معركة بين إسلام البحيري ومشايخ الأزهر على «ضرب المرأة»

أرشيفية

6/4/2019 10:08:47 PM
1491
تقارير وتحقيقات

لا تزال قضية ضرب المرأة الناشز التي أثارها شيخ الأزهر، خلال حديثه الرمضاني اليومي على التليفزيون المصري، محل جدل وخلاف، في ظل اختلاف التفسيرات والمفاهيم التي أحاطت بلفظة "نشوز" في قول الله تعالى "وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ".

حيث بادر عدد من الباحثين في التراث الإسلامي، بالهجوم على الإمام الأكبر، بعد تصريحاته التي أكد فيها أن ضرب المرأة الناشز مباح في الإسلام، إذا كان ذلك ضمانًا لأمن وسلام واستقرار الأسرة.

وتناول قضية ضرب المرأة بالنقد والتفنيد، عددًا كبيرًا من الباحثين والكتاب، على رأسهم خالد منتصر، سحر الجعارة، فاطمة ناعوت، وغيرهم، إلا أن الحظ الأكبر من الهجوم كان من نصيب الباحث في التراث الإسلامي إسلام البحيري، الذي نقض آراء شيخ الأزهر بالكلية حول هذه القضية الشائكة في دراسة مطولة أعدها تحت عنوان "الإسلام لا يعرف ضرب الزوجات"، ودار بينه وبين علماء الأزهر سجالات من الأخذ والرد.

وقال إسلام البحيري في دراسته، إنه ليس في الإسلام شيء اسمه ضرب الزوجة للتأديب، وأن المفسرين الأوائل فسروا النشوز بلا نظر فى وحدة الموضع ولا السياق ولا حتى حديث يصح عن النبى، بل إنهم قد أغفلوا عن عمد الحديث الصحيح الوحيد الذى فسر وأكد فيه النبى أن النشوز هو نقيض العفة وليس كما قال مفسرو القبيلة بأنها عصيان للزوج.

وأردف "البحيري": إنه لمن المؤسف حقًا أننا نجد المخلوقات الوهابية تردد باستمرار على شاشاتها مفهوم ضرب الزوجات للتأديب، بل تجدهم يؤكدون أن السوط-الكرباج- هو العلاج الناجع لصلاح الأسرة المسلمة، والمؤسف أكثر أن البسطاء يصدقونهم بل يعتبرونهم شيوخ الهدى ومصابيح الدجى، رغم أن أقوالهم ما هى إلا طلع فاسد من رؤوس الشياطين.

وأكد "البحيري" أن الإشكالية في فهم آية "فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ"، لا تختص بلفظ «الضرب»، ولا علاقة له بأى وجه بعصيان أمر الزوج

ورأى أن النشوز المذكور في الآية المراد به هو نقيض صفة العفة المذكورة عن الزوجة الصالحة، وأن نشوز الزوجة عن منظومة العفة بمعنى تعلق المرأة بغير زوجها بما يخالف مفهوم حفظ النفس بالغيب وبما يعد من مقدمات الفاحشة دون الوقوع فيها.

وأكد "البحيري"، أنه لا يوجد حديث عن الرسول يقول فيه بضرب الزوجة العاصية لزوجها، وكل الأحاديث التي تقول في ذلك موضوعة ومكذوبة، بينما يوجد العديد من الأحاديث المرفوعة والصحيحة للنبي والتي ينهي فيها عن ضرب الزوجات، منها: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئَاً قَطُّ بِيَدِهِ وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمَاً»، مضيفًا: "وهذا ما يؤكد أن السنة الفعلية للنبى لم تكن تعرف معنى ضرب الزوجة قط.

واعتبر أن معنى النشوز الحقيقي وضح في خطبة الوداع في قوله (ص): «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدَاً تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرِّحٍ»، معتبرًا أن هذا هو الحديث الصحيح الوحيد الذي جاء فيه لفظ صحيح يفسر معنى النشوز على وجهه المراد.

