الصوفية العلمية.. فهم ديني من نوع آخر

صورة أرشيفية

11/19/2019 8:27:32 PM
295
تقارير وتحقيقات

مهنا: التصوف ليس طبلة وطار وأول خطوة في إصلاحه هو العلم أبو العزايم: بعض مشايخ الطرق لا يفقهون شيء عن العلوم الشرعية وأصول التصوف

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

هى مزيج لفهم الصوفية كعلم دينى وجانب روحى معا، بعيدا عن الطقوس الشعبية والعادات المتوارثة، والتى عليها معظم الطرق، ونراها فى الموالد والمناسبات الدينية المختلفة، وتُعرف عادة بالطقوس الطرقية، وقد أخذت حيزا كبيرا من الضوء على مر العصور، حتى علق فى أذهان العامة، أن التصوف ما هو إلا إنشاد دينى على صوت المزمار والطبل، ورقص وتمايل يختلط فيه الحابل بالنابل والنساء بالرجال، وبحسب متخصصين فإنها توج تصوف من نوع آخر، إنها "الصوفية العلمية".

وأكد متخصصون، أن هذه الصورة المعتادة التى نراها فى الموالد وأحيانا داخل الحضرات فى بعض الطرق، كانت موضعا للنيل من الصوفية، وحجة جاهزة لإشاعة البعض بأنهم فئة مبتدعة، حتى بدأت تنتشر الصوفية العلمية وتظهر تحت دائرة الضوء من جديد، لتعيد الأشياء إلى نصابها الصحيح، بعد وقت طويل كانت فيه الصوفية محل اتهام وموضع تشكيك، خاصة وأن أهم ما يميز هذا التيار أن معظم علماءه جاءوا من خلفية أزهرية،

فالصوفية العلمية رغم أنها تحترم كل ما هو طقوسى إلا أن منهجها قائم فى الوقت نفسه على محاربة الانحرافات التى ظهرت داخل الطرق.

«أمل»: جعلتنى أعبد الله كما يريد

بصمت خاشع، وبإجلال واحترام كبيرين، وقفت أمل، دكتورة صيدلانية، تقرأ الفاتحة وتتمتم بأدعية وأوراد تحفظها عن ظهر قلب أمام ضريح شيخها ورائد طريقتها المتوفى، فى منطقة قايتباى بمصر القديمة.

أخذت أمل تقبّل القوائم الخشبية للضريح، وأطلقت كلا يديها تمسح عليها، ثم تلامس بذرات غباره ملابسها ووجهها ورأسها، تبركا، وبعدما انتهت من طقوسها المعتادة، ولَّت بخطواتها إلى الخلف، وقد غمرتها سعادة خفية وروح نشطة.

فى الأثناء، كانت تنتظرها سيارة أجرة فى الخارج، هرولت إليها أمل، فى خفة عالية وسرعة حثيثة، ذهبت بها إلى مسجد فى منطقة المقطم، حيث الحضرة ودرس العلم الذى تنتظره الفتاة يومى الأحد والأربعاء من كل أسبوع.

دخلت إلى ساحة المسجد وقد امتلأ عن آخره برجال ونساء جاءوا من كل حدبٍ وصوب، يستمعون إلى معلم طريقتهم، هذا القيادى الأزهرى والصوفى الكبير.

بدأ درس العلم بإقامة صلاة المغرب ثم جلس الشيخ على الأرض وقد ولى ظهره للحائط، يشير إلى أحد الشباب الموجودين بخفت الأنوار قليلا، والبدء فى تلاوة الأوراد المعتادة، من كتيب صغير.

أخذ الشاب يصيح بالأوراد فى صوت جهورى، والمريدون من خلفه يرددون الذِكر، الذى لا يخرج فى إطاره عن ذِكر الله بصفاته وأسمائه، والصلاة والسلام على نبيه، بصوت متناغم.

