مرضى التصلب المتعدد: «على الحلوة والمرة هنعيش»

مرضى التصلب

4/22/2019 7:28:55 PM
499
تقارير وتحقيقات

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد

يتجمعون يومين فى الشهر ليكون هذا اللقاء الذين قاموا بتحديده يومًا ثابتًا وهو «الجمعة» كى يناسب الجميع كونه إجازة رسمية، يلتقون فى أحد النوادى الترفيهية المُطلة على النيل بحى المنيل، يتسامرون ويتبادلون الأحاديث يسمعون لمشكلات بعضهم البعض وتطور مراحل مرض التصلب المتعدد المصابين به، وآخر المستجدات التى تحدث فى عالم الطب بخصوص ظهور أدوية جديدة، لذا فيجدون من هذا اللقاء الذين يشتقون إليه فائدة سواء كانت نفسية من خلال «الفضفضة» أو حلول لتوفير بعض الأدوية التى فى بعض الأحيان غير متوفرة لديهم.

من هنا بدأ «اليوم الجديد» معايشته مع مرضى التصلب المتعدد مصابى وأعضاء جمعية «رعاية» من خلال قضاء يومًا كاملًا معهم لرصد قصص الأمل والألم..

 

«بابا عبده» الأب الروحى لمرضى التصلب المتعدد: «ببقى سعيد أنهم بيخلونى أقفلهم فى أهم لحظات فى حياتهم»

يخطف قلب كل من يتعامل معه للوهلة الأولى سواء كان ذلك من طريقة حديثه البسيطة التى تنم عن شخصية مسامحة لا تلقى بالًا لمضايقات ومشكلات الحياة، فضلًا عن ابتسامته التى تظهر دومًا على ملامحه لتشعر من أمامه أنه شخصًا قريبًا، وصديقًا وأبًا يمكن الحديث معه لحل أى مشكلة قد يمر بها دون أن يتأخر عليه فى ذلك، مليئًا بالحيوية والطاقة الإيجابية التى ينقلها تلقائيًا بمجرد الحديث معه، هو الأب الروحى عبد المسيح فاروق غنيم، 45عامًا، أو كما يطلق عليه أعضاء ومصابو جمعية «رعاية» للتصلب المتعدد «بابا عبده».

بدأ «بابا عبده» حديثه لـ«اليوم الجديد» عن اكتشافه لمرض التصلب المتعدد الذى لم يكن يعلمه الكثير أو الذى يسمعه البعض ولا يدرى ما هو وما أسبابه أو أعراضه، حيث إنه أصيب به من 20عامًا تقريبًا كان فى المرحلة الثانوية حينها حيث إن تلك الإصابة التى هاجمت المخ لم يكن يعلم عنها أو أسرته أى شىء، قائلًا: «عينى اليمين من ساعتها وهى ضعيفة، وقتها قولنا أن الثانوية العامة هى اللى أثرت على عينى وخلتها تضعف».

لم يأخذ أى خطوة تجاه هذا المرض وكأنها موقف عابر، لذا فلم يضع فى تفكيره أى قلق أو خوف تجاه، حتى مرحلة زواجه ليكون فى تلك المرحلة الهجمة الأخرى التى أصابته وكانت فى عظام القدم تلك المرة، لينتقل بعد ذلك فى الأيدى لتطرأ تغييرات مختلفة عليه لم يكن معتادًا عليها من قبل والتى كانت لها أثرًا نفسيًا جسيمًا عليه كونه لا يعلم ما الذى يحدث له، ليكون بابه الوحيد للتخلص من تلك الآلام المُتكررة هو محاولة الانتحار مايقرب من 5 مرات ولكنها تبوء بالفشل، واصفًا حاله فى تلك الفترة من حياته: حالتى كانت بتنتقل من مكان لمكان تانى وماكنش عندى وقتها إيمان لغاية ما دخلت جمعية رعاية من 11 سنة.

«أغلبية البنات والشباب فى الجمعية بينادونى ببابا عبده لأنهم من دور أولادى وبيحسوا إني قريب منهم»، هكذا برر «عبدالمسيح» حب مرضى التصلب المتعدد والمتواجدين فى جمعية «رعاية» له، حيث إنه حتى فى أبسط الأمور يكون داعمًا لهم ويساعدهم فى حل الأزمات التى يمرون بها سواء كان ذلك فى مراحل المرض أو المشكلات الاجتماعية التى تنتج من المرض ليكون هو السد المنيع الذى يحميهم من أى صدمات نفسية .

