الإسكندرية في صحافة البلدية.. أحداث وتواريخ فارقة

صورة أرشيفية

11/18/2019 6:18:57 PM
183
المحافظات

رحلة لأثينا بـ21 جنيها.. وأخرى لألمانيا بـ62 جنيها إعلانات البيرة والسيارات.. الأبرز فى الصحف

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

تعد الصحافة من أهم مصادر التاريخ الحديث الأمر الذى شجع مسؤولى أيام التراث السكندرى لإقامة معرض «الإسكندرية فى صحافة البلدية.. أحداث وتواريخ فارقة»، وذلك من خلال قصاصات صحفية نادرة من 8 صحف فى الفترة من عام 1915 حتى عام 1954.

وترصد «اليوم الجديد» تلك الأحداث الفارقة وتغوص مع قرائها فى رحلة عبر كلمات تلك القصاصات التى اصفرت من عوامل الزمن، وظهرت كخبيئة ثمينة بمكتبة البلدية المغلقة منذ زمن والتى تعتبر أول مكتبة تعرفها الإسكندرية قبل إعادة إحياء مكتبة الإسكندرية، ويعود تاريخ إنشائها إلى آخر القرن التاسع عشر، وبالتحديد عام 1892، حيث تمكنت منذ ذلك التوقيت من الاحتفاظ بالنُسَخ اليومية من أهم الصُحف المصرية.

 ويشمل المعرض حكايات وأحداث تاريخية نادرة، فما بين محاولة اغتيال السلطان حسين كامل بالقنابل و8 رصاصات أطلقت صوب الرئيس جمال عبد الناصر، تشابه كبير فى المعالجة الصحفية، بالإضافة إلى أسرار قضية سفاح كرموز، وصور الشواطئ فى تلك الفترة وطبيعة «المايوهات» وكيفية حل أزمة محاولة استئجار 4000 مصطاف لـ38 كابينة فقط، ناهيك عن «مهر» عمارة كاملة على البحر بـ25 قرشا فقط!، جميعها ملامح من أوضاع وظروف اجتماعية تغيرت عن الوقت الحالى، نستعرضها فى السطور التالية.

مسرح محاولات اغتيال حكام مصر .. «رأس التين للسلطان والمنشية للزعيم»

تعد الإسكندرية هى مسرح محاولات الاغتيال لحكام مصر، فالأمر بدأ عام 1915 بمحاولة اغتيال السلطان حسين كامل فى منطقة رأس التين، ووفقا لجريدة «اللطائف المصورة» فى عددها يوم 15 يوليو 1915، تنشر صورة للمسكن الذى استأجره الشاب الذى حاول اغتيال السلطان فى منطقة رأس التين.

وتحكى الجريدة قصة محاولة الاغتيال الفاشلة: «فى ظهر يوم الجمعة 9 يوليو بينما كان الموكب السلطانى متجها إلى الجامع لأداء فريضة الجمعة تربص الجانى مرور مركبة عظمة السلطان، فلما اقترب الموكب من البيت الذى استأجره ألقى على العربة قنبلة من الدور الأوسط، أى الثانى، بعد أن أشعل الفتيل الذى يوصل النار إلى داخل القنبلة، وفى الحال صعد إلى سطح المنزل واجتازه إلى سطح منزل آخر مجاور له ولاذ بالفرار تاركا فى الغرفة بقية سجارة مشتعلة وقنبلتين آخرين عثر عليهما البوليس بعد ذلك، وفى أثناء خروجه من مدخل ذلك المنزل التقى بعض النساء فحياهن بهدوء وسكينة فظننه أحد أقارب صاحب البيت، أما القنبلة التى قذفت على المركبة فلحسن الحظ لم تنفجر وقد أصابت عريش المركبة فأجفل الجوادان اللذان يجرانها فسقطت على الأرض، ويقال إن عظمة السلطان لم يشعر ولا شعر أحد سواء غير سائق المركبة بما جرى».

