مسجد «سيدي مدين الأشموني».. إرث مهمل في باب الشعرية

جانب من المسجد

5/25/2019 6:22:48 PM
224
تقارير وتحقيقات

 

كتب: ياسمين محمد على ونسمة يوسف

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد

حارة ضيقة، تشعر لوهلة وكأنها ممر يقودك إلى دهليز أو متاهة لا تعلم إلى أين ستنتهى بك، تسير بها حيث يجذبك شيء خفي يدفعك إلى السير بدون توقف، إلى أن تجد نفسك فجأة تنظر إلى أسفل؛ لتجد عددًا محدودًا من السلالم التى تقودك إلى باب خشبى «مُتهالك» ويحوى الكثير من الشقوق، مغلق بقفل جديدي.

وعند النظر إلى أعلى الباب، تجد لافتة خضراء محفورة فى جدار المبنى مكتوب عليها: «بسم الله الرحمن الرحيم.. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. مسجد العارف بالله سيدى مدين أحمد الأشموني، رضى الله عنه».

نعم، إنه مسجد بتصميم وطراز يخطف نظر كل من ينظر إليه، فهو لا ينتمى إلى العصر الحديث، ولكنه من عبق الماضى السحيق، فهو مسجد «سيدى مدين الأشموني»، الذى يقع فى مكان منخفض عن سطح الأرض فى نهاية حارة سيدى مدين المتفرعة من حى باب البحر (الخراطين سابقا)، ومن حى الطنبلى المتفرع من شارع باب الشعرية بالقاهرة، وهو مسجد ينتمى إلى عصر المماليك الشراكسة، تم إنشائه على الطراز الإسلامي، ومسجل كأثر رقم «82».

وعند النظر بين الشقوق الموجودة بالباب الخشبي، تقع عينك على «صدمة»، فالمنظر من داخل المسجد «لن تُحبه كثيرًا»، حيث لن تستطيع رؤية أرضية المسجد فالمياه تغمره فى مشهد تشعر داخله، وكأنك أمام بحيرة صناعية، ولكن نوعية المياه التى توجد فى تلك البحيرة تختلف عن غيرها، حيث تتميز بلونها الأخضر الداكن الذى قد يميل إلى الأسود فى بعض الأحيان من شدة التلوث؛ فهى مياه للصرف الصحي، تسبح بها القمامة بمختلف أنواعها، فى مشهد «حزين» رصدته «اليوم الجديد» فى جولة لها بالمنطقة.

وعلى الجانب الآخر، تجد بداخله أعمدة أسطوانية شامخة (تغطى المياه ثلثها الآن)، يعلوها تصميم «القباب الإسلامية»، ونوافذ مرتفعة مزخرفة وملونة تنعكس عليها أشعة الشمس بمظهر جمالى لائق، ونوافذ أخرى منخفضة مُشكلة بالأرابيسك بشكل مُتقن، وحوائط متينة تم بنائها بالطوب الحجرى الطبيعى القديم، يتميز بدرجات البيج الفاتح والغامق، ودرجات الطوب الأحمر الجبلى الطبيعي، كذلك يوجد به فوانيس للإضاءة من الطراز الأثرى القديم، ونجفة كبيرة تتدلى من أعلى السقف فى منتصف المسجد.

«حاجة من ريحة الماضى البعيد»

ومن أمام المسجد، يمر شاب ينظر إليه وكأنه يعرفه، فهو سالم نبيل، طالب فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، يقطن فى شبرا بالقاهرة، ولكنه من «مُدمني» التجول فى القاهرة القديمة واكتشاف آثارها، والذى اعتاد المرور من أمام المسجد كثيرا خلال جولاته العديدة بالمنطقة، والذى أكد أن مسجد «سيدى مدين الأشموني» أثري، موضحا أن تصميمه مميز بشكل يجذب أنظار المارين بجواره، متابعا: «فيه حاجة كده غريبة وجميلة من ريحة الماضى اللى بتلاقيها غصب عنك بتشدك وتحسسك للحظة إنك فى عالم تاني».