وتابع: لذا فإن قول النبي: «أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدَاً تَكْرَهُونَهُ»، هو النشوز المراد من الآية، والمقصود بوطء الفرش هو مقدمات لعدم حفظ الزوجة لنفسها بالغيب مما دون الإثم الذي يعد خيانة كبرى، وذلك ما يدحض تفسير التراثيين بأن نشوز الزوجة هو العصيان –على حد قوله.

وردّ الدكتور محمد جمعة عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر على ما قاله إسلام البحيري في قضية ضرب المرأة الناشز، قائلًا: "النشوز الذي ذكر في القران في قوله تعالى " واللاتي تخافون نشوزهن" ليس قاصرا على مقدمات الفاحشة، مؤكدًا أن الغرض الوحيد من كلام إسلام البحيري هو الطعن في المفسرين والفقهاء والمحدثين وإثبات أن المسلمين المعاصرين والعلماء المتخصصين قد بنوا إسلامهم شريعة وعقيدة وأخلاقا فهمًا وعملًا على ذلك الفهم التراثي السقيم للدين، الذي ورثوه عن المفسرين والفقهاء والمحدثين.

وأوضح عضو هيئة التدريس، أن إسلام البحيري قصر النشوز على بعض معانيه ولم يأت بما يدل على أنه خاص بمقدمات الفاحشة فالذي ورد في الحديث الشريف الوارد في حجة الوداع هو بيان لبعض صور النشوز وليس في النص مطلقا ما يفيد قصر النشوز على هذا الفعل فقط.

واستطرد قائلا: ثم لم يخبرنا الباحث الهمام ماذا يكون الحل في مخالفة أمر الزوج أو الاستعلاء عليه في القول وغيرها مما فسر به المفسرون معنى النشوز ما دام لم يدخل في مفهوم الحل القرآني الوارد ؟! .

من جانبه فسّر محمد الجبة عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر أن المقصود بالمرأة المستحقة للضرب هذه الفئة القليلة التي شذَّت بالعناد والمكابرة، وأرادت أن تفصم عرى بيت الزوجي، مضيفًا: بالطبع الضرب ليس معناه الإيلام والأذى الجسدي والإهانة؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن الإقدام على ذلك، ولأنه يضعف الروابط الأسرية ويسرع بها إلى التفكُّك والانهيار.

ورأى أن الضرب في الآية الشريفة له معنيان: الأول: الضرب الخفيف بالسواك أو ما والمعنى الثاني للضرب: المفارقة لا في المضجع فقط، بل مفارقة بيت الزوجية بالكلية.

وقالت الدكتورة سعدية يونس الباحثة بالأزهر، أن المراد أو المغزى المقصود من الضرب المذكور في الآية هو الزجر والردع فقط عن عصيان الزوج وليس المراد على حقيقته فهو مجرد تخويف فقط والحفاظ على قوامة الرجل، وتحقيقا لمعاني تأنيب الضمير ومراجعة الزوجة نفسها وإدراكا لخطئها.

وشددت أن الضرب في هذه القضية ليس على معناه الحقيقي بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بالسواك ومعلوم أن الضرب بالسواك لا ينتج عنه ألم جسدي أو تشوهات بدنية، مؤكدة أن الزجر في هذه الحالات تكون له معاني إيجابية منها الحفاظ على كيان الأسرة من الانهيار وتحصين روابط البيت من الانزلاق نحو الهدم والخراب إذا ما تركت الزوجة على عصيانها.

ولفتت "يونس" إلى أن النساء جبلن على الكيد والعناد وفي الألم النفسي الناتج عن الضرب غير المبرح يقلل من حدة هذه الطباع المشينة ولذلك فإن الضرب المراد هنا فيه تقويم للزوجة الناشز وتهذيب لسلوكها المعوج.

 

اليوم الجديد