ماذا فعل السلطان سليم الأول بعد احتلال القاهرة؟

السلطان سليم الأول- أرشيفية

12/14/2019 10:09:51 PM
172
ثقافة

سليم تعهد لجنوده بحرق مصر بعد دخولها مستشرق فرنسى اعتبر أن الاستيلاء على القاهرة مكملا لاحتلال القسطنطينية باحث: العثمانيون سرقوا القماش والقمح والصبيان من الناس الفقى: خطفوا الطعام من الأهالى وكانوا لا يصلون ولا يصومون

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

فى فبراير 2018 أعلنت محافظة القاهرة قرارها حذف اسم السلطان العثمانى سليم الأول من شارعه بحى الزيتون. هذا القرار كشف عنه المهندس عاطف عبد الحميد، محافظ القاهرة، حينها، أن هذا الأمر جاء بناء على ما بحث تقدم به الدكتور محمد صبرى الدالى، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، اعتبر فيه أنه لا يصحُّ إطلاق اسم أول مستعمر للبلاد أفقدها استقلالها وحولها لمجرد ولاية من ولايات الدولة العثمانية على شارع بمصر.

وربما لم يكن ليدور بخُلد المحافظ ولا الدكتور محمد صبرى، أنه بعد عامٍ واحد، سينتصر عمل فنى لرؤيتهما، التى لم يتفهمها الكثيرون وقتها، وأن مسلسل "ممالك النار" سيظهر للعالم بأسره حقيقة السفاح العثمانى سليم الأول، الذى دخلت مصر على يديه واحدة من أسوأ حقباتها الزمنية، وعانت بسبب أفاعليه ويلاتٌ أكثر من أن تُعد، وكان أصحُّ ما وُصف به هو مقاله ابن إياس بأنه "ليس له نظام يُعرف مثل نظام الملوك السابقة، غير أنه سيئ الخلق، سفاك للدماء، شديد الغضب لا يُراجَع فى القول"، وأنشد فى جرائمها وأفعاله الدنيئة شعرا داميا قال فيه: (نبكى على مصر وسكانها :: قد خربت أركانها العامرة / وأصبحت بالذل مقهورة :: من بعد ما كانت هى القاهرة).

ويمكن تلخيص كل ما حدث، فى العبارة التى أوردها المؤرخ ابن إياس على لسان سليم بأنه حين كان فى معسكره قبل دخول القاهرة قال لجنوده: "غدا أدخل مصر، فأحرق بيوتها وألعب بالسيف فى أهلها".

يشرح وليد فكرى فى كتابه: "تاريخ فى الظل": فى الجمعة الأخيرة من العام 922هـ، دخل الخليفة المتوكل على الله، والذى كان قد وقع فى أسر سليم الأول بعد هزيمة الجيش المملوكى فى الشام، ومعه كبار رجال الدولة العثمانية وقضاة المذاهب الأربعة المصريين، وبصحبتهم الأمير المملوكى خاير بك حاكم حلب السابق، الذى خان المماليك لصاحب العثمانيين، وانسحب بجنده من موقعة مرج دابق بالشام طمعا فى المكافأة العثمانية.

يقول المستشرق الفرنسى روبير مونتران فى أطروحته "العلاقات بين القاهرة واستانبول"، إن الهزيمة هيّأت للعثمانيين السيطرة على المنطقة، وأصبحوا سادة الشرق، معتبرا هذا الانتصار مكملا للفوز الذى حققوه منذ 65 عاما على البيزنطيين حين استولوا على القسطنطينية، لأن هذا الفوز ضمن لهم السيطرة على عاصمة الخلافة الإسلامية وأكبر مدن الشرق الأوسط أهمية: القاهرة.

أما فى المجال الدينى، فقد هيأ القضاء على الخلافة العباسية للعثمانيين زعامة العالم الإسلامى السنى، الأمر الذى سيؤدى بسلاطين عثمان لأن يتخذوا لأنفسهم لقب "خليفة" بنهاية الأمر.

ومن الناحية الاستراتيجية، أصبح العثمانيون بهزيمة مصر أقرب ما يكونون للسيطرة على شبه الجزيرة العربية بمكانتها المقدسة، والتى يكفل الاستحواذ عليها ضمان ولاء مسلمى العالم الإسلامى بأسره.

