لماذا ينتظر المسيحيون في مصر شهر رمضان؟

أرشيفية

5/9/2019 1:05:18 PM
505
تقارير وتحقيقات

 حاتم صادق

تستطيع أن تقول بكل ثقة واطمئنان أن شهر رمضان في مصر وغيرها من دول العالم هو شهر الوحدة الوطنية بامتياز، وعلى سبيل المثال فالراصد الجيد لواقع المجتمع المصري، يكتشف بسهولة ويسر أنه بقدر ما ينتظر المسلمون شهر رمضان بكل روحانياته وجمالياته وخيراته، فإن المسيحيين بالمثل ينتظرون قدومه للمشاركة في تقاليده وعاداته الاجتماعية المحببة والمألوفة كتبادل الزيارات وإحياء السهرات وتذوق المأكولات والمشروبات وتناول ما لذ وطاب من الحلويات الشهيرة والمميزة والمرتبطة بشكل خاص بالشهر الكريم، إضافة إلى تعبيرهم عن بهجتهم وسرورهم بالحالة الرمضانية التي تكتسي بها الشوارع والميادين والساحات ، حيث التواجد البشري المتواصل حتى مطلع الفجر ، مما يعطي شعورا هائلا بالأمن والأمان .

ولك أن تتأمل تلك الكلمات المعبرة  للسيدة مارجريت عاذر، السياسية المسيحية المعروفة  حيث تقول : "أذان المغرب من أسعد أوقاتي فى رمضان، حيث أشعر بوحدة المصريين، والجميع يتناولون الإفطار فى وقت واحد، دون تفرقة بين غنى وفقير، وصلاة التراويح أيضا من الأشياء التي تسعدني فى هذا الشهر الكريم، لما تتميز به من روحانيات عالية.

وأحب أن أقول إن شراء فانوس رمضان ليس قاصرا على المسلمين، بل إن إخوانهم المسيحيين يشاركونهم فرحة شرائه، ويتبادلون العزومات مع بعضهم البعض، حيث لا التفرقة بين مسلمين ومسيحيين، لأن الجميع أبناء وطن واحد.. وفى طفولتي عشت أجمل أيام حياتي مع أسرتى الصغيرة، وكانت خدمة الجماهير من دوافع اتجاهى للعمل السياسي المليء بالصعاب والمناورات."

ومن خارج مصر ، نجد القس الفلسطيني  حنا كتناشو يكتب مقالا عبقريا وهو العميد الأكاديمي لكلية بيت لحم،يسأل في بدايته  :كيف يتعامل أتباع السيد المسيح مع شهر رمضان وصوم واحتفالات أحبائنا المسلمين؟

وقبل أن يجيب، يصف الرجل شهر رمضان بأنه "هو المؤتمر الروحي السنوي للمسلم. إنه النهضة الروحية الإسلامية إذ يسعى المسلم إلى طلب طهارة الفكر والعمل. يصوم المسلم كل شهر رمضان ممتنعا عن الطعام والشراب من الفجر إلى الغروب، ويسعى المسلم إلى قراءة كل القرآن في شهر رمضان وإلى مساعدة الفقراء والمحتاجين. ونحن كمسيحيين نقدر ونثمن الأعمال الحسنة التي يقوم بها المسلمون. في ذات الوقت نلتزم بما يعلمه الكتاب المقدس وبتعاليم السيد المسيح الذي يتحدث بوضوح عن الأعمال الحسنة والصوم والصدقة والصلاة. انظر على سبيل المثال لا الحصر ما يقوله إنجيل متى عن الصدقة والصلاة ، والصوم. ونرغب كمسيحيين في بناء الجسور مع المسلمين بدلا من بناء الحواجز والتعصب".

وفي محاولة شجاعة وجريئة ومستنيرة للإجابة على السؤال الذي استهل به القس حنا مقاله :

" كيف نتفاعل كمسيحيين مع شهر رمضان؟ لا اقصد هنا التفاعل من منظار اجتماعي فحسب بل أيضا من واقع التزامنا وعلاقتنا بالسيد المسيح. هل يجب أن نقيم وجبات إفطار مشتركة بين المسيحيين والمسلمين كما يفعل بعض المسيحيين؟ أم أن الكتاب المقدس يمنع هذا الأمر؟هل يجب أن نتجاهل ما يدور حولنا من احتفالات إسلامية وندين هذه الاحتفالات لأنها لا تتوافق مع معتقداتنا؟ هل نتكلم عن هذا الموضوع أم نلتزم الصمت؟ هناك بعض المبادئ في الكتاب المقدس التي قد تساعدنا في تطوير علاقة صحية مع مجتمعنا الإسلامي.