ولفت «نبيل»، لـ«اليوم الجديد» إلى أن المسجد أصابه ضرر بالغ و«فى حالة يرثى لها»، منوها بأنه يحتاج ترميمًا واعتناءً من قبل وزارتى الأوقاف والآثار، المسؤولتان أولا وأخيرا عن المحافظة على الآثار الإسلامية وغيرها، مُعلقا: «لكن لا حياة لمن تنادي».

استخدام دوّاسات خشبية بالمسجد للمرور داخله

وعلى بعد خطوات من المسجد، يجلس مصطفى السيد، موظف، يقطن فى العقار المجاور للمسجد، على كرسى خشبي، والذى أشار إلى أن المياه غمرت المسجد من الداخل منذ عام 1983، لافتا إلى أن لجنة جاءت لفحص مئذنة المسجد عدة مرات، وقررت فى النهاية إزالتها وتم وضعها خلف المسجد؛ نتيجة للشكاوى المتكررة من عدد من السكان المجاورين، وهو ما جعلها تتحول الآن إلى مقلب للقمامة المتراكمة، منوها بأن المئذنة كانت سليمة ولا تعانى من التشققات التى قد تؤدى إلى السقوط.

وأضاف «السيد»، أن أعضاء اللجنة وضعوا «دواسات خشبية»؛ لكى يتمكنوا من المرور داخل وخارج المسجد أثناء فحصه، متابعا أن الأهالى كانوا يؤدون الصلاة على تلك الدواسات الخشبية، لكن عندما اتخذت اللجنة قرارا بإزالة المئذنة، قررت أيضا إغلاق المسجد نهائيًا، مشيرا إلى أنه تم إغلاقه منذ عام 1990.

«زبالة ومجارى فى بيوت الله»

هكذا بدأت «هدى م.»، إحدى قاطنات الحارة التى يقع بها المسجد، حديثها لـ«اليوم الجديد»، والتى التقطت أطراف الحديث، ونظرت إلى المسجد نظرة يشوبها مزيجا من الحزن والحسرة، مستطردة: «مصر دائما تفتخر أمام العالم كله بآثارها وحضارتها الممتدة لأكثر من 7000 عام، والآن يشارك الكثيرون فى ضياع تلك الآثار والحضارة».

وأضافت هدى: «لو محافظناش على آثارنا اللى بنتباهى بيها طول الوقت دي، مين اللى هيحافظ عليها»، متابعة: «أنا لما باشوف الإهمال اللى فى المسجد فى الرايحة والجاية وخصوصا وهو غرقان بالمياه باحس كأن حد مات ليّ».

العقارات المجاورة فى خطر

أما سلامة عبدالجليل، أحد سكان المنطقة، قال إنه تم تشكيل عدة لجان فى السابق من وزارة الآثار وشركة المياه والصرف الصحي؛ لتغيير شبكة المياه والصرف الصحى فى المسجد بالكامل، لكنهم اكتشفوا أن فى ذلك خطورة على العقارات الموجودة بالمنطقة، موضحا أنه لم يتم اتخاذ أى قرار آخر إلى أن جاءت لجنة أخرى قررت بدورها خفض المبنى حتى بداية أعتاب النوافذ والأبواب، ثم رفعه وإعادته كما كان، قائلًا: «وبدأت ناس تيجى تبص عليه وتمشى».

وتابع «عبدالجليل»، أن وزارتى الآثار والأوقاف مسؤولتان عن المسجد، وكلاهما لم يرمماه خلال كل تلك السنوات الماضية، منوها بأن المسجد حاليًا مُعرض للسقوط فى أى وقت؛ مما يجعل العقارات المجاورة فى خطر.

معظم آثار مصر القديمة ضربها الإهمال وقلة الصيانة

وبدوره، قال أحمد مجدى، منظم رحلات داخلية، إننا نمتلك العديد من الأماكن الأثرية الجميلة فى قلب العاصمة، ومعظمها يتركز فى منطقة مصر القديمة، موضحا أن معظم آثار المنطقة تتبع العصر المملوكى والفاطمى والأموى والأيوبي، والتى تتميز بطابعها الخاص الذى يعبّر عن العمارة التى كانت تميز كل عصر.