بمجرد الانتهاء من تلاوة الأذكار والتى استمرت فيما يقرب الساعة، أمسك الشيخ بالميكروفون، وأمامه عدة كتب، عادة ما تكون لفطاحل التصوف عبر التاريخ مثل ابن عطاء الله السكندرى وأبى حامد الغزالى، والإمام الجنيد وغيرهم، وبدأ فى درس العلم، وقد اشرأبت إليه الأعناق وقد ألقوا إليه السمع بأعين مبصرة وآذان صاغية.

الإنشاد الصوفى هو عادة الشيخ فى الختام، وشارة بنهاية الدرس، وقبل أن ينطلق المريدون إلى خارج المسجد، كان لابد أن تصحبهم النفحة، والتى عادة ما تكون زجاجة مياه معدنية صغيرة، و«قُرص طرية» وعلبة زبادى أو أرز باللبن.

تقول أمل، إنها تواظب على حضور درس العلم للشيخ محمد مهنا، مستشار شيخ الأزهر ورئيس مجلس أمناء العشيرة المحمدية الشاذلية، وأنه ليس لديها ذرة شك واحدة فى أنها تعبد الله كما أراد، وأن لديهم ثقة عمياء فى شيخهم، خاصة وأنه قيادى مسموع الصيت فى الأزهر، وأنها لا تجد أدنى حرج فى أن تقول لزملائها فى العمل بأنها صوفية، وتدعوهم لحضور دروس العلم معها.

تضيف أمل: "منهم من استجاب بسرعة، وانتظموا فى دروس العلم، فاسم الشيخ وحده يكفى، وأصبحوا الآن مريدين فى الطريقة ، بعدما أخذوا العهد".

تتحسر أمل، على ما يفعله البعض فى الموالد والمناسبات الدينية تحت شعار التصوف، مؤكدة أن هذه البدع والخزعبلات عادت على الصوفية بالتشويه بين الناس، وأخذها المتشددون طرف خيط، ليشيعوا أن المتصوفة فئة مبتدعة، مؤكدة أن الصوفية حب لله ورسوله عن علم وبينه وبصيرة وشريعة، وهو ما تقول عنه أمل بأنه الصوفية العلمية أو التصوف المتشرع.

ناجح إبراهيم: أعلى درجات الإيمان بالإسلام

شجع الشيخ علاء الدين أبو العزايم، شيخ الطريقة العزمية ورئيس الاتحاد العالمى للطرق الصوفية وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، على إثراء الحركة الصوفية العلمية بانضمام مزيد من مشايخ وعلماء من خلفيات أزهرية، مؤكدا أن ذلك سيعمل على انعاشها وتكوين رؤية لها.

وانتقد "أبو العزايم" ممارسات بعض الطرق قائلا "نجد بعض الشيوخ يشربون السجائر والشيشة، وبعض طرق أخرى تسمح باختلاط النساء والرجال".

وأوضح مساوئ الإدارة داخل عدد من الطرق فى اتخاذ بعض مشايخ الصوفية الجهلة الذين لا يفقهون أى شئ بالعلوم الشرعية وأصول التصوف الصحيح، وليس لهم رأى ولا تصور لهم إلا أنهم شيوخ بركة واعتقاد المريدين فيهم أيضا، على أنهم مصدر للنفع والرزق.

وأقرَّ عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، بجهالة الكثير من شيوخ الطرق، قائلا: "الناحية العلمية والخلفية الشرعية للكثير منهم تكاد تكون معدومة"، معقبا: فإذا كان هذا حال شيوخ الطريقة وأكبر رأس فيها ، فما بالك بالمريدين؟!

وقال "أبو العزايم": "مشكلة الصوفية أنه ليس لديهم رؤية، ولكن لو فعلا تحققت هذه الرؤية وانتشرت الصوفية العلمية، لن يكون هناك إرهاب، وستسود الأخلاق والمعاملة الحسنة .

ولم يعول الباحثون فى الشأن الإسلامى على الصوفية العلمية فى محاربة البدع الطرقية فقط، ولكن عولوا عليها كثيرا فى محاربة الفكر المتشدد، عن بينة وعلم بالشريعة، مؤكدين أن الصوفية المتشرعة هى صاحبة النصيب الأوفر فى القضاء على هذا الفكر المتطرف، خاصة وأنها تمتلك الرؤية الواضحة ومقارعة الحجة بالحجة.

