نفط سوريا.. «التورتة» التي يرفض ترامب التخلي عنها

صورة أرشيفية

11/4/2019 6:44:28 PM
223
بلاد بره

جمال بيومى: قرارات ترامب عودة لعصر الغاب والقرصنة الدولية ترامب يرفض استخدام أموال النفط فى إعادة إعمار سوريا 75%  من احتياطى بترول سوريا فى حقول دير الزور 62 مليار دولار خسائر سوريا من سرقة النفط

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

تتخذ السياسة الأمريكية فى المنطقة نمطا ثابتا، فتتدخل فى الشؤون الداخلية للدول العربية تحت غطاء حفظ الأمن والسلم، ولكن سرعان ما تظهر أهدافها الحقيقة الساعية إلى تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية الخاصة.

فعندما كانت إدارة "بوش" تستعد للغزو على العراق أوائل عام 2003 بغرض تحقيق السلم وإبعاد صدام حسين عن السلطة، وضع  المخططون فى وزارة الخارجية الأمريكية النفط فى صدارة مهمتهم، ودعوا إلى إعادة هيكلة جذرية لصناعة النفط العراقية.

وأكدوا أن الهدف الأساسى من الحرب يتمحور حول فتح صناعة النفط فى البلاد أمام شركات النفط الدولية، حيث قامت الحكومة العراقية قبيل الغزو الأمريكى بتأميم صناعة النفط وإغلاقها بالكامل أمام شركات النفط الغربية، حسبما أفادت شبكة "سى إن إن الأمريكية.

واستمرت إدارة أوباما فى الضغط على الحكومة العراقية، حتى تمكن عدد كبير من الشركات الأمريكية  من توقيع عقود مع الحكومة العراقية للاستثمار فى النفط، وتمكنت شركتى إكسون موبيل وأوكسيدنال من تطوير ما يقرب من ثلث إنتاج العراق من البترول بحلول عام 2009.

وتحدث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عن استيلاء الولايات المتحدة الأمريكية على النفط الأجنبى لأول مرة فى أبريل 2011، حيث انتقد قرار أوباما الخاص بالانسحاب من العراق، وأعرب مرارا وتكرارا على رفضه لهذا القرار، فكتب عبر حسابه الرسمى بموقع التدوينات القصيرة "تويتر" عام 2013، "ما زلت لا أستطيع أن أصدق أننا تركنا العراق من دون النفط"، حسبما أفادت مجلة "التايم" الأمريكية.

و فى هذا السياق صرح السفير جمال بيومى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ" اليوم الجديد"، بأن البترول جلب للعالم العربى الكثير من المصائب، فجذب الأطماع تجاه المنطقة العربية، وكان سبب فى كافة حملات الاستعمار التى حدثت بسوريا وليبيا والعراق، والتى لم يكن غرضها ترسيخ الديمقراطية أو الحفاظ على حقوق الإنسان، وإنما سرقة ثروات الدول العربية.

وأجرى مركز أبحاث "فورين بوليسى إن فوكس" بواشنطن، دارسة أكد فيها  أن تصريحات "ترامب" الأخيرة حول النفط فى سوريا تعرض رغبته الكامنو فى الاستيلاء على نفط المنطقة.

وقال الرئيس الأمريكى قبيل حملته الانتخابية عام 2015، فى إطار حديثه عن القضاء على تنظيم داعش، " سأستهدف المصادر الأساسية لثرواتهم "النفط"، وسأقوم بعد ذلك بتسليم النفط لبلادنا".

وأشار إلى نقطة مماثلة فى خطاب حملته الأنتخابية، قائلا "سأخرج القذيفة من مصافى التكرير، ثم تقوم شركات النفط الأمريكية بإعادة بنائها لصالح الولايات المتحدة، وصرح خلال خطابه فى وكالة المخابرات المركزية، قائلا: كان من الواجب أن نبقى على النفط بالعراق، وربما تكون لدينا فرصة أخرى.

