أطفال بلا هوية.. ثمرة زواج القاصرات

صورة أرشيفية

12/10/2019 6:01:51 PM
178
تقارير وتحقيقات

الزواج يكون بعقد عرفى.. والسجل المدنى لا يعترف سوى بقسيمة المأذون جدة: عشتُ حتى السبعين من غير ورق أم محمود: الأرض مبتسألش اللى بيزرعها عن شهادة ميلاده حمّال طوب لديه 6 أبناء غير مسجلين: مش ناقص مصاريف

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

بالرغم من تعرض المجتمع عشرات المرات لمناقشة أزمة زواج القاصرات، وما ينتج عنها من ضحايا كُثُر، أولهم بالطبع الفتاة التى سُلبت طفولتها رغما عنها، ووجدت نفسها فى عمرٍ صغير مسئولة عن زوج وبيت وأسرة، لتمر بمراحل أخرى أكثر رعبا كمشاكل الحمل والولادة، ثم رعاية أطفال صغار الفارق بينهما بضع سنوات.

فى ظل تلك القصص والحكايات المأساوية التى لا تنتهى هناك أمر ربما تناساه البعض، هو مصير الأبناء، ومشكلتهم تستمر معهم للأبد، لأنهم لا يتم تسجيلهم في أوراق قانونية ولا تُستخرج لهم شهادات ميلاد، لكون الأم لم تكن قد بلغت السن القانونية وقت إنجابهم، وهو الأمر الذى لا يخيف الأهل من التقدم للمصالح الحكومية ومحاولة إثبات هذه الزيجة وهؤلاء الأبناء، لأنهم لحظتها سيقعون تحت طائلة القانون.

فتلك الزيجات عادة ما تتم بعقود زواج عرفى غير مسجلة يتم تحويلها إلى عقود رسمية بمجرد بلوغ الزوجة السن القانونى بتاريخ هذا السن، وليس بتاريخ وقوع الزواج الذى قد يكون سبق العقد الرسمى.

وبما أن القانون يمنع تسجيل المواليد دون عقد زواج، فإن مصير مواليد وأطفال زواج القاصرات يظل مجهولا، منهم من يتم تسجيلهم بعد بلوغ الأم السن القانونى ولكن قطعا بتاريخ تسجيل متأخر يكون لاحق لتاريخ الولادة الفعلية بعامين أو ثلاثة، فيكون الطفل بعُمر الثالثة وشهادة ميلاده لطفل عمره يومين أو أسبوع.

وهناك حالات لا يتم تسجيلها من الأساس، وهم من يعرفون بِاسم «سواقط القيد»، وهم المواطنون المصريون الذين يعيشون معنا، لكنهم غير مثبتين على أى وثيقة رسمية لدى الدولة.

حول تلك القضية يدور فكرة تحقيقنا التالى، والذى التقت فيه «اليوم الجديد» بعدد من الحالات ممن مروا بتلك التجربة ببعض القرى؛ للتعرف على كيفية تعاملهم مع أولادهم، وما مصيرهم من التسجيل الرسمى.

تقول أم محمود، 70 عاما، من قرية "أبو رجوان" التابعة لمحافظة الجيزة، ربة منزل، لا تجيد القراءة والكتابة: أنا جدة لـ18 حفيدا تتراوح أعمارهم من عام حتى 30، خمسة منهم فقط مسجلين ويحملون شهادات ميلاد، والباقى من سواقط القيد.

وأضافت، أن أحد أحفادها تزوج منذ عامين ورزقه الله بطفلة لم يستطع تسجيلها؛ ﻷنه لا يمتلك قسيمة زواج، لأن زوجته لم يصل عمرها حتى الآن للسن القانونى 18 عاما.

وتابعت أن الموظف بالسجل المدنى، أكد أن الحل الوحيد لتسجيل الطفلة هو إحضار القسيمة، وإن لم يحضرها فعليه الانتظار 3 سنوات حتى يحصل عليها، ويتمكن من تسجيل ابنته وقتها، مشيرة إلى أنه فى هذه الحالة ستسجل الطفلة بتاريخ التسجيل وليس بتاريخ الميلاد، ويضيع عليها الثلاث سنوات التى قضتها من تاريخ ميلادها الأصلى.

وتطرقت أم محمود للحديث عن باقى أحفادها الـ18، مشيرة إلى أنها غير مهتمة بتسجيلهم أو حصولهم على أوراق رسمية فهم لن يتعلموا و«هيطلعوا فلاحين زى أبوهم وأهلهم، والأرض مش حتسأل اللى بيزرعها عن شهادة ميلاده».

وأكدت أنها حاليا تسعى لتسجيلهم بدافع الحاجة للتموين والخبز، قائلة: "التسجيل مش قصة، أنا وجدهم عايشين من غير ورق ولا شهادات لحد الآن، وما عندناش مشكلة".

