفريقي فقرر الانفصال ثم ظهر بعد ذلك بكونه أميرًا لجماعة "المرابطون".

وبعد أن وقعت حادثة تفجير القنصلية الإيطالية ظهرت بصمات التنظيم بعد البحث عن خصوم إيطاليا من التنظيمات التكفيرية وطبيعة ارتباطاتها التنظيمية والجغرافية، فالمرجح هو قيام تنظيم «المرابطون» بتنفيذ العملية لأنه تنظيم ينشط فى شمال إفريقيا وليبيا على وجه الخصوص، ويتزعم فرعه المصري هشام عشماوي.

المرابطون الأوائل

يحتل مسمى "المرابطون" حيزًا في عقل ووجدان الجماعات التكفيرية التي نشأت في شمال إفريقيا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي فتلك التنظيمات اعتادت اجترار مصطلحات من دفاتر التاريخ الإسلامي لتعيد إطلاقها على كياناتها للإيحاء بأنهم خلفاء المسلمين الأوائل الذين استطاعوا فتح البلاد وإقامة دول لهم استمرت حينًا من الدهر ثم تلاشت.

فـ"المرابطون" جماعة نشأت في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي في منطقة المغرب الإسلامي ثم تحولت إلى إمارة كونت جيشًا بقيادة عبدالله بن ياسين ويوسف بن تاشفين، استطاع هذا الجيش كسر ظهر الإسبان في الأندلس في معركة الزلاقة إلا أن أمراء «المرابطون» طمعوا فى حكم ملوك الطوائف وحكموا البلاد ما يقرب من الــ٤٠٠ عام.

ومن ثم فالجماعات التكفيرية في شمال إفريقيا وحدها تحتكر مسمى «المرابطون» فتطلقها على كتائبها حينا أو على عملياتها أحيانا أخرى، ولذا عندما أطلق هشام عشماوى مسمى "المرابطون" على جماعته كان السؤال الأول هو: لماذا أطلق "عشماوى" هذا المسمى تحديدًا المرتبط بفصائل القاعدة في الساحل الإفريقي؟

المعروف أن هناك جماعة أنشئت في شمال مالي منتصف العام ٢٠١٣ أطلق عليها جماعة "المرابطون" التي كانت نتاجًا للاندماج بين جماعتين، الأولى هي "الملثمون" التي يتزعمها مختار بلمختار، والثانية هي جماعة "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا ويتزعمها أحمد التلمسى، إلا أن هذين الزعيمين قررا ألا يتولى أحدهما القيادة واتفقا في بينهما على تولى المصري أبوبكر المهاجر قيادة التنظيم الجديد.

قتل "المهاجر" ومن بعده "التلمسي" في غارات جوية للطائرات الفرنسية على شمال مالي وجبال تغرغارت وبقيت الإمارة شاغرة حتى تولاها أبوالوليد الصحراوى، الذى لم يكن يحكم قبضته سوى على أحد أجنحة التنظيم هو جناح "التوحيد والجهاد"، وعندها ذهب ليعلن مبايعة جماعة "المرابطون" لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في تسجيل صوتي نشرته مؤسسة الأندلس.

ظهر مختار بلمختار بعد طول اختفاء ليعلن أن مبايعة الصحراوي لداعش لم يكن بموافقة مجلس الشورى وإنما كان بقرار منفرد وليجدد بلمختار  ولاءه للقاعدة وأميرها أيمن الظواهري.

فى هذه الأثناء كانت الخلافات قد احتدمت بين قادة وأمراء تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء على إثر الخلاف الشهير بين القاعدة وداعش، فالاتجاه الأغلب في التنظيم السيناوى كان قد حسم مبايعته لتنظيم الدولة وخليفته أبوبكر البغدادى، بينما تمسك قادة آخرون بضرورة التمسك بالولاء لتنظيم القاعدة، كان على رأسهم هشام عشماوى القائد العسكرى للتنظيم في الوادى.

وبعد إشرافه على تنفيذ عملية الفرافرة والتي تبناها تنظيم "بيت المقدس" ووعد بإصدار فيديو يظهر المقاتلين أثناء الهجوم كان عشماوي قد قرر الانفصال عن التنظيم وتأسيس جماعة جديدة تحمل مسمى "المرابطون" مما أثنى التنظيم السيناوي عن نشر إصداره عن عملية الفرافرة بما أن منفذيها قد انشقوا عن التنظيم.

مسمى "المرابطون" الذى استنسخه عشماوي لم يكن مصادفة، فليس من المنطقي أن يتسمى تنظيمان تابعان للقاعدة في قطاع جغرافي واحد "الشمال الإفريقي" بمسمى واحد، خاصة إذا أضفنا أن عشماوي نفسه انضم لتنظيم "المرابطون" بقيادة مختار بلمختار، بعد أن شارك فى الحرب ضد العقيد الليبي معمر القذافي، وقام بعمليات تدريب لعناصره، ثم قام بشن عملياته ضد الدولة المصرية منطلقًا من الحدود الغربية وبمساندة ميليشيات ليبية ذات صلات وطيدة بالقاعدة مثل ميليشيا راف الله السحاتي وأنصار الشريعة وغرفة الثوار.

لا شك أن إصدار عشماوي هذا الذى أظهر فيه أيمن الظواهري وهو يتحدث عن حرب اللسان والسنان انعكاس للصراع المكتوم بين القاعدة وداعشفى شمال إفريقيا، فعشماوي أراد أن يوجه ضربة لتنظيم داعش الذى استطاع في فترة قصيرة شق عصا التنظيمات التابعة للقاعدة جميعها فبات يملك تنظيم جند الخلافة في الجزائر وأنصار الدولة الإسلامية في ليبيا والتوحيد الجهاد في مالي وأنصار الخلافة في تونس.

التعليقات