«الدنيا حلوة ولازم تتعاش، وأحنا بنيجى كل أسبوعين فى النادى علشان نخرج الناس من حالة الاكتئاب وخصوصًا الشباب الصغير المصاب»، بتلك الكلمات النابعة من الشخص يمر بنفس تجارب زملائه بالجمعية وبقلب أب خائف من أى أذى يلحق بأى فتاة أو شاب مصاب بـ«MS» الاختصار لـ«التصلب المتعدد»، فهو دومًا يدعم الشباب والفتيات المصابين من خلال التنزه فى الحدائق والأندية فضلًا عن الرحلات التى تُنظمها الجمعية وحملات التوعية لهذا المرض، بالإضافة إلى جلسات الدعم النفسى والتى كانت فكرته بالإشتراك مع دكتور شيرين دحروج للمساعدة فى تحسين الحالة النفسية للمريض وزيادة الصمود لينتصر على أى ألم أو انتكاسة صحية يمر بها.

اتصالات مستمرة طوال يوم يتلقاها «بابا عبده» من الفتيات والشباب، ليستفسروا عن أى أعراض قد تحدث لهم فلا يجدون سواه كى يشير لهم بالحلول المناسبة لتسكين آلامهم، وتهدئة وسكينة قلبهم من أى قلق أو خوف قد ينتج من تلك الأعراض التى يشعرون بها، فهذا ليس فقط فحسب حيث إنه يلعب دور الأب كما يجب أن يكون حيث إنه قام بمساعدة 4 فتيات وشباب من المصابين فى الزواج، ليشاهد أطرف المواقف كونه يطلب يد فتاة من والدها لشاب مسلم، مضيفًا: «ببقى سعيد جدًا أنهم بيخلونى أقفلهم فى أهم لحظات فى حياتهم وخصوصًا لما يكون والدهم متوفى علشان كده أنا اللى بلعب دور الأب لهم».

مساعدات كثيرة يبادر بها «عبدالمسيح» كونه الأب الروحى والعين التى تراقب كل من فى حاجته، سواء كان ذلك الشخص فى حاجة لعلاج لم يجده كونه غالى الثمن أو لأنه غير متوفر لحالته أو مبادرات مادية يقوم بجمعها بطريق ودية من الجمعية لتكملة احتياجات الزواج لإحدى الفتيات أو أحد الشباب من المقبلين على حياة زوجية، مُتابعًا: «الناس ممكن تحقق السعادة لبعضها بحاجات بسيطة، أوقات بيكون فى مشاكل فى العلاج على نفقة الدولة علشان أوقات بينقص فى عدد الحقن علشان كده الجمعية دورها هى التوفيق مساعدة أى شخص فى حاجة للعلاج».

ومن أهم نشاطات الجمعية التى تقوم بتنظيمها باستمرار هو إقامة المؤتمرات الطبية من خلال تواجد أطباء متخصصين، والتى يكون هدفها الرئيسى هو توعية الجميع بهذا المرض وخصوصًا بين الشباب لأنه أصبح منتشرًا بين تلك الفئة بطريقة ملحوظة، قائلًا: «أحنا نصف مرضنا اكتئاب علشان كده لازم نوقف معاهم وفى ضهرهم علشان يجتازوا أى مرحلة صعبة بيمروا بها».

ويحكى «عبدالمسيح» عن المضاعفات التى قد يشعر بها أى مريض بالـ«Ms» والتى من بينها عد التحكم فى أعصاب الجسم، رعشة فى القدم واليد وعدم التملك على السير بطريقة مستوية أثناء الحركة، بالإضافة إلى عدم القدرة على الرؤية بطريقة واضحة، حيث إن العلاج الطبيعى هو العامل المساعد والذى يحقق نتائج جيدة نوعًا ما للتخلص من تلك المضاعفات: «بنحاول نخفف من الأعراض والمضاعفات بتحسين النفسية والعلاج الطبيعى لأن هما الاتنين الطريق للعلاج من المرض ده والتعايش معه فى سلام».

«حبيبة» اكتشفت المرض مُنذ الصغر:» محدش يسيب نفسه للاكتئاب وبطلب الدعم لينا»

بملامح فتاة مُقبلة على الحياة وبإرادة قوية وابتسامة صافية تظهر فى ملامحها الصغيرة، قررت «حبيبة» أن تتعايش مع التصلب المتعدد بسلام وحب وتأقلم تستقبل كل التغييرات التى تظهرعليها والذى فرضها عليها الـ«Ms» مُنذ كانت صغيرة بالعمر لتستكمل الحياة بالتحدى مع هذا المرض، فهى حبيبة محمد، 24عامًا، خريجة دراسات إنسانية قسم علم اجتماع بجامعة الأزهر.

