عزيزي الصائم.. أذان الفجر لا يعني انتهاء الوقت الشرعي للسحور

أرشيفية

5/10/2019 4:28:08 PM
340
تقارير وتحقيقات

 لا شك أن أول سؤال يشغل بال الصائم فى رمضان متى يبدأ الصيام ومتى ينتهى منه ويحل له الإفطار.

والمتعارف عليه والسائد الذى يكاد يلقى إجماعا لا خلاف حوله أو عليه أن بداية الإمساك عن الطعام والشراب وكافة المفطرات تأتى مع آذان الفجر، وأن اللحظة التى يجوز للصائم فيها أن يتحلل من إمساكه ويفطر فيها هى لحظة آذان المغرب .. وهذا كلام سليم والتعارف عليه واعتباره من القواعد الراسخة قد أوجد حالة من الراحة والتوافق بين عموم المسلمين.

 لكن عند البحث والدراسة، تجد أن المسألة فيها كلام آخر يستحق النظر والتقدير لوجاهته واستناده إلى حجج معقولة ومنطقية ، هذا إضافة إلى صدوره من ثقات أهل سبق وفضل وعلم ودراية . وهذا يتصل بالتحديد فى الشق المتعلق بالإمساك عن تناول الطعام والشراب وكافة المفطرات ، وهل هذا مرتبط بشكل قطعى بسماع آذان الفجر، بحيث لا يصح تجاوز الإمساك والحظر إلى ما بعد الآذان ولو بدقيقة واحدة أو دقائق معدودات.

فمثلا إذا أكل الشخص أو شرب بعد سماعه أذان الفجر فما حكم صيامه؟

رأى الجمهور بما فيهم بالطبع الأئمة الأربعة يذهب إلى امتناع السحور بطلوع الفجر استنادا إلى قوله تعالى «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر».

وقول النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه البخارى فى (الصوم): «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر».. ولهذا كان ينبغى للمؤذنين أن يتحروا فى أذان الصبح، ولا يؤذنوا حتى يتبين لهم الصبح، أو يتيقنوا طلوعه بالساعات المضبوطة، لئلا يضيقوا على الناس فيحرموهم ما أحل الله لهم، ويحلوا لهم صلاة الصبح قبل وقتها، وهو مخالف للشرع.

وقد فهم البعض من قوله تعالى فى سورة البقرة: «فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» أنها تفيد جواز الأكل إلى أن يتبين الفجر الصادق وليس مجر الآذان.

فأغلب الظن أن الأمر فى وقت الفجر، ليس بالدقيقة والثانية، كما عليه الناس اليوم، ففى الأمر سعة ومرونة وسماحة، كما كان عليه الكثير من السلف الصالح من الصحابة والتابعين.

فعن أبى هريرة مرفوعًا: «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه» (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبى).

 وفى ذات السياق قال ابن كثير فى تفسيره: «وقد روى عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا فى السحور عند مقاربة الفجر، روى مثل هذا عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وحذيفة، وأبى هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم محمد بن على بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعى، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير.....».
أما فيما يتصل بما هو معتاد ومعمول به لدى كثير من المسلمين من الإمساك مدة قبل الفجر من قبيل الاحتياط، فقد اعتبره الحافظ بن حجر مخالفا لسنة النبى صلى الله عليه وسلم.

وقد سجل ابن حجر اعتراضه على ذلك فى (فتح البارى): (من البدع المنكرة ما أحدث فى هذا الزمان من إيقاع الأذان الثانى قبل الفجر بنحو ثلث ساعة فى رمضان، وإطفاء المصابيح التى جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعما ممن أحدثه أنه للاحتياط فى العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس. وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - كما زعموا - فأخّروا الفطور وعجّلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثر الشر، والله المستعان)!

 

ولم تتوقف المسألة عند هذا الحد ، بل هناك ما هو أكثر فقد روى عن بعض السلف ومنهم حذيفة بن اليمان أنهم أباحوا الأكل حتى طلوع الشمس أى إلى ما بعد صلاة الفجر.

وقد حكى ذلك عن ابن مسعود أيضا.

وقال ابن القيم فى حاشيته على سنن أبى داود: وقد اختلف فى هذه المسألة: فروى إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت، ثم ذكر إسحاق عن أبى بكر الصديق وعلى وحذيفة نحو هذا».

مما سبق يمكن بسهولة لأى صاحب عقل أن يستنتج أن المسألة من المختلف فيه بين الفقهاء والعلماء بحيث تخضع للقاعدة الذهبية (لا إنكار فى المسائل الخلافية) ، إذ أنه لا يوجد وقت للإمساك عن الطعام مرتبط بأذان الفجر، خاصة أن التحديد بالساعة الفلكية المعاصرة للتقريب فقط وليس للتحديد ,ولأن طلوع الفجر الصادق و ظهور بياض النهار هو الحد الفاصل الذى يجب عنده الإمساك .

أما الإمساك مدة من الزمن قبل الفجر بصفة دائمة كنوع من الاحتياط ، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة، بل هو أحد مظاهر التضييق والتشدد، وينافى ما جاء فى السنة من استحباب تأخير السحور.

اليوم الجديد