وضمَّ الباحث الإسلامى ناجح إبراهيم، صوته إلى صوت "أبو العزايم"، مناديا بضرورة تطبيق الفكر الصوفى العلمى الذى كان عليه شيخ الأزهر عبد الحليم محمود، والدكتور محمد مهنا، والمفتى السابق الدكتور على جمعة، مشددا على أن هذا الفكر هو أفضل الحلول المطروحة لمحاربة التطرف والفكر القطبى الذى تتبناه الجماعات الإرهابية.

ووصف "إبراهيم" الفكر الصوفى العلمى بأنه درجة الإحسان الذى هو أعلى درجات الإيمان فى الإسلام، لما بها من محبة وسلام وتسامح.

وأشار فى العديد من كتاباته إلى أن الصوفية العلمية تملك أدواتها وأساليبها العلمية التى يمكن أن تساعدها فى نشر هذا الفكر، مشيرا إلى ما تقدمه قناة الناس الأزهرية والرواق الأزهرى.

الأزهريون يدعمونها بأكاديمية و«رواق»

الرواق الأزهرى داخل الجامع الأزهر، أحد أهم الأدوات التى تستخدمها الصوفية العلمية فى الإعلان عنها، فالكثير من العلوم الصوفية، ورسائل كبار الأئمة الصوفيين وكتبهم مثل الإمام الجنيد وعبد الحليم محمود، وابن عطاء الله السكندرى وغيرهم، تدرس باستفاضة داخل الرواق، بل ويتم منح الشهادات بختم جامعة الأزهر الشريف لمن يتم هذه الدراسات، كما يتم تربية المريدين داخل الرواق ذاته على يد كبار المتصوفة العلميين مثل الدكتور محمد مهنا، مستشار شيخ الأزهر، ويقيم درسه كل أربعاء داخل كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر.

كما يحرص الأزهر على إقامة الندوات والفعاليات التى تتحدث عن الصوفية العلمية، ومدى أهميتها للفرد المسلم، سواء كان داخل الجامع الأزهر أو الجامعة أو حتى داخل جناح الأزهر فى معرض الكتاب من كل عام.

ورغم الجهود الحثيثة التى يبذلها الأزهر فى دعم الفكر الصوفى العلمى، إلا أن بعض كبار علمائه اختاروا تدشين أكاديمية خاصة لتدريسه، يكون هدفها كشف الجهل وتبصير المريدين بأمور دينية من خلال دورات علمية مكثفة وموثوقة على يد كبار علماء الأزهر، وتسمى بأكاديمية أهل الصفة لدراسة علوم التصوف والتراث.

هذه الأكاديمية تحدث عنها الدكتور محمد مهنا بأنها ظلت حلما يراوده على مدار سنوات، كما كانت واحدة من آمال شيخه الإمام الرائد محمد زكى الدين إبراهيم، فى إنشاء جامعة صوفية عالمية.

وكشف "مهنا" أن هدفه من هذه الأكاديمية الصوفية هى الإصلاح، وتخليص التصوف مما شابه من كل دخيل ومدسوس، وأول خطوة فى طريق الاصلاح هو العلم.

وأضاف: هذه الانحرافات عطلت مسيرة الصوفية الحق، فالتصوف ليس طبلة أو طار وليس رقص واختلاط، فالطريق إلى الله لا يكون إلا باتباع الشريعة المطهرة وتزكية النفس.

وتابع: لطالما أكرر أن الأمة أصيبت فى مقتل، يوم أن غفلت عن التصوف فى حياتها،والذى بنى هذه الحضارة العظيمة هى التصوف فى كافة مناحى الحياة، وهذه كانت قناعة مولانا زكى الدين إبراهيم ، بأن التصوف هو ملاذ الأمة وملجأها، وهو رأس مال الأمة، الغنية به".

