كيف كان التعصب المذهبي سببًا للكذب في الحديث النبوي ؟

أرشيفية
أرشيفية

هل تتخيل أن التعصب المذهبي كان من نتائجه اجتراء البعض على وضع أحاديث وينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم ليأكدوا رأيا أو فتوى أو يعظموا شأن المذهب الذي ينتمون إليه على باقي المذاهب .. وهؤلاء المتعصبون الجهلة من أتباع المذاهب الفقهية وضعوا الأحاديث نصرة للمذهب الذي ينتمون إليه، وكما وضعوا أحاديث في فضل الإمام الذي ينتمون إلى مذهبه، وضعوا أحاديث في انتقاص وتحقير غيره من الأئمة !  وعن هذه الحالة يقول أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": استجاز بعض فقهاء أصحاب الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نسبة قوية، فيقولون في ذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا.. ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندًا".

و غير هؤلاء هناك قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن.. وقد ساق ابن الجوزي بإسناده إلى أبي زرعة الدمشقي قال: حدثنا محمد بن خالد عن أبيه قال: سمعت محمد بن سعيد يقول: لا بأس إذا كان الكلام حسن أن تضع له إسنادًا.

و إذا كان هذا النوع من الوضاعين الصالحين قد استمات في تبرير موقفه إلا أنه ، تظل كلمات الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم هي الأقوى والأكثر اقترابا من روح العلم والحقيقة حيث يقول : " لا فرق في تحريم الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك ، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع ، خلافا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب ، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم ، وشبهة زعمهم الباطل أنه جاء في رواية : من كذب علي متعمدا ليضل به فليتبوأ مقعده من النار وزعم بعضهم أن هذا كذب له عليه الصلاة والسلام لا كذب عليه ، وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغفلة ، وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شيء من قواعد الشرع.. وقد جمعوا فيه جملا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة فخالفوا قول الله عز وجل : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ".

ولا يدري كل هؤلاء الوضاعون أن خطورة اختلاق أحاديث ونسبتها للنبي تحمل في طياتها إشارة سلبية للغاية لم يلتفت إليها الوضاعون بحسن نيتهم أو بسذاجتهم المفرطة ، حين غفلوا أن ما يقومون به قد يوحي من قريب أو من بعيد أن الدين ليس كاملا وأن الشريعة ليست جامعة وأنها في حاجة إلى إضافة واستدراك حتى ولو من باب الكذب الأبيض الذي كانوا يرونه كذبا للنبي لا كذبا عليه !

 

 

التعليقات