«برج الحداد».. حارس قلعة صلاح الدين الأيوبي وشاهد على تاريخها

قلعة صلاح الدين الأيوبي

6/10/2019 8:52:57 PM
563
تقارير وتحقيقات

 

كتبت: نسمة يوسف وياسمين محمد على

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد

تراها من بعيد، فتشعر وكأنها ملكة تجلس على عرش يعلو رؤوس البشر، قلعة ضخمة يلتف حولها سورا شاهقا يحرسها بعيدا عن أى ضرر قد يقع عليها. حكايات وأحداث عديدة دارت حول وداخل قلعة صلاح الدين الأيوبى أو «قلعة الجبل»، وخرجت منها العديد من القرارات الهامة التى غيرت مصائر ومسارات أحداث الشرق والغرب، ومن أمامها شهدت الكثير من الانتصارات والانكسارات التى حفرت بصماتها فى كل جزء فيها، وجعلتها تنبض بالتاريخ وتكون شاهدة على عصور عدة مرت عليها، وظلت حتى الآن شامخة تحتفظ بمكانتها المرموقة على أرض قاهرة المعز.

ومن خارج أسوار قلعة صلاح الدين الأيوبى، رصدت «اليوم الجديد» برج الحداد، الذى يعد من أضخم أبراج القلعة ويمتاز بوجود «سقاطات» ذات شكل بازر موجود فى الجزء العلوى من البرج، وكانت تستخدم فى إلقاء الزيت المغلى على المهاجمين الأعداء، ويجاوره برج يُمثل أهمية كبيرة أيضا وهو «برج الرملة»، ويقعان على طريق صلاح سالم أو طريق الأتوستراد باتجاه السيدة عائشة.

بناء عظيم ومتفرد

ومن أمام القلعة، يقف ياسر صبحى،  طالب جامعى،  تدور عينيه فى اتجاهات متفرقة بداية من أعلى نقطة فى القلعة وحتى المنطقة المحيطة بها، ينظر وكأنه يبحث عن شئ مفقود يخصه، ويقول: «أحب التاريخ كثيرا، وأعشق البحث عن الصور القديمة للأماكن الأثرية والتاريخية الموجودة فى القاهرة؛ لمقارنة وضعها فى السابق عما هى عليه الآن».

ويضيف «صبحى»: «الصور القديمة للقلعة من أجمل الصور التى توثق ما كانت عليه المنطقة المحيطة بها، وتظهر عظمة البناء وتفرده»، متابعا: «وجود القلعة حتى الآن على تلك الحالة الجيدة يعتبر أكبر إعجاز يمكن أن تقابله طوال حياتك، فهو يعبر عن عبقرية الإنسان وقوته فى بناء شئ مثل تلك».

أماكن تحت الترميم وأخرى ممنوع دخولها

وهناك، يمسك معتز جعفر، موظف، بيد نجله الصغير «نادر»، الذى يبلغ من العمر 6 سنوات، يشاور بيده لبعيد ويحاول الصغير إطلاق العنان لعينيه لكى تلحق بنهاية مشهد القلعة العملاق الماثل أمامه، ويقول الوالد: «هناك أماكن بالقلعة تحت الترميم، وأماكن أخرى كثيرة داخل القلعة ممنوع الدخول فيها لأسباب غير معلومة؛ يمكن لأنها مهمة وبها أسرار معينة من الأفضل أن تبقى كما هى دون الكشف عنها».

ويتابع «جعفر»: «أحب اصطحاب أسرتى للقلعة؛ للتعرف على تاريخ وحضارة مصر، وكيف كان حكامها على مر العصور يحاولون حمايتها وتزيينها بالعديد من المبانى التى ظلت بنفس عظمتها حتى الآن»، مستطردا حديثه قائلا: «عندما أحضر إلى هنا (القلعة) أتعمد أن أمسك بيد ابنى وأسير معه بالداخل لأتاكد من رؤيته لكل شئ، وأشرح له بعض من تاريخ القلعة؛ حتى أصبح الصغير يعشق زيارة الأماكن الأثرية القديمة»، منوها بأن «القلعة مكان جميل ومميز، ويحتاج أكثر من يوم للاستمتاع به».