ويقول أحمد عبد الحميد، شاب متزوج فى سن الـ 17، يعمل حدادا، ولديه ابن عمره عام، إنه وجد صعوبة فى تسجيله؛ ﻷنه لم يكمل 18 عاما، ولم يحصل على قسيمة الزواج بعد، مشيرا إلى أن أحد أقاربه عرض عليه أن يسجل ابنه باسم أب وأم آخرين حتى يُكمل السن القانونى.

وأضاف، أنه لم يرتَح لهذا الحل وانتظر حتى حصل على قسيمة الزواج، وتمكن بالفعل من تسجيل ابنه، متابعا: "دفعت 700 جنيه عشان أسجل بنتى بتاريخ ميلادها الحقيقى"، على حد تعبيره.

وقال محمود عباس، صاحب الـ 35 عاما: "أنا أب لـ5 أولاد وبنت، تزوجت فى عمر الـ16 عاما، ولا أجد فائدة من تسجيل الأطفال لدى الدولة، سوى تضييع المال والوقت"، مشيرا إلى أنه لم ولن يسجل أحدا من أبنائه، معلقا "العيل ينزل يشتغل أحسن ويكسب فلوس.. هيعملوا إيه بالتسجيل أو التعليم يعنى".

وأوضح أن ثلاثة من أولاده يعملون بمهنة تصليح السيارات والباقى فى الحدادة والنجارة والكهرباء، أما ابنته فهى فى الـ13 من عمرها، وزفافها بعد شهرين، لافتا إلى أن حالته الاقتصادية صعبة فهو يسكن فى إيجار جديد ويعمل فى حمل الطوب بيومية 50 جنيها، قائلا: "من الآخر لا أنا حمل تسجيل ولا تعليم ولا مصاريف أخرى، وأهم يعيشوا زى ما عشنا".

من جانبه، قال الشيخ إبراهيم محمود عبد الراضى، أحد أئمة الأزهر الشريف، إنه لا يجوز شرعا مخالفة القانون الذى يُجرّم زواج القاصرات ممن أقل من 18 عاما؛ حفاظا على هذه الطفلة وعلى المجتمع الإسلامى.

وأوضح "عبد الراضى" أن المأذون الذى يكتب الكتاب لزوجين أقل من 18 عاما هو مُخالف للقانون، ولكن الأزهر لا يملك أى وسيلة لمحاسبته على هذه الجريمة؛ لأننا مؤسسة تشريعية ولسنا جهة قضائية، وإنما يتم حسابه بالقانون من قبل الجهات المختصة.

وأضاف أن عدد حالات الطلاق فى المجتمع ارتفعت بصورة كبيرة بمعدل يصل لحالة كل 6 دقائق، خاصة فى الشهور الأولى من الزواج، وهو ما دفع الأزهر إلى تنظيم دورات بمقر الأزهر لتقوية وتأهيل الشباب المقبلين على الزواج ورفع الوعى لديهم، مشيرا إلى أن الأزهر يعتمد فى دعوته فى القرى على الشيوخ التابعين له فيها، ولكن بعض هؤلاء الشيوخ يؤمن بزواج البنات المبكر وبالتالى فلن يتطرق لتلك القضية، والبعض الآخر يخشى الحديث أمام أهل القرية فى هذا الشأن حتى لا يتعرض لانتقاض منهم.

فيما أوضح اللواء مجدى البسيونى، الخبير الأمنى، أن ظاهرة سواقط القيد حتى وإن كانت موجودة ولو بنسبة ضئيلة إلا أنها فى طريقها للاندثار، بسبب ارتفاع نسبة الوعى لدى الجمهور، خاصة مع انتشار التليفزيون فى جميع البيوت بالقرى والنجوع، ما ساهم فى رفع الوعى لدى المواطنين.

وأضاف أن الجهات الأمنية فى حالة عثورها على شخص لا يملك بطاقة شخصية أو شهادة ميلاد فهى على الفور تقوم باستخراج أوراق له بعد إجراء التحريات عنه، والتأكد من صحة ما يدلى به من معلومات".

ومن جانبه، قال خالد عصار، دكتور فى علم النفس الاجتماعى، إن ظاهرة حرمان الأطفال من أبسط الحقوق وهى التعليم والرعاية الصحية الجيدة، والتسجيل لدى الدولة التى ينتمى لها، سينعكس سلبا على المجتمع ويُزيد من معدلات الجهل والتخلف؛ ما يساعد على انتشار الإرهاب والتطرف.

وأكد أن هذه المشكلة ليست بسبب هذا الطفل، بل الوالدين منعدمى الوعى الفكرى والثقافى والمستقبلى لأولادهما، واصفا إياهم بـ«القنبلة الموقوتة» التى ينتظرها المجتمع.

اليوم الجديد