ولفت إلى أن المواد الدراسية داخل الأكاديمية، تشمل إلى جانب العلوم الصوفية، مواد الشريعة والفقه وأصوله، واللغة العربية وآدابها، ومواد أصول الدين (العقيدة والتفسير وعلوم القرآن)، والحديث الشريف وعلومه على يد كوكبة من كبار مشايخ وعلماء الأزهر مثل الدكتور مصطفى أبو عمارة، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين، والدكتور الدسوقى حبيش، أستاذ العقيدة والدكتور فتحى حجازى، أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية.

أما عن الدراسة، فتم تقسيمها إلى عدة مراحل، الأولى: مرحلة التأصيل ومدتها أربع سنوات يسبقها سنة تمهيدية لغير الأزهريين. المرحلة الثانية، وهى مرحلة التحقيق، وتكون مدة الدراسة بها سنتان يعقبها بحوث علمية تخصصية.

وعن تعدد الطرق الصوفية العلمية يقول مهنا، "كما تعددت مدارس الفقه فى فهم النص، تعددت مدارس التربية فى تطبيق النص عن رسول الله، والصوفية هو علم تدرس فيه حالة النفس وأمراض القلوب"

«الصديقية الشاذلية».. آخر طُرُقها المعلنة

الطريقة الصديقية الشاذلية، كانت آخر الطرق الصوفية العلمية التى تم الإعلان عنها، فمنذ انضمام الصديقية الشاذلية التى دشنها على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، لمشيخة الطرق الصوفية فى أغسطس من العام الماضى، وهناك إثراء كبير لهذا التيار، وتشجع الكثير من العامة، ومن تلامذته فى الأزهر والافتاء فى أن يلتحقوا به مريدون فى حضرته.

وتابع مراقبون، زيادة أعداد المريدين لطريقة الصديقية الشاذلية، خاصة من علماء الأزهر وقيادات دار الإفتاء المصرية، الذين ظهروا فى موكب الاحتفال بالعام الهجرى ١٤٤٠، حاملين شارات الطريقة على صدورهم.

وقالوا: هذه الصورة التى ظهر بها علماء الإفتاء، كانت لإعطاء دفعة قوية، وثقة لدى العامة، فى الدخول بالصوفية، لأن علماء الإفتاء لن يكونوا على ضلال.

وأوضح خالد الشناوى، الباحث فى التصوف، أن سند الطريقة العلمى والروحانى يتصل إلى سيدى أبو الحسن الشاذلى من طريق العالم الكبير المحدث السيد عبد الله بن الصديق الغمارى – من أكابر علماء علم الحديث الشريف – ويصل نسبه بسيدنا الإمام الحسن بن على بن أبى طالب، والذى حصل على عالمية الأزهر سنة 1931 وتوفى سنة 1992، وكان من أكابر تلاميذه الدكتور على جمعة وأذن له بالتربية والتسليك، كما أذن له أيضا الإمام الرائد محمد زكى إبراهيم شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية، والشيخ الدكتور حسن عباس زكى شيخ الطريقة القاضية الشاذلية، ولذلك فـ"الصديقية الشاذلية" تربطها صلات المودة والرحم بالكثير من الطرق الصوفية والشاذلية منها بوجه خاص.

وعن سبب انتشار الصديقية، قال "الشناوى": هو موقع الدكتور على جمعة المفتى السابق، والذى له صدارة علمية كبيرة، مردفا: وضع الدكتور على جمعة جعل انتشار الطريقة يفوق الحد المتوقع على خلاف العادة، مشيرا إلى أن معظم مريديه من شيوخ وعلماء الأزهر لأنه كان مدرسا لهم بالجامعة ومفتيا وهم تحت إشرافه العلمى.

وتابع: انضمام علماء وأكاديميين للتصوف يُعد إنصافا للطريق الصوفى، وتصحيحا للانحرافات، ونشرا للوسطية ومواجهة للتطرف، لكون التصوف يعد قوى ناعمة لها تأثيرها الإيجابى على المجتمع.

اليوم الجديد