اكتشفت «حبيبة» إصابة بهذا المرض عندما كان عمرها 12عامًا، وذلك حينما شعرت أن الرؤية غير واضحة فى عينها اليسرى، لتذهب سريعًا إلى طبيب عيون والذى أشار لها بضرورة الذهاب لطبيب مخ وأعصاب، والذى ساهم فى تشخيص المرض بطريقة صحيحة، والذى أدى إلى تلقيها «كروتيزن» حيث إنه مع الوقت أثر بطريقة ملحوظ على الأعصاب والذى كان سببًا رئيسيًا فى عدم قدرتها على السير كما كانت من قبل، قائلة: «أول 4سنين ماكنتش بأخذ علاج وده خلى حالتى تزداد سوءًا».

وكانت من أكثر المراحل التى مرت على الفتاة العشرينية خلال فترة الدراسة فى المرحلة الجامعية، وخصوصًا فى العام الأول والذى أدى إلى تحويلها من كلية لكلية أخرى، ثم المحاولات المستمرة للنجاح فى كلية الدراسات الإنسانية قسم علم اجتماع وذلك لأن هذا المرض يؤثر بشكل ملحوظ على القدرة على التركيز والتحصيل فى المذاكرة، مُتابعة: «أنا كنت بعانى فى مرحلة الدراسة علشان كنت بذاكر وأنسى اللى ذاكرته».

تعرضت «حبيبة» لأكثر من انتكاسة صحية نتيجة للهجمات الناتجة من الـ«Ms» أثناء فترة الدراسة بالجامعة، وذلك من خلال عدم القدرة على تملك الأعصاب والسيطرة عليها، حيث إن الأهل فى تلك الفترات التى تعيشها مع المرض يقفون داعمين لها لاجتياز كل اللحظات الصعبة، قائلة: «بيحبوا يريحونى وواقفين معايا، بس فى ظل مساعدتهم ليا بضايق علشان مش بيخلونى أبذل مجهود طبيعى فى أى حاجة بعملها وبيفضلوا أنى أكون مرتاحة».

تحلم الفتاة العشرينية أن تمارس حياتها بطريقة طبيعية من خلال العمل معلمة فى إحدى الحضانات أو المدارس لرعاية الأطفال الصغار، حيث إنها تتميز كونها تملك القدرة على التدريس وتعليم الأطفال وتساعدهم على استيعاب المواد التى تعطيها لهم، واصفة حلمها التى طالما تسعى لتحقيقه:«التدريس حلم حياتى، وهى المهنة اللى حابة امتهنها لأن اشتغلت فيها قبل كده».

تواجدت «حبيبة» مع جمعية «رعاية» للتصلب المتعدد بطريقة فعلية، عندما تم تدشين حملة «أحلامى مثل أحلامك»، والتى كانت تهدف التوعية بهذا المرض حيث إن خروجها وتعاملها مع أشخاص مصابين بنفس المرض المصابة به، جعلها تتقبل ما تشعر به وتكون أكثر احتكاكًا بهم لكونهم يشاركوها نفس الألم، مضيفة: «كنت حاسة لما عرفت أن عندى المرض ده أنه مصيبة لكن لما اتعاملت وبقيت بوعى الناس نظرتى تغيرت».

تطلب الفتاة العشرينية من الجميع دعم المرضى المصابين بهذا المرض، كونهم يتألمون ولكنهم لا يحاولون أن يظهروا ذلك لأنهم يردون أن لا يفقدوا الأمل الذى يكتسبونه من خلال الجلسات والمساحات التى يخلقوها لأنفسهم مع بعضهم البعض والتى تنظمها الجمعية لتساعد فى تحسين الحالة النفسية لكل مريض ومريضة، قائلة: «محدش يسيب نفسه للاكتئاب أنا حاولت الانتحار حوالى 13 مرة علشان كده دايمًا بطلب الدعم لينا».

 

«شريهان» تحارب الـ«Ms» بالعمل فى تدريس الأطفال:» لما بشوف فضفضة الناس بحس بأن الحياة لازم تكمل وبرجع بطاقة حلوة»

بمظهر متألق وحيوية لافتة تريد «شريهان» تثبت أن المرض ليس نهاية المطاف، بل هو بداية جديدة يمكنها من خلال الاستفادة بتجارب جديدة وعلاقات جيدة تكونها ليدخلوا دائرة معارفها، حيث إنها لم تستجب لأى عارض يظهر عليها وتحاول بقدر المستطاع أن تشارك وتقوم بعملها كمعلمة لغة إنجليزية فى إحدى المدارس دون تقصير حتى فى الفترات التى تشعر فيها بالإرهاق والتعب الناتج من الـ«Ms».

