«التكية السليمانية» ضحية جديدة لصراع الآثار والأوقاف

4/24/2019 2:28:28 PM
740
تقارير وتحقيقات

كتبت:منة الله سيد وهدى مدبولي

تضم ضريح لأبناء الشيخ الصوفي عبد القادر الجيلاني

شجرة النبأ بوسط التكية.. حيث يبحث المرضى عن دواء بين أوراقها

أغلب الباحثين عن أوراق النبأ من السيدات.. وإعتقاد بأنها تفك السحر

مريدين" الحسين" والسيدة" يشعلون الشموع بالضريح بعد قضاء حوائجهم

17 أسرة يقطنون التكية يستغيثون بالحكومة: نفسنا ننقل لمساكن آدمية

الآثار: ترميم التكية ومسئوليتها تقع على الأوقاف

 

"إنت فاكرها تكية".. عبارة نسمعها ونرددها كثيرًا دون وعي أغلبنا بأصل هذا المكان -التكية- وهل لا يزال موجودًا حتى الآن؟ وما هو مصير التكيات؟.

في مصر العديد من التكيات التي أنشئت في عصر الدولة العثمانية، والتي تحولت حاليًا إلى مناطق أثرية، فالتكية كلمة تركية الأصل، تشير إلي مكان الراحة والإعتكاف، وكانت مرتبطة بالصوفيين، ويقيم فيها المنقطعين للعبادة وعابري السبيل، حيث الطعام والإقامة مجانًا.

من أبرز التكيات الموجودة حاليًا «التكية السليمانية» في القاهرة والتي يعود تاريخها لعام 950 هجريًا، وبالرغم من مكانتها التاريخية والأثرية حيث شهدت على تاريخ من مئات السنين إلا أن حالها لا يتوافق مع قيمتها، وكالعادة سقطت فريسة تفرق دمها بين وزارة الآثار ووزارة الأوقاف مثلها كمثل الكثير من الآثار التي تندرج تحت قطاع الآثار الإسلامية.

توجهت «اليوم الجديد» إلى التكية السليمانية لرصد الأوضاع داخل حرم الأثر العتيق وكانت تلك هي الصورة:

في طريقنا إليها سألنا كثيرًا لكي نتمكن من الوصول مما يدل علي عدم تردد الكثيرن عليها كآثر، وخلال الطريق ممرنا بما يشبه السوق حيث الباعة منتشرين في كل مكان ينادون على بضاعتهم ويتوافد عليهم الزبائن من هنا دون أن يشعر أحد بأن خلف هذا الحشد يقف مكانًا شهد على معصور تاريخية بعيدة.

وأمام واجهة صغيرة وقفنا نبحث عن التكية إلى ان لفت نظرنا لافتة صغيرة بخط باهت على الواجهة مكتوب عليها" التكية السليمانية" ففوجئنا بأن المكان الذي نقف أمامه نكاد لا نراه هو وجهتنا ومقصدنا.

« سلالم متهالكة.. أمامها فناء واسع به شجرة نبأ.. محيط بها مجموعة من الغرف موصودة الأبواب التي لم يخفي غلقها تهالكها وحالتها السيئة.. إحدى الغرف تحتوي على ضريح».

قطع تأملنا للمكان صوت الحاج سامي محمد المصري، خادم الضريح بالتكية، يسأل عن هويتنا، وبمجرد أن أخبرناه وطلبنا منه موافتنا بقصة التكية حكى لنا قائلًا: أنا عندي 74 سنة وورثت مهنتي كخادم الضريح أبًا عن جد، وهو ضريح أولاد عبد القادر الجيلاني" أحمد وإبراهيم"، من مشايخ التكية وكان والدهم عبد القادر إمام صوفي، وأصلهم تركي، وخدمة ضريحهم مثل الإرث تتناقله عائلتنا من جيل لآخر لذلك من بعدي سيكون إبني هو خادمه، وهو ما لا علاقة له بأي مكاسب مادية فأنا شخصيًا لا أستفيد ماديًا من هذا الضريح وعايش بمعاش التضامن الإجتماعي وهو 360 جنيه.

 وأشار إلى أنه يتردد على الضريح أشخاص من مختلف الدول خاصة الأردن وليبيا، وكذلك المحافظات كالفيوم، وغالبًا ما يقضي الزائر ثلاثة أيام من كل عام عند زيارة الضريح، لافتًا إلى أن مواسم الزيارة تكون دائمًا بالتزامن مع مولد سيدنا الحسين ومولد السيدة زينب من أجل التبرك والدعاء وعند تحقيق آمالهم يأتون لوضع شموع بالضريح، ولكن مؤخرًا منعت وزارة الآثار زيارة الضريح خاصة بعد أن صار مأوى لرواد مولد الحسين والسيدة وباتوا يقيمون فيه طوال فترة المولد بما يخالف القانون.