يوم لا يُنسى من أعلى برج الحداد

أما نادر إبراهيم، صيدلى، ومن عشاق زيارة الأماكن الأثرية القديمة عامة وقلعة صلاح الدين الأيوبى خاصة، فقد زارها آخر مرة فى فبراير 2018، وصعد أعلى برج الحداد، ليبدأ فى رواية تجربته قائلا: «كان يوما لا يُنسى»، متابعا: «يوجد البرج فى أقصى شمال شرق القلعة، ويعتبر من أطول أبراجها».

وأضاف «إبراهيم»: «عندما وطأت قدمى أول درجة من سلالم البرج؛ شعرت وكأن قلبى يطير فرحا، وعندما صعدت لفوق تجمد قلبى من جمال المنظر»، مستطردا حديثه: «رأيت القاهرة من فوق فى منظر لن أنساه طوال حياتى،  أما عندما كنت أحاول النظر بجانبى كنت أرى نهاية الأشجار والنخيل الشاهقة بجواري؛ حيث كانت تحيط بسور البرج»، مشيرا إلى أن «لو حد عنده فوبيا من المرتفعات وشاف شكل النخل العالى حواليه كده؛ قلبه ممكن يقف فيها».

وتابع «إبراهيم» أنه صعد أيضا إلى أعلى برج الرملة، موضحا أنه «موجود أقصى شمال شرق القلعة، والمنظر من أعلى رهيب»، مشيرا إلى أنه صعد أيضا إلى أعلى باب العزب، لافتا إلى أنه «تظهر هناك تحف خالدة».

وأشار «إبراهيم» إلى أن قلعة الجبل كانت مقرا للحكم أعواما طويلة، إلى أن هجرها الخديو إسماعيل، ناقلا مقر الحكم لقصر عابدين، مستطردا حديثه: «هنا، وفى 1 مارس 1811 م، حدثت مذبحة المماليك، عندما خرج طوسون بن محمد على باشا لمحاربة الحركة الوهابية (المناوئة للعثمانيين) فى الحجاز ونجد؛ أغلق الباب فى وجه المماليك، وأجهز عليهم دفعة واحدة؛ ليتمكن إثر ذلك من إحكام قبضته على البلاد».

برج جميل وذائع الصيت

شيماء ماهر، مرشدة سياحية، قالت إن معظم زائرى قلعة صلاح الدين الأيوبى أهم شئ لديهم يكون زيارة جامع محمد على باعتباره أكثر الأماكن داخل القلعة التى تأخذ الشهرة الأكبر.

وأوضحت «ماهر» أن أغلب الأشخاص خاصة غير المتخصصين فى التاريخ تنسى باقى الأماكن الموجودة بالداخل وخاصة أبراج القلعة، مشيرة إلى أن برج الحداد هو أكثر الأبراج ذائعة الصيت من بينهم؛ نظرا لأنه أطولهم، واصفة إياه بأنه «جميل ومريح».

ونوهت «ماهر» بأن المتحف الحربى الموجود فى القلعة كان فى البداية قصر حريم محمد على،  ثم تحوّل إلى متحف.

غموض خاص يحيط بها

محمد فريد، الباحث فى التاريخ الإسلامى،  شرح، فى حديثه لـ«اليوم الجديد»، أنه فى عصر صلاح الدين، كان يطلق على الباب الرئيسى للقلعة اسم «باب المدرج» من عمارة بهاء الدين قراقوش، ومدون عليه النص التأسيسى للقلعة وتاريخ سنة 579 هجرية و1183 ميلادية، موضحا أنه عندما جاء محمد على باشا، اكتشف أن «الباب المدرج» لا يسمح بدخول وخروج المعدات والأسلحة الضخمة والمدافع، فأنشأ بجواره بابا أطلق عليه «الباب الجديد»، وكان هو باب الزوار منذ بداية الثمانينات حتى بدايات التسعينات، وكان يتم قطع التذاكر منه فى تلك الفترة، وقد تجددت المناقشات من الجهات المسئولة تلك الفترة حول فتح الباب الجديد مرة أخرى للزوار.