اكتشفت شريهان يحيى، 35عامًا، المرض عام 2013 حيث فى تلك الفترة معظم الأطباء التى زارتهم قالوا لها أنها مُصابة بهذا المرض من قبل ذلك بفترة طويلة، فكانت أول هجمة تعرضت لها فى عينها اليسرى عن طريق عدم القدرة على الرؤية الواضحة وقبلها تعرضت إلى نزلة أنفلونزا شديد، لتتجه إلى طبيب عيون لزيادة الألم عليها لتظل 4أشهر على هذه الحالة، حيث خلال تلك لفترة لم يستطع أى طبيب تشخيص حالتها بسهولة، قائلة: «هو مفيش غير دكتور عيون اللى روحتله فى الآخر وهو اللى طلب منى رسم عصب وقالى أنه شكك أنه يكون التصلب المتعدد».

وتنتقل بعد أن تأكد طبيب العيون من شكوكه إلى طبيب متخصص فى المخ والأعصاب كى يتابع حالتها ويحدد لها طريقة العلاج المناسبة، لتختلف آراء الأطباء حينها مابين أن تنتظر حتى يشاهد ما الذى يصل إليه المرض من تطورات وفى حالة تعرضها لهجمة أن تتلقى «الكورتيزون»، والبعض الآخر طالبها بالإلتزام بالأدوية والتى كانت ذات تكلفة غالية وغير متوفر بالخارج، حيث إنها حينها لم تكن تدرى العلاج على نفقة الدولة، قائلة: «عرفت بعدها العلاج على نفقة الدولة وبدأت فى إجراءاتها علشان أقدر ألتزم فى العلاج، والهجمات مبتعرضش ليها إلا لم بتعرض لضغط أو لما بحس بالبرد الشديد».

«التصلب المتعدد أعراضه مش ظاهرة للناس، علشان كده بينسوا أننا تعبانين»، ترى السيدة الثلاثينية أن الكثير من الأشخاص القريبين لها نتيجة لتعاملها الطبيعى وقيامها بمهامها المختلفة يشعرون وكأنها ليست مريضة وأنها على مايرام، حيث إنها ترى أن هذا الأحساس بالنسبة لها ميزة تساعدها فى التخلص من شعور التعب والألم سريعًا كى تعود إلى حياتها الطبيعية مرة أخرى وتقوم بعملها المُكلفة به على أكمل وجه.

«أنا معتبرة التصلب المتعدد كأنه سكر أو ضغط وبيتعالج ومش مأثر على حياتى»، هكذا تروى «شريهان» تأقلمها مع الـ«Ms» حيث إنه لم يأثر عليها بل أنه غير من طريقة حياتها، وجعلها أكثر إدراكًا بأن الأمور التى كانت فى مخيلتها مستحيلة حدوثها أصبحت أكثر تفهمًا فى حالة حدوثها، فضلًا عن زيادة صمودها بأن تلتزم بكافة التعليمات التى يصدرها الأطباء لها دون تقصير.

لم تلتزم بطريقة دورية الزوجة الثلاثينية حضور الجلسات النفسية والخروجات التى تنظمها الجمعية، نتيجة لانشغالها الدائم بحياتها الأسرية وعلاقتها بأطفالها فضلًا عن عملها، ولكنها بين الحين والآخر عندما تشعر أنها فى حاجة أن تشارك الجمعية وأعضائها حتى تتحسن نفسيتها وتعود مرة أخرى للحياة بكامل طاقتها وحيويتها التى أعتاد الجميع على رؤيتها بها: «لما بشوف فضفضة الناس بحس بأن الحياة لازم تكمل وبرجع بطاقة حلوة بتخلينى أكمل فى اللى بدأته».

"أحسن حاجة فى التعامل مع Ms أن كل واحد يشوف اللى يريحه ويعمله»، هذا هو المبدأ الذى تسير عليه «شريهان» كى تتحكم فى هذا المرض، حيث إنه يختلف من شخص للآخر وفقً للحالة والتى يحدد من خلالها العلاج الذى يناسبه، فضلًا أن البعض تكون حالته تستلزم التواجد على كرسى متحرك والبعض تكون حركته طبيعية لذا فليس جميع المرضى على نفس الطريقة، لذا فالطبيب المعالج هو الذى يحدد لكل حالة ما يناسبها ويساعدها فى التحسن والاستجابة للأدوية.

 

«أحمد» ينشر البهجة بين المرضى ويكرس حياته فى خدمتهم: «بحاول أساعد كل اللى حواليا على قد مقدر»

سريع الحركة والاستجابة لكل نداء يُطلب منه لقضاء حاجة من حوائج المرضى، ليصبح أحمد سعيد هو المصباح السحرى الذى يظهر فجأة، ليكون فى خدمة زملائه وزميلاته بالجمعية، كما أنه ينشر البهجة والسعادة بينهم على الرغم من الألم الذى يشعر به فى كثير من الأحيان، ولكنه يشع طاقة إيجابية تجعله ملتزم دومًا حضور أى فعالية أو جلسة ترفيهية أو رحلة تقيمها الجمعية ليكون على رأس المتواجدين من المرضى لمد يد العون لهم على قدر استطاعته.