والملفت فى تلك القصة أن الجريدة استخدمت بعض المصطلحات التى استخدمتها جريدة الجمهورية فى أكتوبر عام 1954 حين تمت محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، فمثلما كتب: «العناية الربانية تصون عظمته وتحرس شخصه الكريم رغم أنف الماكرين المارقين وترد كيدهم فى نحرهم»، كتب أيضا: «العناية الإلهية تحرس جمال عبد الناصر»، وكما تم التأكيد على الالتفاف الشعبى حول الملك قائلين: «ازدحمت سراى رأس التين العامرة بالإسكندرية بوفود المهنئين من كبار الأعيان والتجار والموظفين» فقيل فى الجانب الآخر: «ربع مليون مواطن يلتفون حول جمال بعد الحادث».

وتعود واقعة محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر فى المنشية، إلى سماع دوى إطلاق الرصاص، أثناء إلقاء «ناصر» لكلمته، فكانوا 8 طلقات، وساد الهرج بعدها فأمسك الرئيس الميكروفون يردد فى كلمات مرتجلة: «أيها الأحرار حياتى فداء لكم، دمى فداء لمصر، أيها الرجال.. أيها الأحرار أتكلم إليكم بعد أن حاول المغرضون الاعتداء على، فدمى فداء لكم وحياة عبد الناصر ملك لكم».

وركزت الجمهورية مانشيتها الرئيسى لقول الرئيس: «إذا مات جمال أو قتل فامضوا إلى الأمام فكلكم جمال عبد الناصر»، والملفت للأمر فى جرائد تلك الفترة هو افتضاح أمر الإخوان المسلمين وقيامهم بتلك العمليات الإرهابية، وكأن التاريخ يعود من جديد حاليا، الأمر الذى يوضح حقيقة تلك الجماعة، ليتصدر المانشيت الرئيسى: «الشهود على المتهم من الإخوان المعترفين».

«سفاح كرموز».. امتداد ريا وسكينة فى الإسكندرية

«سفاح كرموز لا يريد الموت» بذلك المانشيت الكبير خرجت جريدة المصور عام 1953 تبرز أخطر قضية عرفها المجتمع المصرى والإسكندرية نهاية الأربعينيات وأول الخمسينيات من القرن الماضى، حيث تم الحكم على ذلك السفاح بالإعدام بينما يحاول شقيقه إيجاد دليل براءة له مع أحد الصحفيين.

وتعود قصة السفاح إلى شاب يدعى «سعد إسكندر عبد المسيح»، أو كما يشتهر «سفاح كرموز»، ذلك الشاب الوسيم الطيب، صاحب الشخصية الجذابة، كان يعمل مع شقيقه فى مصنع صغير للغزل والنسيج، كان يمتلكه الأخ الأكبر، وتعرف هناك على أرملة ثرية، وصارت بينهما علاقة غرامية، وبعد أن أعطته كل ما تملك، وأمنته على مكان الأموال التى تمتلكها، فى إحدى الأمسيات الغرامية باغتها «سعد إسكندر» من الخلف بطعنات نافذة أودت بحياتها على الفور، وسرق المال، ونزح إلى الإسكندرية، وكانت هذه الجريمة الأولى لسفاح «كرموز».

فيما بعد استأجر «سعد إسكندر» مخزنا صغيرا للقطن وغزل النسيج فى أحد أحياء «كرموز» الذى حوله فيما بعد إلى مسرح لجرائمه التى ارتكبها، ومقبرة لبعض جثث ضحاياه التعساء من الفتيات التى كانت تقع فى براثن غرام هذا الوحش الوسيم، وبعد تعدد الحوادث لاحظت الشرطة اختفاء الفتيات بمعدل فتاة كل أربعة أو خمسة أيام، دون وجود أى أثر لإحداهن حية أو ميتة، مما أثار هذا الموضوع الرأى العام كله، وانتشر الرعب شهورا فى أحياء «كرموز»، خاصة أن مثل تلك الأحداث كانت تتكرر على يد السفاحتين الشهيرتين «ريا وسكينة».