وتابع «فريد» أن «الباب الجديد» يطلُّ على «الحطابة»، التى يصفها البعض بأنها آخر حدود العالم؛ وذلك لموقعها فى آخر حدود الدرب الأحمر وعندها تنتهى الدنيا بقلعة صلاح الدين أو مدافن باب الوزير، التى تتميز بغموض خاص، فتقع فى المنطقة أسفل القلعة مباشرة من الناحية الشمالية، حيث تشغل بقية التبة العالية التى أقيمت عليها القلعة، ويحدها من ناحية الجنوب سور القلعة، ومن ناحية الشمال قرافة باب الوزير، وسُميت بالحطابة نسبة إلى تركز تجار الحطب فى العصر العثمانى فى تلك المنطقة، وتمثل أحد أهم مركزين لتجارة الحطب اللازم للوقود فى القاهرة.

 وأشار الباحث إلى أن الباب الذى يدخل منه الزوار حاليا يقع على طريق صلاح سالم ويطلق عليه «باب الصحراء» أو «باب الجبل» أو «باب المقطم»، وكذلك يوجد باب آخر يطلق عليه «باب العزب» فى العصر العثمانى،  و«باب الإسطبل» أو «باب السلسلة» فى العصر المملوكى،  وكان محمد على نفذ مذبحة المماليك داخل الممر الخاص بذلك الباب، وتلك الأبواب الأربعة السابقة هى الأبواب الرئيسية التى تفتح على خارج القلعة مباشرة، وهناك أبواب أخرى للأسوار الداخلية للقلعة، أبرزها «باب القلة» أو «الباب الوسطاني».

واستطرد حديثه قائلا إنه يطلق على الجزء الشمالى من القلعة «قلعة الجبل»، أما الجزء الجنوبى الذى يجاور جامع محمد على باشا هو «المدينة السلطانية»، وجاء الاسم لأنه موقع سكن السلطان منذ عصر السلطان الكامل، وكان يفصل بين الجزئين الشمالى والجنوبى الأبواب الداخلية، وهم «الباب الوسطاني» أو «باب القلة»، الذى جددهم محمد على باشا، وهناك باب يمثل أهمية كبيرة فى الأسوار الخارجية للقلعة رغم صغر حجمه المبالغ فيه، يطلق عليه «باب سر»، الذى قال عنه عالم الآثار الإسلامية كريز ويل، إنه كان مخصصا لدخول وخروج بعض المدافعين عن القلعة، لكى يحمى القلعة من المهاجمين من ناحية جبل المقطم، وأطلق عليه هذا الاسم لأنه غير واضح للموجودين ولم يكن بهذا الشكل فى وقتها.

باب الحداد مبنى من أحجار خشنة ويتكون من 3 طوابق

ومن جانبه، قال محمد مجدى،  طالب بكلية الآثار، إن هناك 3 قلاع تحمل اسم صلاح الدين الأيوبى،  اثنتين منها فى الشام، والثالثة فى مصر.

وأضاف «مجدى»، لـ«اليوم الجديد»، أن القلعتين الموجودتين فى الشام الأولى تقع فى سوريا، والثانية فى الأردن، ولكن واحدة فقط هى التى بناها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبى، وهى الثالثة الموجودة فى مصر.

وأشار «مجدى» إلى أن القلاع الثلاث تتميز بالجمال، سواء جمال البناء أم جمال الموقع.