«أنا مريض تصلب متعدد من 2012، وعرفت أنى مصاب لما كنت فى السعودية»، هكذا بدأت حكاية أحمد سعيد، 30عامًا، مع مرض الـ«ms» والذى أشار عليه الطبيب فور فحصه أن مايشعر به هو مجرد حالة نفسية تجعله يشعر بتلك الأعراض، وخاصًة أته تعرض للسقوط فى دورة المياه والتى جعلته يقلق بشأن مايحدث له من تغيرات لم تكن ظاهرة عليه من قبل، لذا كان قراره السريع الذهاب لطبيب مخ وأعصاب والذى كان رده مخيب للآمال هو أن ما يشعر به مجرد حالة نفسية طارئة.

تحرك «أحمد» فى كثير من محافظات الصعيد ليكون من ضمن حملات التوعية التى تنظمها الجمعية بين الحين والحين الآخر، كى لاتتكرر قصة التشخيص الخاطئ التى تعرض لها فى بادئ الأمر مع شخص آخر، لذا يحرص دومًا على السفر والتنقل من مكان لآخر داخل وخارج القاهرة حتى ينشر الوعى بين الآخرين ويساعدهم فى اكتشاف هذا المرض صاحب الأعراض الغامضة، قائلًا: «أنا كفاية عندى أن الناس تعرف يعنى أيه الـms، وبننزل كمان الجامعات علشان نوعى الشباب بالمرض ده وبنوضح لهم فى البداية أنه يصيب الجهاز المركزى للأعصاب».

«الأدوية كانت زمان صعب حد يلقيها، دلوقتى التأمين الصحى موفرها لينا من غير فلوس»، كلمات قالها «أحمد» ليعبر من خلالها عن الرضا بما هو عليه الآن، وماتوصل له حيث إن العلاج مُنذ اكتشافه للمرض كان غالى الثمن، لايستطيع الجميع شرائه، ولكن بعد نشر الوعى حول أهمية العلاج على نفقة الدولة والسعى فى عمل الإجراءات اللازمة للتأمين الصحى والحصول على كافة المستلزمات والأودية الخاصة بهذا المرض.

يسعد الشاب الثلاثينى بخدمة المرضى المصابين بنفس مرضه، حيث إنه يكرس أوقات طويلة من يومه فى المبادرة بمساعدة كل من يحتاج إليه، وذلك عن طريق توصيل الأدوية التى فى حاجة لها المريض إلى محل سكنه دون أن يشعر بمجهود أو تعب مضاعف، حيث إنه يجد فى تلك الحركات التى يقوم بها من أجل أصدقائه أمرًا طبيعيًا مفروضًا عليه يشعره بالسعادة فى أنه يفعل العمل الذى طالما حلم به فضلًا عن استمراره فى التواجد فى حملات التوعية التى تجوب القاهرة والجامعات ومحافظات الجمهورية من أجل تعريف المواطنين بالتصلب المتعدد: «لما بسمع الناس بتدعيلى بكون فرحان وبحس أنى بأدى واجبى».

2018، هو العام الذى كان سببًا رئيسيًا فى تغيير مفهوم «أحمد» عن الحياة، حيث خلال تلك الفترة تعرف على العديد من المرضى المصابين بهذا المرض، من خلال ذهابه الدائم لمستشفى الدمرداش لتلقى العلاج فيها بوحدة التصلب المتعدد هناك، والتى كانت بمثابة بارقة الأمل وطاقة النور التى جعلته ينضم إلى جمعية رعاية للتصلب المتعدد من أجل خدمة المرضى والتحسين من حالتهم النفسية، قائلًا: «لما دخلت للدكتور اللى بتابعنى لأول مرة، قالتلى كلمة لغاية دلوقتى مأثرة فيا وهى إنى لازم أقف على رجلى من جديد ومتعبش اللى حواليا وأرجع أحس بالمسئولية فى أى حاجة بعملها علشان كده بدأت معايا بالعلاج النفسى الأول».

حياة «هاجر» بين توتر الإلتحاق بكلية الهندسة والـ«Ms»: «مريض التصلب المتعدد لازم يكون مرتاح البال علشان كده لازم نهتم بنفسيتنا»

لم يقف التصلب المتعدد أمام تحقيق «هاجر» لحلمها فى الإلتحاق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، على الرغم من رغبة الأهل المُلحة فى الإلتحاق بكلية الهندسة لتكون مثل باقية العائلة، فترضى أهلها على حساب عدم رغبتها بالدراسة العلمية ويكون أمامها الطريق مفتوح لدخول كلية الهندسة نتيجة لمجموعها المرتفع، ولكن بعد عام واحد فقط من الدراسة قررت أن تحول للكلية الأقرب بالنسبة لها وهى الإعلام.