كما أتاحت السيطرة على مصر للترك وضع يدهم على الطريق التجارى المؤدى للهندى عن طريق البحر الأحمر، فى ظل عدم شيوع استخدام طريق رأس الرجاء الصالح حينها، وهكذا كفل احتلال مصر وسوريا السيطرة على حركة التجارة بين البحر المتوسط وبلاد الشرق الأوسط والهند.

سليم فى القاهرة

نودى فى الموكب بالأمان لأهل مصر، وعلى منابر القاهرة ارتفع الدعاء،بأمر السلطات العثمانية، بأن "انصر اللهم السلطان بن السلطان، مالك البرين والبحرين، وكاسر الجيشين، وسلطان العراقين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك المظفر سليم شاه".

يحكى عبد الحى الفقى فى كتابه "أيام حزينة فى تاريخ مصر"، أن دخول سليم وجيشه إلى أرض مصر سنة 1517م لم يكن يوما عاديا وإنما أحد أسوأ الأيام التى مرت عليهم طوال تاريخهم العريق، فلم يعبث محتل بمقدرات مصر وممتلكات المصريين مثلما فعل ابن عثمان وجنوده.

يحكى: خرّبوا البلاد وأكثروا فيها الفساد، ولم يفرقوا بين رجل ولا امرأة ولا شاب ولا عجوز، وفقا للوقائع الفظيعة التى دونها المؤرخ الشهير محمد بن إياس الحنفى فى كتابه "بدائع الزهور فى وقائع تلك الدهور".

يحكى ابن إياس: دخل جماعة من العثمانيين إلى الطواحين وأخذوا ما فيها من البغال والأكاديش، وأخذوا عدة جمال من السقايين، وصارت العثمانية تنهب ما يلوح لهم من القماش وغير ذلك، وصاروا يخطفون جماعة من الصبيان والعبيد، واستمر النهب فى ذلك اليوم إلى ما بعد المغرب، ثم توجهوا إلى شون القمح التى بمصر وبولاق، ونهبوا ما فيها من الغلال حق المسلمين، وهذه الحادثة التى وقعت لم تكن لأحدٍ على بال، وكان ذلك مما جرت به الأقدار منذ الأزل.

وهنا يوضح الفقى: كان عسكر سليم قذرين فى نفوسهم وأبدانهم وملابسهم، وكانوا عشوائيين، يخطفون الطعام من الناس ويأكلونه، وكانوا غير معلومى الملة ولا الدين، فكانوا يجاهرون بالمعاصى ويفطرون بنهار رمضان، ولا يُصلون ولا يدخلون المساجد، إلا اقتحاما بحثا عن أحد المماليك.

ويضيف: كانوا همجا كالبهائم، بل هم أضلُّ سبيلا، فكان عساكر الإنشكارية يهجمون على الناس فى بيوتها وينهبونها بحثا عن المماليك، وكانوا يأخذون الناس بأدنى شبهة، ويقطعون رؤوسهم، ثم يقومون بتعليق تلك الرؤوس فى مقدمة معسكرهم الذى أقاموه بالريدانية.

يحكى المؤرخ البازر جرجى زيدان فى كتابه "مصر العثمانية": بالغ العثمانيون فى مطاردة الشركسة، حتى كانوا يدورون فى الحارات والأزقة والأسواق، وكل من رأوه من أولاد الناس لابسا زنطا أحمر، وهو لباس المماليك، قالوا له انتَ شركسى وقطعوا رأسه، فلبس الناس العمائم على أن ذلك لم يمنع تعديهم، فكانوا يتهمون الناس بأنهم شراكسة ولا يتركونهم إلا بعد أن يفتدون أنفسهم بالمال.

ويضيف ابن إياس: انفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر؛ من نهب قماش وسلاح وخيول وعبيد، وغير ذلك من كل شئ جليل، وظفروا بأشياءٍ لم يظفروا بها قط فى بلادهم.

بعدها أقدم سليم على جريمة أخرى عانت مصر بسببها طويلا، فبعدما رأى بدائع مبانى مصر ومنشآتها، وما بها من فنون الصناعة وبديع الحرف، أمر ابن عثمان بنقل جميع الصناع والحرفيين وأرباب المهن إلى استنبول.