صرح الرئيس الأمريكى فى كلمته التى ألقاها بالبيت الأبيض حول الإعلان عن مقتل أبوبكر البغدادى، زعيم تنظيم داعش، الأحد الماضى، بشأن النفط السورى "لقد أخذناه ونقوم بتأمينه"، مضيفا أنه يعتزم أن يعقد صفقة مع شركة إكسون موبيل أوإحدى شركات النفط الأمريكية الكبرى للعمل فى الحقول السورية وإدارتها، ومؤكدا أن الولايات المتحدة مسؤولة الآن عن مصير النفط.

وقال "ترامب"، خلال اجتماعه برؤساء الشرطة فى شيكاغو، الإثنين الماضى: "نحن نبقى على النفط، لقد أكدت دائما على ضرورة الحفاظ على النفط،  فالحفاظ على النفط يعادل الحفاظ على 45 مليون دولار شهريا، وفقا لصحيفة "يو إس إيه" الأمريكية.

وادعى، أن الحكومة العراقية أعطت إذنا لشركات نفط أجنبية غير أمريكية لتطوير عقود النفط  فى البلاد، لذا فإنه يعتزم ضمان هيمنة الأعمال الأمريكية على المنشأت السورية على الأقل.

كيف تمت إدارة حقول النفط منذ اندلاع الحرب السورية حتى الآن؟

قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، أنتجت الحقول السورية نحو 38500 برميل نفط يوميا، ولكن مع انزلاق البلاد إلى حالة الحرب سيطر تنظيم داعش على حقول النفط، وساعدته العائدات على تمويل عمليات المجموعة الإرهابية، حسبما أفادت مجلة "التايم" الأمريكية.

وأفادت قناة "العربية" فى تقرير لها، بأن تقدير عائدات النفط السورى لداعش تراوحت بين 1.2 إلى 3 ملايين دولار يوميا.

وفى هذا السياق صرح الدكتور ماك شراوى، المحلل السياسى وعضو الحزب الديمقراطى الأمريكى، لـ«اليوم الجديد»، بأن آبار النفط فى سوريا تتركز فى المنطقة الشرقية شرق الفرات، وخاصة بمنطقة دير الزور، وهى المنطقة التى سيطر داعش على آبار البترول الغنية بها، وكانت تبيع البترول بأثمان باخسة الثمن، وأن الرئيس رجب طيب أردوغان وصهره كانا ينتهزان  هذه الفرصة، عبر شراء البرميل بخمسة دولارات من مقاتلى داعش، وبالتالى كان لتركيا مميزات كبيرة جدا.

وصرح مصدر مطلع لقناة العربية، بأن مجلس الأمن الدولى أجرى تحقيقات سرية فيما يتعلق بشراء تركيا للنفط من داعش، قامت على إثرها الحكومة التركية بالإعلان عن مصادرة 80 ألف برميل من نفط داعش كانت ستهرب من ميناء تركى لصالح شركة صينية، كما قامت بتدمير أربعة أنابيب لنقل النفط على الحدود، كانت تستخدم فى بيع النفط السورى والعراقى.

وقال "شرقاوى"، إنه بعد أن سلحت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية وكونت جيش "قسد"، وأنفقت حينها ما يقارب من 70 مليون دولار على تسليح وتدريب هذه القوات التى يتراوح عددها بين 30 إلى 50 ألف مقاتل، وأحكمت سيطرتها على المنطقة.

سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على معظم حقول النفط منذ عام 2017، بعد أن هزمت داعش بدعم من الولايات المتحدة، وباعت برميل النفط الخام بـ30 دولار يوميا، وحققت عائدا وصل لـ 10 ملايين دولار شهريا، ورغم هذه العوائد إلا أن وزارة النفط السورية، أكدت أن النفط كان أكثر القطاعات تضررا خلال الحرب الأهلية، ووصلت خسائره إلى ما يقرب من 62 مليار دولار حتى عام 2017، حسبما أفاد موقع "شبكة المحطات الإذاعية العامة الأمريكى ، هاى بلانس بابلك راديو".

وتعهد "ترامب" بأنه لن يسمح لداعش بالسيطرة على حقول النفط مجددا، مضيفا "النفط غذى داعش وعملياته، ويجب أن نأخذ حصتنا الآن"،  وقال فى خطابه الأحد الماضى، إن ما ينوى القيام به أن تقوم شركة إكسون موبيل أو أى شركة نفط أمريكية كبرى بالعمل  بالحقول السورية بشكل صحيح وتوزيع الثروة.