واستمر السفاح فى هوايته حين قتل سيدة عجوز تسكن بجوار شقة عشيقته، وما إن خرج من عندها بعد مقتلها ليجد فتاة تدعى «قطقوطة» تقيم فى الطابق الأرضى من المنزل، سمعت صوت صرخة السيدة المقتولة وجاءت لمعرفة السبب، فسألته عنها، فأجابها: «اطمئنى إنها تصلى فى الداخل»، وأشار إليها بالدخول، وما أن تخطت عتبة الباب وأدارت ظهرها له حتى هوى على رأسها بالساطور، فسقطت على الفور غارقة فى دمائها، وهرب السفاح من المنزل دون أن يراه أحد.

إلا أن القدر أمد فى حياة تلك الفتاة لتعترف عليه، إلا أن التضارب فى الأقوال أخرجته من تلك الكارثة، ولكنه عاد يمارس جرائمه فقتل تاجر أقمشة فى أكتوبر 1951 دون أن يفتضح أمره، إلا أن المحاولة التالية فى نوفمبر من ذات العام كانت الخيط الذى ربط رقبته بحبل المشنقة، حين حاول قتل تاجر الحبوب الذى استطاع الإفلات منه، وهو مصاب بجرح نافذ، وركض محاولا الهرب إلى الصالة غير المغطاة خارج الشونة، فأسرع السفاح خلفه وأجهز عليه، لكن أحد العمال رأى ما حدث، وهو راقد فوق سيارة نقل مرت بالمصادفة أمام الشونة فى ذلك الوقت، فأبلغ العامل الشرطة عما رأى، فأسرعت الشرطة إلى المكان، ووجدوا الضحية رجلا غارقا فى دمائه، واختفى السفاح، إلا أنه قُبض عليه فى كمين شرطة أثناء محاولة هروبه إلى مسقط رأسه أسيوط.

وتعد أغرب صفحات تلك القضية، حين نشرت جريدة «المصور» مانشيت بعنوان: «مجلس الدولة يفتى بتغذية سفاح كرموز صناعيا» وذلك بعدما أضرب ذلك السفاح عن الطعام لمدة 19 يوما وذلك بهدف الموت لأن النيابة أبطأت فى تحقيق دفاعه عن نفسه بعدما عثر على عقد تأجير «شونة» كرموز يحمل توقيع «حسبو عبد النبي» والذى ما يزال مصرا على أنه هو الذى أرتكب الحوادث وهو منها برئ، وذلك بحسب تصريحات «سعد إسكندر» لتلك الجريدة حينها.

الشواطئ كاملة العدد بـ«المايوهات» .. و25 قرشا «مهر» عمارة على البحر

بينما يترجل الزائرون على معرض «الإسكندرية فى صحافة البلدية.. أحداث وتواريخ فارقة» تجد أعينهم تتطلع إلى صور الجرائد الخاصة بشواطئ الإسكندرية، فالمنظر قد تغير عد قرابة 100 عام، فـ«المايوهات» تغازل الرمال والابتسامة تعلو الوجوه، وفتاتان تمسكان فتاة ثالثة تحت شعار «هيلا هوب» فيكتب صحفى الجريدة حينها: "تمكنا من صاحبتهما، فأمسكت واحدة يديها والأخرى بساقيها تمرجحانها ليقذفا بها إلى الماء"، فيما كُتب تعليق على صورة أخرى تحت عنوان «فترة انتظار» ليقول الصحفى: «استندت براحتها على الصخر ووقفت تشاهد المستحمين قبل أن تنضم إلى محيطهم لتأخذ نصيبها من السباحة»، الأمر لذى أعجب رواد المعرض وجعلهم يشعرون أن شواطئ الإسكندرية كانت على غرار أى شاطئ فى أوروبا.

ووسط حالة الجمال التى ترصدها صحيفة المصور حينها، برزت أكبر مشكلة والتى تمثلت فى مانشيت رئيسي: «4000 مصطاف يتصارعون على 38 كابينة» الأمر الذى لم يجدوا له حلا حينها سوى تركه لمدير البلدية ووكيلها لتوزيع الكبائن، بينما رصدت الصحيفة فى ذات التقرير عدد المخلفات الذى بلغ 4500 مخالفة كان بعضها نتيجة إحياء سهرات فى الكبائن "غير بريئة" على حد وصفهم، فيما تم تخصيص صفحة كاريكاترية عن المصطافين فى شاطئ سيدى بشر وسط الأحكام العرفية فى البلاد حينها.