وهكذا كان جنوده يأخذون الناس من أماكن عملهم ويشحنونهم أفواجا عبر السفن، فأخذوا البنائين والنجارين والنحاسين والمرخمين والحدادين وأصحاب الفنون، عدّهم ابن إياس بخمسين مهنة خلت منها عقب الاحتلال الأحمر، ما أدى إلى انهيار الصناعة والبناء فى مصر، واستمر ذلك الوضع المزرى زمنا طويلا، بمن فيهم علماء الدين كالقاضى الشافعى شمس الدين الحلبى الذى حُمل على السفينة قسرا.

ومن جملة من خطفهم سليم إلى عاصمته هو الخليفة العباسى المتوكل على الله، بعدما أمر سليم بترحيله هو وعائله إلى استنبول، وهنا يقول ابن إياس: "فحصل للناس على فقد أمير المؤمنين من مصر غاية الأسف، وقالوا: انقطعت الخلافة من مصر وصارت باسطنبول".

ولما دخل القلعة انبهر بجمال مظهرها وفخامة مابنيها، فقام بفك الرخام فى قاعاتها، قبل أن يأمر أحد معاونيه، وهو يحيى بن بكار، بالمرور على بيوت الناس وانتزاع كل ما بها من رخام.

لم تنج المساجد، ومنها مسجد الإمام الشافعى ومقام الليث بن سعد، من نهبهم، فكانوا يدخلونها بنعالهم، ويسرقون ما بها من قناديل وسجاجيد، وهم فى هذا لم يختلفوا عن سلطانهم فكان كلما رأى شيئا بديعا، وما أكثرها فى مصر أمر بفكه وحمله إلى بلاده.

وكانت عناية المماليك بالمساجد القاهرة قد بلغت درجة تزيين أبواب المساجد بالأحجار الكريمة عمدان الشمع ومقصورات الأضرحة بالفضة، وهنا يفصّل ابن إياس وقائع القتل والنهب عبر 8 صفحات من الجزء الخامس فى تاريخه، حيث تم نهب كل شيء من جوامع «الأزهر، طولون، الحاكم بأمر الله، السيدة نفيسة»؛ فضلا عن المساجد الأثرية الأخرى التى قتلوا من خلالها المئات من الناس مثل مسجد المؤيد شيخ؛ بالإضافة لنهب المدارس التى كان من ضمنها مدرسة الغورى التى تحتفظ بالآثار النبوية.

الآثار النبوية لم تسلم من الشر الأحمر

وحتى الآثار النبوية لم تسلم من شره، فكانت الآثار النبوية فى مصر التى تمكن سليم الأول منها، كانت نوعين أولهما الموجود فى داخلها وهما صنفين أحدهما بحوزة الخليفة العباسى بمنزله والأخرى داخل المدرسة الغورية؛ أما النوع الثانى فكان مقتنيات النبى الوافدة إلى مصر.

أما الموجود من الآثار النبوية بحوزة آخر خلفاء العباسيين هو راية نبوية وسيفا وبُرْدة وكان يستخدمها العباسيين فى تنصيب السلطان المملوكى، فأخذ سليم الأول آخر خلفاء بنى العباس تلك المقتنيات وجعله يتنازل عن الخلافة لصالح العثمانيين.

أما الآثار الوافدة إلى مصر فكانت بصحبة الشريف بركات شريف مكة والذى أرسل له سليم الأول معلنا سقوط دولتى المماليك والعباسيين بالقاهرة وأمره بالدخول فى طاعته وإعلان البيعة له.

ولم يترك ابن عثمان من الآثار النبوية فى مصر إلا قليل، كاد أن يأخذها لولا حادث تعرض له فى أواخر يوليو 1517 الموافق جمادى الثانية 923هـ، حيث يذكر ابن إياس، أنه نزل فى مركبٍ من الجيزة، واتجه صوب الآثار النبوية فأتت عليه رياح أوقعته وكاد أن يغرق لولا أن أنقذه جنوده؛ وينص ابن إياس على أن سليم الأول حينها كان شاربا للخمر؛ فلم ينجح فى التمكن من أخذ بقية الآثار النبوية فى الغورية واكتفى بآثار النبى لدى الخليفة العباسى وشريف مكة.