أولا، يتحدث سفر الأعمال عن التفاعل الذي كان بين بطرس المسيحي وكرنيليوس الأممي الذي كان يصنع حسنات كثيرة ويصلي إلى الله في كل حين. أدرك بطرس أن كرنيليوس إنسان مثله ، فكلاهما متساو أمام الله في الناسوت. كلاهما مخلوق من نفس الخالق. وهذا ينطبق بدون شك على أخوتنا المسلمين الذين نشترك معهم في اللغة وفي العديد من القيم المشتركة. فهم إخوتنا في الخلق وفي العيش المشترك في هذا البلد.

ثانيا، يجب أن نتمثل ببولس الرسول إذ أبرز القاعدة اللاهوتية المشتركة قبل أن يتحدث عن الفروقات العقائدية. فربما نؤكد حقيقة الإله الخالق وواهب الحياة للمسلمين والمسيحيين . ولا ضير من استخدام القرآن أو الأحاديث الإسلامية كما استخدم الرسول بولس أقوال شعراء أهل أثينا.

ثالثا، يجب أن نشهد أن لهم غيرة لله كما شهد الرسول بولس بغيرة اليهود إذ قال: "أشهد لهم أن لهم غيرة لله"  فأحبائنا المسلمون يصلون في المساجد وأحيانا في الشوارع أمام جميع الناس. ويصومون ويجتهدون في ممارسة شعائرهم وفي دعوة الناس إلى الصلاة كل يوم عبر مكبرات الصوت. ويعلقون اللافتات الكبيرة في الشوارع ليؤكدوا إيمانهم ولينشروا الآيات القرآنية. ويعلقون الآيات القرآنية في بيوتهم وفي محلاتهم التجارية. يبدو لي أنهم يريدون أن ينشروا دينهم وفكرهم في كل مكان بسبب غيرتهم على معتقداتهم وتمسكهم بها بشدة. وأحيانا، أصلي إلى الله أن يمنحني ويمنح كنائسنا غيرة مثل المسلم الذي يتكلم ويعبد الله بجهارة أمام كل فئات المجتمع."

ويواصل يوحنا كلامه وإجابته بشكل أوضح و أكثر تفصيلا :

"... أقدم فيما يلي بعض الأفكار البسيطة التي تحتاج إلى تفاعلكم لننمو معا في خدمة الله وفي الحفاظ على النسيج الاجتماعي في بلادنا. أولا: يجب أن نبحث عن المصطلحات اللغوية واللاهوتية المشتركة التي تساعدنا في التواصل مع ابن بلدنا المسلم.

ثانيا: يجب الخروج من القلعة الفكرية التي وضعنا أنفسنا فيها والانفتاح على التفاعل مع الآخر من خلال التعرف على أحبائنا المسلمين وعلى أفكارهم. ثالثا: علينا التفكير والصلاة وعقد المؤتمرات المتخصصة التي تضع استراتيجيات جديدة في تفاعل كنائسنا مع أبناء بلدنا المسلمين. فكيف نحبهم؟ وكيف نخدمهم؟ وكيف نكون نورا وملحا في حياتهم؟

ثم يختم القس المستنير كلامه بتلك الكلمات العاقلة والمعقولة :

"نعم، جاء شهر رمضان. وأنا أقول لكل المسلمين والمسلمات في هذا العيد أفرح لفرحكم وكل عام وأنتم بخير وأدعو الله أن يرعاكم ويُنعم عليكم ببركاته. أؤكد محبتنا لكم دون إنكار الفروقات العقائدية بيننا."

انتهى كلام القس الجميل ..وكل سنة و المسلمين والمسيحيين بخير و في مودة وحب وسعادة، وفي بحث دائم عن الكلمة السواء والمشترك الإنساني..وأن يحقق الله بنا و فينا تلك الصورة البديعة التي رسمها بكلماته الشيخ أحمد حسن الباقوري: " المسلم والمسيحي في مصر يعيشون معاً في تداخل كسواد العين وبياضها " .

اليوم الجديد