حققت هاجر صلاح الدين، 33عامًا، ماكانت تحلم به فى الدراسة الأدبية عن طريق كلية الإعلام، ولكن على الرغم من ذلك كانت تشعر بإخفاقات متكررة داخل الكلية والذى أدى إلى أن تظل فيها 6سنوات، نتيجة لظروف مرضها بالـ«Ms»، معبرة عن ماكانت تشعر به خلال تلك الفترة: «كنت بحس بأعراض كانت جديدة عليا، ومن أهمها أنى ماكنتش بشوف بعينى كويس وأوقات كنت بحس بازدواج فى الرؤية، وصداع متكرر ورجلى كانت بتوجعنى بطريقة دائمة».

وكانت المفاجأة بالنسبة لها عندما ذهبت إلى مستشفى عين شمس التخصصى، ليقولوا لها الفريق الطبى هناك بإصابتها بالتصلب المتعدد والذى وقع على أذنها لاتدرى خطورة أو سهولة هذا المرض التى لاتعلم عنه أى شئ، حيث تم حجزها 7 أيام بالمستشفى لتتلقى «كورتيزون»، بعد تلك الفترة التى قضتها داخل الصرح الطبى شعرت وأنها تستعيد صحتها من جديد بعد انتكاسة صحية فجأتها، تقول الفتاة الثلاثينية أثناء حديثها لـ«اليوم الجديد»: «وقتها كنت فى الكلية وفاتنى حاجات كتير، وده خلانى أفقد التركيز وبقيت بخاف من الأمتحانات بطريقة مش طبيعية».

وتتفاجأ بعد ذلك «هاجر» بعدد من التغييرات التى تطرأ على حياتها، والتى كانت تمارسها بطريقة طبيعية حيث إن بعد تقدم أكثر من شخص لخطبتها يكون هناك موافقة بين الطرفين على بعضهم البعض، بمجرد سماعه عن مرضها التى ليست لها يد فيه، يقرر التراجع عن قراره فورًا لأسباب قد يراها بالنسبة له محقًا فيها، كون أنه من الممكن يكون مرضا وراثيا ينتقل إلى أبنائه فيما بعد فضلًا عن عدم الرغبة فى تحمل مسئولية مرضها أو عدم القدرة على الوقوف بجانبها ومأزراتها كى تتحسن حالتها، ليكون بابهم السريع هو التخلى دون النظر لأى شىء آخر، قائلة:«الرد اللى بسمعه متأسف ومع السلامة، على الرغم أنى المرض مش مأثر عليا وبقوم بكل مهامى الطبيعية».

"لازم مريض التصلب المتعدد يكون مرتاح البال وسعيد، علشان كده لازم نهتم بنفسيتنا»، تؤمن الفتاة الثلاثينية بضرورة الاهتمام بالصحة النفسية للمريض لأنها عامل مؤثر فى تحسن حالته، واستجابته للأدوية التى يتلقاها، لذا فوجدت فى الجمعية المتنفس لها للخروج من أى حالة اكتئاب قد تصيبها، من خلال اللقاءات التى تنظمها أو المؤتمرات أو المشاركة فى الحفلات وعروض التمثيل، أو التنزه عن طريق تنظيم الرحلات المختلفة وخصوصًا فى الأعياد والمناسبات.

«بيتر» مسئول الدعم النفسى فى «رعاية»: «بتدخل مع الأهل لحل أى خلاف بينهم وبين المريض علشان أفهمهم المرض وأبعاده»

يهتم «بيتر» ويتدخل فى أى مشكلة قد يتعرض لها أى مصاب داخل فريق الجمعية من المصابين، وخصوصًا المشكلات النفسية التى تنتج من المرض ومايتعرضون له خلال فترات ومراحل التصلب المتعدد والتى قد تؤثر بشكل ملحوظ على المصاب به فى كثير من الأحيان.

«لما اكتشفت المرض كنت دايمًا بسأل نفسى ليه جالى المرض ده»، تساؤلات كانت تصدر من بيتر نبيل، 36عامًا، لنفسه بعد علمه بإصابته بمرض التصلب المتعدد من عام 2007، ولكن بعد ذلك ظهرت له الإيجابيات التى كان يتغافلها نتيجة لصدمته الأولى بعد معرفته بالـ«Ms»، ولكنه بعد ذلك وجد لنفسه مساحة مميزة أثناء تواجده بين المرضى القريبين من حالته وأصبح صديقًا لكثير منهم يشير لهم دومًا بالنصائح والدعم لاجتياز أى أمر صعب يتعرضون إليه.