ولفت إلى أن قلعة صلاح الدين الأيوبى فى مصر تمتلك أبوابا متعددة، منها: (باب المقطم، والباب الجديد، وباب القلعة، والباب الوسطاني)، كما لها عدد من الأبراج، منها: (برج الطرفة - برج المبلط - برج الصحراء - برج الحداد - برج الأمام - برج المطار - برج كركيلان - برج المقوصر - برج الرملة - برج العلوة - برج الصفة - برج المقطم - برج المربع - برج الصحراء)، منوها بأنه يمكن رؤية برج الحداد بالقرب من مسجد سارية الجبل فى الجزء الشمالى، كما أنه يتكون من 3 طوابق، ومبنى من أحجار خشنة.

وأوضح «فريد» أن القلعة سُميت بِاسم «قلعة الجبل»؛ نظرا لأنها تقع على جبل المقطم، الذى يعتبر حافة الوادى الشرقية للقاهرة، موضحا أنها من أعظم قلاع القاهرة، منوها بأن صلاح الدين بدأ فى بناء هذه القلعة، واكتملت فى عهد السلطان الكامل بن العادل، الذى كان أول ساكنى هذه القلعة.

وتابع «فريد» أن القلعة تحتوى على جامع محمد على،  ومتحف الشرطة، والمتحف الحربى،  ومتحف المضبوطات الأثرية، وبرج الطابية، والسجن الحربى،  وجامع محمد بن قلاوون.

نبذة تاريخية

‏يرجع تاريخ بناء القلعة إلى عام 527ه‍ - 1176م، واستغرق بناؤها حوالى 6 سنوات لينتهى فى عام 578ه‍ - 1183م؛ حيث أمر السلطان صلاح الدين الأيوبى ببناء هذه القلعة، وعلى الرغم من أنه توفى قبل أن يكملها، إلا أن القلعة مازالت تحمل اسمه حتى اليوم، وبعد وفاة صلاح الدين الأيوبى،  أكمل بناء القلعة السلطان الكامل بن العادل، والتى جعل منها دارا للملك، واستمرت القلعة مركزا للحكم حتى عهد محمد على.

‏وقد احتاج بناء القلعة لإزالة الكثير من الأبنية، مثل المساجد وبعض القبور التى كانت فوق الصوة، كما تم نحت الصخر لعمل خندق صناعى يفصل جبل المقطم عن الصوة؛ لتدعيم حماية القلعة.

لم يكن فى الديار المصرية مثلها

وعن القلعة، يقول العماد الأصفهانى،  كاتب صلاح الدين الأيوبي: «كان السلطان لما مَلَك مصر، رأى أن مصر والقاهرة لكل واحدة منهما سورا لا يحميها، فقال: (إن أفردتُ لكل واحدة سورًا؛ احتاجت إلى جند كثير يحميها، وإنى أرى أن أدير عليها سورًا واحدًا من الشاطئ)، وأمر ببناء قلعة فى الوسط عند مسجد سعد الله على جبل المقطم».

‏والمقصود بمصر هنا مدينة مصر التى تتكون من الفسطاط والعسكر والقطائع، والمقصود بالقاهرة مدينة القاهرة المعزية التى بناها الخليفة العبيدى الفاطمى المعز لدين الله بعد أن دخل مصر بعد عام 358هـ / 969م.

‏ويصفها ابن كثير فى كتابه «البداية والنهاية» بأنها «لم يكن فى الديار المصرية مثلها ولا على شكلها».

وعلى الجانب الغربى للقلعة تجد «باب المدرج» الذى كُتب فوقه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بإنشاء هذه القلعة الباهرة المجاورة لمحروسة القاهرة، التى جمعت نفعًا وتحسينًا وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه وتحصينا، مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، أبو المظفر يوسف بن أيوب ‏محيى دولة أمير المؤمنين فى نظر أخيه وولى عهده، الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد خليل أمير المؤمنين، على يد أمير مملكته، ومعين دولته، قراقوش بن عبدالله الملكى الناصرى فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة».

اليوم الجديد