ومن الشواطئ والمصيف، إلى الإعلانات التى كانت الصحافة لها فى ذلك الوقت هى الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الجمهور، فكان أغرب تلك الإعلانات هو إعلان يانصيب عام 1928 لعمارة مواساة محطة الرمل والتى تقع بجوار فندق سيسل حاليا، حيث كتب أعلى الإعلان: «مهرها 25 قرشا وإيرادها 210 جنيهات فى كل شهر.. ربنا يجعلها من نصيبك»، ويبرز الإعلان قيمة وتفاصيل تلك العمارة المكون من 10 طوابق بمجموع 29 شقة و4 دكاكين ويبلغ ثمنها 25 ألف جنيه ودخلها 210 جنيهات فى الشهر، أى 7 جنيهات يوميا.

فيما تتميز إعلانات تلك الفترة بانتشار الدعاية لمحلات ومصانع الملابس فتجد إعلانات «محلات حسن منصور»، «قمصان الشوربجي»، «عمر أفندي»، بالإضافة إلى إعلانات رحلات الطيران المختلفة لأوروبا الأمر الذى يدل على حركة التنقل بين مصر وأوربا حينها، فأبرزها رحلات جنيف وزيورخ التى كانت تستغرق 6 ساعات حينها، و«رحلات سعيدة بطائرات سعيدة» ذلك الإعلان الذى نشر أسعار الرحلات، فتكلفة أثينا 21 جنيها، وروما 41 جنيها، وميلان 47 جنيها، وميونخ أو فرانكفورت 62 جنيها.

ولم تقتصر الإعلانات على ذلك فحسب، بل كان لسوق البيرة نصيب بسبب انتشار الأجانب فى مصر أبرزها «لاونبراو.. أشهر بيرة واردة من ميونخ»، وإعلانات السيارات أشهرها «كريزلر بليموث» والذى نُشر إعلانها تحت عنوان: «السيارة التى أقامت عالم الأوتومبيل وأقعدته».

استاذ تراث: الصحف القديمة تعكس وضع المجتمع

قال الدكتور إسلام عاصم، أستاذ التراث بالمعهد العالى للسياحة والفنادق، والقائم على المعرض، إن الإسكندرية كانت مسرحا لمحاولات الاغتيال؛ وذلك يرجع لكونها العاصمة الثانية، بالإضافة إلى طبيعة شعبها المتسامح والمتجانس والذى ليس له طابع سياسى بصورة أو بأخرى، لذا تجد أن الإثنين اللذين حاولا الاغتيال ليس من أهل الإسكندرية، بالإضافة إلى سهولة معرفة خط سير الحكام.

وأوضح "عاصم" فى تصريحات خاصة لـ«اليوم الجديد»، أن ما يخص صور وأشكال الشواطئ، هو أمر ينعكس على اختلاف النسيج المصرى، فتلك الصور ليست للمصريين بل للأجانب الذين كان يعيشون فى الإسكندرية وقتها، ونسبة المصريين منهم لا تتعدى الـ2% وهم من الطبقة الراقية من المجتمع السكندرى.

وأضاف أن الإعلانات المبعثرة فى الصحف حينها، هى مدلول ما يهتم به المجتمع فى تلك الفترة ومؤشر على الإنتاج، لذا تدل إعلانات الملابس على أناقة المجتمع المصرى، بالإضافة إلى انتشار إعلانات البيرة، والتى ترجع للطبقة المثقفة من الأجانب.

 وأشار إلى أن المعرض تم العمل عليه منذ 3 أشهر، وبمساعدة 16 شابا وشابة، ويمتد فترة العرض لمدة 10 أيام مع إمكانية مدها فى حال كان هناك إقبال ورغبة لدى الجمهور السكندرى لذلك، لافتا إلى أن مكتبة البلدية المغلقة منذ زمن هى أول مكتبة تعرفها الإسكندرية، ويعود تاريخ إنشائها إلى آخر القرن التاسع عشر، فمنذ عام 1892، أى منذ إنشائها ومكتبة البلدية تحتفظ بالنُسَخ اليومية من أهم الصُحف المصرية.

اليوم الجديد