يتميز «بيتر» كونه يقوم بدعم أصدقائه المرضى عن طريق الحديث معهم فقط وليس أمام الجميع كما يحدث فى الجلسات النفسية، لحل كل مايتعلق به دون عرضها امام الجميع وذلك حفاظًا على سرية مايقوله له بالإضافة إلى أنه يرى أن تلك الخصوصية تساعد فى حل أى أزمة نفسية أو اجتماعية خاصة بالمريض، قائلًا: «بحب أن يكون الشخص براحته معايا، وممكن فى كثير من الأحيان أتدخل مع الأهل أو العيلة أو الزوج أو الزوجة لحل أى خلاف علشان أفهمهم المرض وأبعاده أيه».

تعرف الشاب الثلاثينى على المرض عندما تعرضت عينه إلى عدم القدرة على الحركة، والذى أدى إلى ذهابه فورًا إلى طبيب عيون والذى أشار عليه بعلاج لعينه ولكنه لم يأتى بجدوى، ثم الذهاب إلى مستشفى متخصصة فى العيون حينها أكدوا ضرورة الذهاب لطبيب مخ وأعصاب، لافتًا:«التشخيص كان سريعًا بالنسبة لحالتى واكتشفته بدرى على الرغم أن المرض وقتها ماكنش معروف».

من أكثر المواقف التى تقع عليه بأثر طيب وسعادة غامرة، هو عندما يتدخل لحل خلاف لشخص مريض بينه وبين أسرته أو زوجته ويقوم بحلها، ويساعده أن يعود مرة أخرى لحياته الطبيعية التى كان فى حاجة لها لتحسين من حالته النفسية، مُتابعًا: «بحس التعب اللى تعبته علشان أساعد الشخص ده أنه يرجع لحياته الطبيعية من جديد جاب نتيجة، وده شىء بيسعدنى أكثر من الشخص نفسه».

يشعر «بيتر» بتغيير إيجابى فى حياته بعد انضمامه فى قسم الدعم النفسى وتحوله ليكون مسئولًا عنه داخل الجمعية، حيث أصبح مسئول عن أشخاص وحل مشكلاتهم وأزماتهم، مُضيفًا: «لما الواحد بيشوف مشاكل الناس ده بيعطينى خبرة ويبنى شخصيتى وبيكون كمان ليا دور قوى فى المجتمع اللى أنا عايش فيه».

«مريم» تتطوع فى جمعية رعاية بعد إصابة والدتها: «بعد تطوعى بقيت أقدر أتعامل مع نماذج مختلفة من الناس».

«أول ماعرفت الجمعية كان من خلال حضورى مؤتمر للتوعية بالمرض مع والدتى علشان هى مريضة به» هكذا بدأت مريم ماجد، 20عامًا، حديثها لـ«اليوم الجديد» لتبين بداية معرفتها بالجمعية وسرعة انضمامها فور علمها بإمكانية التطوع من أجل خدمة المرضى المصابين بكافة الطرق التى يمكنها أن تساعدهم من خلالها، وذلك بتشجيع من والدتها المُصابة بالمرض نفسه.

5 سنوات، هى الفترة التى قضتها «مريم» فى التطوع بجمعية الرعاية لمرضى التصلب المتعدد، تساعد بشتى الطرق المرضى من خلال تنظيم الفعاليات والمؤتمرات التى تُعقد من أجل التوعية والتعريف بالـ«Ms»، فضلًا عن تنظيم بعض الرحلات الترفيهية فى المناسبات المختلفة من أجل الترفيه وتحسين نفسية المرضى المصابين، بالإضافة إلى المساعدات التى تقدمها للمرضى من خلال الحديث معهم أو مساندتهم لاجتياز أى فترة صعبة يمرون بها، قائلة: «بشارك فى كل الأنشطة والفعاليات اللى بتنظمها الجمعية، وكمان بساعد فى توزيع العلاج على المرضى».

لاتستطيع الفتاة العشرينية أن تؤجل حضورها أى فعالية أو رحلة تقوم يتجهيزها الجمعية، وذلك لارتباطها الشديد بكل المتواجدين بها ومحبتها التى تظهر من خلال المساعدات التى تقدمها لهم، حتى فى فترات الامتحانات تكون متواجدة معهم لقضاء الوقت لرغبتها فى عدم ضياع أى فرصة يمكنها التواجد فيها مع المرضى: «كان عندى امتحان تانى يوم فى الثانوية السنة اللى فاتت روحت فطار رمضان معاهم علشان اليوم معاهم ميتفوتش».

تعلمت «مريم» بعد فترة تطوعها الكثير من الخصال الطيبة، والتى جعلتها أكثر امتصاصًا للغضب، فضلًا عن اعتمادها على ذاتها فى كثير من الأحيان، ومساعدة أى شخص حتى وأن كان يتعامل معها بعصبية فهى قادرة على أن تكون أكثر صبرًا معه: «كنت زمان انطوائية دلوقتى الوضع اختلف بقيت أقدر أتعامل مع نماذج مختلفة من الناس».