التنظيم الإدارى العثمانى الجديد

ويوضح "زيدان": أقام سليم فى مصر بضعة أشهر، بدعوى أنه ينظم أحوالها، لكنه فى الحقيقة كان منصرفا إلى حمل أهم ما فيها إلى الأستانة، فأمر بفك رخام القلعة والعواميد التى كانت فى الديوان الكبير، لأنه أراد أن ينشئ مدرسة فى عاصمته مثل مدرسة الغورى.

ويضيف ابن إياس: استمرت مدة إقامة سليم بمصر ثمانية أشهر إلا أياما، ولم يجلس فى قلعة الجبل على مقعد الملك ولا رآه أحد، ولا أنصف مظلوما من ظالم، بل كان مشغولا بلذاته وسكره وإقامته فى المقياس ناحية منيل الروضة بين الصبيان المرد، وما كان يظهر إلا عند سفك دماء المماليك الجراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه لأحد الناس، وليس له من قول أو فعل، وكلامه ناقص ومنقوص لا يثبت على قول واحد كعادة الملوك فى أفعالهم، أما عساكره فكانت عيونهم جائعة ونفوسهم قذرة.

وانصبَّ الاهتمام العثمانى بشكل رئيسى على تنظيم الشئون المالية بهدف ضمان الحصول على دخول مؤكدة.

وكانت مصر بحكم كونها بدا غنيا تشغل مكانة سامية فى ميزانية الخزانة السلطانية، فلقد كان خراج مصر من أهم الخراجات التى تحصل من جميع الأقطار، وقد حُدد هذا الخراج أولا بـ800 ألف قطعة ذهبية ارتفع فى عهد خسرو باشا إلى 1.2 مليون، ثم خُفض فى عهد سليمان القانونى إلى الرقم الأول.

ويضيف زيدان: وبالجملة خرج السلطان من مصر فى شهر شعبان، ومعه أحمال من التحف والهدايا، قبل إن حمولتها بلغت الـ1000 جمل محملة ما بين ذهب وفضة بخلاف التحف والسلاح والنحاس المشغول والرخام الفاخر من قصور مصر، بخلاف ما سرقه وزراؤه وعساكره من بضاعة المصريين، إلا أن فوق كل هذا نال أمرا لم يجسر عليه أحد قبله من السلاطين الأتراك، وهى الخلافة الدينية.

ويتبع "زيدان: لما رجع سليم إلى عاصمته، فكر فى أمر مصر فارتأى أن يضع لها نظاما يأمن معه تمردها عليه، لبُعدها عن مركز الخلافة. وكان قد ولّى خاير بك الذى خان المماليك وساعد العثمانى على دخول مصر، ولكنه سليم خشى أن يغدر به كما غدر بطومان باى، فاهتدى إلى حكم مصر بشكل قسمها فيه 3 إدارات لكل واحدة منها قوة مختلفة، جعل كل منها تراقب الأخرى، فلا يخشى اتحادها ولا تمردها.

القوة الأولى هى الباشا، وأهم واجباته إبلاغ الأوامر السلطانية لرجال الحكومة والشعب ومراقبة تنفيذها، أما القوة الثانية حين أقام بالقاهرة والمراكز الرئيسيية بالقطر وحدت قتالية من 6 آلاف فارس و6 آلاف ماشٍ وجعلها تحت أحد قادته العسكريين.

والقوة الثالثة هم المماليك أنفسهم، من بقايا الدولة السالفة، والفائدة منهم حفظة التوازن بين الباشا وقائد القوات العسكرية.

ولم تطل حياة السلطان سليم كثيرا بعد فتح مصر وكأن الله ينتقم منه على ما فعله بأهلها فلم يهنأ بمكله عليها طويلا، وتوفى عام 1520م.

يقول وليد فكرى، عن توابع الاحتلال العثمانى للبلاد: بعد أن كانت مصر سيدة الشرق، صارت مجرد ولاية يُرسل لها السلاطين واليا كل بضعة أعوام، لينهب خيرها ويجلد أجساد أهلها لصالح أسياده العثمانلية، الذين مزقوا وحدة مصر والشام، وقعطوا بسكين بارد أوصال العالم العربى، الذى كان مملكة واحدة، وزرعوا بين شعوه الشقاق والفتن، ممهدين الطريق عبر تلك القرون للأوروبيين لابتلاع المنطقة عبر اتفاقية سايس بيكو.

اليوم الجديد