وأضاف «مجدي»، أن غالبية الرحلات الداخلية التى يتم تنظيمها فى القاهرة تكون فى شارع المعز ومنطقة الأزهر والحسين فقط؛ وذلك لأنها أكثر الشوارع التى يوجد بها نظافة واهتمام وأمن كافى مقارنة بغيرهم من الأماكن الأخرى، منوها بوجود العديد من الآثار الإسلامية المختلفة الأخرى الجميلة، ولكن معظمها ضربها الإهمال وأصابها التصدع والشقوق بسبب عدم صيانتها أو ترميمها، وبالتالى لا يجوز تنظيم رحلات لها أو السماح للسائحين برؤيتها وهى على تلك الحالة.

وأشار «مجدي» إلى وجود مشكلة وصفها بـ«الكارثية» فى معظم آثار مصر القديمة، وهى أن معظمها «مجهول» لدى الكثيرين فلا يعرفون اسمًا لها أو تاريخ؛ نظرا لعدم وجود أى لوحة أمام الأثر تعبر عنه أو تذكر تفاصيله.

تحول بعض المعالم الأثرية إلى أماكن مهجورة مليئة بالقمامة

ومن جانبه، قال وليد العشري، المرشد السياحي: «نمتلك آثارا إسلامية وفرعونية وقبطية، إذا قمنا باستغلالها لجذب السائحين؛ ستساعد على تحسين وتنشيط السياحة»، لافتا إلى عدم وجود اهتمام أو أى نوع من أنواع الدعاية من وزارة السياحة أو الآثار للعديد من الآثار التى نمتلكها، كما لا يتم التركيز إلا على الأهرامات وأبو الهول ومعبد الكرنك فقط؛ وذلك يظهر بوضوح مع زيارة مشاهير العالم».

وتابع «العشري»، لـ«اليوم الجديد»: «حاولنا كمرشدين سياحيين الترويج للأماكن المهمشة؛ لكى يعرفها السائحون، كمصر القديمة بما تضمه من منشآت إسلامية تاريخية هامة، ولكن إهمال تلك الأماكن انعكس بالسلب على السياحة، خاصةً مع عدم وجود حراسة أو نظافة لتلك المنشآت، حيث تحولت بعض المعالم الأثرية الإسلامية وغيرها إلى أماكن مهجورة مليئة بالقمامة».

تاريخ المسجد:

وبالبحث خلف تاريخ المسجد، وجدنا أنه من أوائل الآثار التى تم تسجيلها، لأنه يقع ما بين الأرقام من 1 إلى 624، ويعتبر من أقدم الآثار الموجودة فى مصر، حيث تم بنائه حوالى (870هـ - 1465م)، وبه ضريح «سيدى مدين» أو «الشيخ مدين» الذى سعى لإنشاء المسجد، وترجع أصوله إلى أسرة مغربية، وهو حفيد الشيخ «شعيب» من أشهر المشايخ فى شمال إفريقيا، جاء إلى مصر فى عصر دولة المماليك الشراكسة وكان من المتصوفة، وتوفى فى نفس العام الذى أنشأ فيه المسجد سنة 851، ودُفن فى ضريح داخل المسجد.

أمر بإنشاء المسجد الخوند مغل، بنت القاضى ناصر الدين البارزي، كاتم السر بالديار المصرية فى عهد الملك المؤيد شيخ، وكان الشيخ محمد بن عبدالدايم المدينى أحد علماء المالكية المتوفى سنة 885هـ - 1480م، وهو ابن أخت الشيخ مدين، هو الوسيط بين الخوند مغل وخاله فى طلب إنشاء هذا المسجد، وذلك بحكم صلته بابنة أخيها زينب بنت الكمال البارزي، إذ كان فقيها لها ومعلما.

واشتمل المسجد على حوش جنائزي، إلى جانب حجرتين للدفن، إحداهما خاصة بالشيخ مدين، والأخرى ربما خصصت لأولاده. وعلى الرغم من أن البناء اتبع طراز المدارس، إلا أنه استعمل كمسجد وزاوية للشيخ مدين خصصت للصلاة وإلقائه الدروس على مريديه.

اليوم الجديد