الرأى الطبي

قالت دكتور نرمين عادل كشك، أستاذ أمراض المخ والأعصاب بطب القصر العينى، إن مرض التصلب المتعدد هو عبارة عن مرض مناعى نتيجة لعدم انضباط الجهاز المناعى لدى الشخص، تظهر تلك المشكلة دون سبب واضح، مشيرة إلى أن من أسباب مرض التصلب المتعدد هو استعداد بعض الأشخاص للإصابة به حيث قد يكون هناك استعداد وراثى، أو حدوث قابلية واستعداد جسم للإصابة بهذا المرض نتيجة لاستعداد الجهاز المناعى لهذا الاضطراب، ومن هنا فإن الجهاز المناعى يهاجم الجهاز العصبى فى صورة نوبات.

وأضافت أستاذ أمراض المخ والأعصاب بطب القصر العينى، خلال تصريحاتها لـ«اليوم الجديد» أن الأعراض التى تظهر على هذا الشخص قد تكون غير واضحة لذا فأن التشخيص يظهر فى كثير من الأحيان متأخرًا لتحديد إصابة الشخص بهذا المرض أم لا، مُتابعة أن المريض قد يظهر عليه بعض الأعراض فى العين أو عصب العين فيذهب إلى طبيب الرمد والعيون، وفى حالة عدم الاتزان فى الحركة يذهب لأنف وأذن نتيجة لشكواها من عضو واحد، لذا فمن الضرورى على أى مريض فى حالة إصدار أى عارض عليه له علاقة بالجهاز العصبى خصوصًا فى سن 40:18عامًا حيث إن فى تلك الأعمار يظهر هذا المرض على الشخص، لذا يوجب الذهاب لطبيب مخ وأعصاب بناءًا على أعراض المريض والفحص والذى يتبين من خلال الرنين المغناطيسى على المخ والنخاع الشوكى وتحاليل أخرى لاكتشاف الإصابة بأى أمراض مناعية أخرى.

وتابعت «عادل» بعد تلك الإجراءات الطبية يمكن أن يتم وضعها جميعها لاكتشاف هل هذا المريض مصاب به أم مصاب بمرض مناعى آخر، مضيفة أن العلاج الخاص بمرض التصلب المتعدد ينقسم إلى 4أقسام، وهم:علاج الهجمة وذلك من خلال إعطاء دواء فى الجهاز العصبى فورًا والذى يحدد بأن يكون «كورتيزون» وهو عبارة عن محاليل يتم تلقيها ما بين 3 أيام إلى 7 أيام وتختلف على حسب الهجمة، القسم الثانى من العلاج وهو الدائم وهو الذى يمنع حدوث الهجمات الأخرى، كما أن العلاج الدائم بيكون فيه المتطور منه وهو الذى يعمل على ضبط الجهاز المناعى والذى يساعد فى استقرار حالة المريض فترات طويلة، القسم الثالث وهو الأعراض وهو فى حالة وجود ضعف أو تنميل أو عدم تركيز فيخصص له أدوية تساعد على قيام تلك العمليات بصورتها الطبيعية وذلك وفقًا للعرض، القسم الرابع وهو التأهيل والذى يعمل على إعادة التأهيل وذلك بعد أن يتعرض المريض لهجمة شديدة تؤدى إلى التأثير الملحوظ على القدم والأيدى لذا فهو يحتاج لإعادة التأهيل من خلال العلاج الطبيعى.

وأوضحت، كل ما كان اكتشاف المرض مُبكرًا كلما ساعد فى اختيار الدواء بطريقة منضبطة وسليمة، حيث إن كل حالة تختلف عن الحالة الأخرى وكل مريض يحتاج طريقة علاج تختلف تمامًا عن غيرها، مشددة أنها دومًا تطالب المرضى بعدم السماح فى تناول أو سماع مريض آخر يتلقى علاج مختلف عنه، والقرار الأول والأخير يكون للطبيب المعالج للحالة.

وأكدت، أن بعض الأدوية الخاصة بمرض التصلب المتعدد تمنع حدوث الزواج قريبًا أثناء تلقيها، كونها قد تؤدى لحدوث تشوه فى الجنين، مُوضحة فى حالة زواج فتاة مصابة بهذا المرض يمكن تأجيل تلقى العلاج الدائم لإتمام الزواج أوى تأجيل الزواج حتى تنهى فترة علاجها، حيث إن مايشير إليه بانتقال هذا المرض بالوراثة من الأم أو الأب إلى الابن معلومة غير صحيحة، ولكن قد يكون هناك نسبة لانتقال هذا المرض فى حالة إصابة الأم والأب بالتصلب المتعدد وليس نسبة مؤكدة أيضًا.

 

 

اليوم الجديد