وقال إسماعيل جاد، أحد المقيمين بالتكية، إنه في منتصف التكية توجد شجرة نبأ، وهي شجرة يعتقد الكثيرون في أنها« مبروكة» حتى أن هناك أشخاص تأتي لأخذ ورق من هذه الشجرة لاستخدامه في علاج الأمراض مثل"مرض السكر" ويعتقد البعض أن أوراق الشجرة تستخدم في علاج المس والسحر وفك الأعمال، وأغلب من يأتوا للحصول على أوراقها من السيدات.

وأشار إلى أن وزارة الاثار ذات مرة حاولت قطع هذه الشجرة ولكنها وجدتها تنمو على المياه الموجودة في الأرض بعمق ٤ أمتار وبالتالي تمتص كثيرًا من المياه وتقلل من وصولها إلي جدران التكية لذلك تركوها.

وأوضحت صباح حلمي، إحدى قاطنات التكية قائلة: التكية كانت بمثابة مدرسة لتحفيظ القرآن، وكان الجانب الأيسر منها خاص بالدراويش أما الجانب الأيمن فكان للشيوخ وكان الطعام والإقامة فيها مجانًا، وقد كان جدي أحد المشايخ هنا، ثم ظلت التكية تتناقلها الأجيال وهي مسجلة كوقف خيري حتي الآن لكن لا أحد يهتم بترميمها رغم أنها مكان آثري، ويسكن بها نحو17 أسرة بينهم علاقات نسب, وكل أسرة تسكن في غرفة ويوجد مطبخ وحمامين مشتركين واحد للرجال والآخر للنساء.

وأوضحت أن حياة هذه الأسر مهددة لأن أعمدة التكية أوشكت علي السقوط ولا يمنعها سوي السقالات التي وضعت أثناء زلزال التسعينات, وعندما ذهبت إلي الحي لأخبرهم بذلك قالوا لي "صور المكان وحطوا الورق في الدرج" .

وتابع السيد محمود، أحد المتواجدين بالتكية: احنا لو نقدر نرمم المكان كنا رممناه لكن إمكانياتنا ماتسمحش، وللأسف التكية ضائعة بين الآثار والأوقاف فالثانية قالت" لنا امضوا علي ورق ونعملكوا عقود إيجار" لكن بعد ما مضينا عرفنا إنه ورق إخلاء, وعندما جاءت الشرطة لتخلينا رفضنا لأننا ليس لنا مكان بديل نذهب إليه.

وواصل: أما وزارة الآثار فقد أرسلت لجنة كشفت علي الأرض لتعرف هل التكية آثار أم لا ووقتها إكتشفوا أن هناك جثث مدفونة تحت التكية ترجع إلي الدراويش الذين كانوا يقطنون فيها قديمًا وكان من يموت منهم يدفن أسفلها، فلم تجد وزارة الآثار شئ ثمين يدفعهم لترميم التكية وإعادة إحيائها فتركوها كما هي, باستثنا إرسال موظفة من وقت لآخر  لمعاينة التكية ثم تذهب ويبقى الوضع كما هو عليه،  فلا الآثار بترممها عشان ترجع مكان سياحي ولا الأوقاف بتشوف لنا بديل عشان تنقذ أرواحنا ونعيش حياة آدمية.

 وقصت " زينب" زوجة الحاج سامي، خادم الضريح، المشاكل التي تعاني منها في التكية قائلة: كنت ببيع شاي قدام التكية ولكن وزارة الآثار منعت ذلك وكمان أعمدة التكية مهددة بالسقوط، وعند نزول المطر أقوم بوضع أطباق بلاستيك على التليفزيون لنزول المطر فيها ومنع وصول المطر إلي الكهرباء، أما الحمام فهو بشع لا يتحمله أي شخص وفي النهاية الاعلاميين يصفونا بالبلطجة دون أن يكلف أحدهم نفسه لمعاينة الوضع الحقيقي.

من جانبه، قال الدكتور محمد رشاد، مدير عام مناطق آثار جنوب القاهرة قائلًا: التكية ليست ملك لوزارة الآثار إنما هي ملك للأوقاف أما الآثار فهي مشرفة علي التكية كآثر فقط, ووضع من يسكنون في التكية لسنا المسؤلون عنه إنما هي مسئولية الأوقاف.

وأضاف، كذلك مسئولية ترميم التكية وتوفير الدعم المالي لها تقع على عاتق الأوقاف بصفتها المالك، أما الآثار فتشرف فقط علي أعمال الترميم، مشيرًا إلى أنه  الآثار ترسل مندوبين للمورو على حالة التكية بصورة دورية لمتابعة الحالة الفنية والإنشائية لها وترفع بملاحظاتها تقارير للأوقاف.

وقد حاولنا التواصل مع وزارة الأوقاف ولكننا لم نحصل على رد وافي بشأن التكية.

اليوم الجديد