وقال مساعد وزير الخارجية الأسبق فى إطار تصريحاته لـ«اليوم الجديد»، إن قرار ترامب قرصنة دولية، وعودة لعصر الغاب والاستعمار ذات الوجه المكشوف، فهذا هو الوجة القبيح للسياسة الدولية فى أسوأ صورها.

وأرسلت أمريكا تعزيزات عسكرية جديدة لسوريا، الإثنين الماضى، واتجهت إلى القواعد الأمريكية قرب حقول النفط بدير الزور والحسكة، وأكدت وكالة الأنباء الرسمية "سانا" أن ما يقرب من 170 شاحنة و17 عربة مدرعة دخلت البلاد من شمال العراق عبر معبر سيمالكا، وهى القوات الأكبر من نوعها منذ عدة أشهر.

وتمتاز المنطقة الشرقية التى تسيطر عليها القوات الأمريكية، حاليا، بتركز أغلب النفط السورى، حيث أكد موقع "أويل برايس"، أن ما لا يقل عن 75% من احتياطى النفط السورى يوجد بالحقول المحيطة بمحافظة دير الزور شرق البلاد.

هدف ترامب من السيطرة على حقول النفط

صرح بريت ماكجوريك، المبعوث الأمريكى الرئاسى الخاص للتحالف الدولى لمكافحة داعش، بأن الطريقة القانونية الوحيدة لجمع الأعمال من حقول النفط السورية، تتضمن إنشاء حساب ضمان بالتعاون مع روسيا والحكومة السورية، حيث يتم وضع العائدات بحساب ضمان يستخدم فى إعادة إعمار سوريا فى مرحلة ما بعد الحرب، ولكن روسيا لم تبدِ اهتماما بالأمر، كما أن ترامب لم يعرب عن نيته فى استخدام عائدات النفط لإعادة إعمار سوريا.

وقال آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، إنه يعتقد أن الهدف الحقيقى لترامب هو إبعاد النفط عن قوات الأسد وليس عن داعش؛ لمنع سوريا من استخدام عوائد النفط فى إعادة بناء البلاد، وضمان استمرار بقاء سوريا عبئا ماليا على حليفتها إيران، فضلا عن إجبار نظام الأسد وحلفاؤه الروس على قبول  المطالب الأمريكية أثناء تسوية النزاع، حسبما أفادت "رويترز".

 هل توافق الشركات العالمية على العمل فى الخطر؟

أفادت صحيفة "نيو يورك تايمز" الأمريكية، أن خبراء الطاقة والأمن يؤكدون أن الشركات الأمريكية لن تهتم بالعمل فى بيئة ذات مخاطر كبيرة وأرباح محدودة، ذلك لأن إنتاج النفط السورى كان متواضعا فى أوج أوقاته، فضلا عن التحديات اللوجستية التى تفرضها البينة التحتية التى دمرتها الحرب وخطوط الأنابيب التى تمر بمناطق محفوفة بالمخاطر، والتى دمرت القوات الأمريكية جزءا منها أثناء استهداف داعش.

واعترف الرئيس الأمريكى أن البنية الأساسية للنفط فى سوريا تتطلب تحسينات هائلة كى تصبح جاهزة للتشغيل ومربحة، وأكدت صحيفة "يو إس إيه توداى"، الأمريكية، أن أحدت التقديرات تشير إلى أن إعادة بناء صناعة النفط السورية ومحاولة استعادة الحقول سيتغرق خمسة سنوات على الأقل.

وقال مساعد وزير الخارجية الأسبق، فى إطار تصريحاته لـ«اليوم الجديد»، أن الشركات تعمل فى ظل المخاطر أو غير المخاطر؛ لأن المكافأة كبيرة، فهم يقومون بنهب أموال وثروات دول أخرى دون دفع حقوق الشعوب التى يأخذون النفط الخاص بها.

وأكد الدكتور ماك شرقاوى، فى إطار حديثه مع «اليوم الجديد»، أن شركة إكسون موبيل، ستمارس عملها فى شمال شرق سوريا، إذا كانت هناك قوات أمريكية لحماية أبار البترول وضمان عدم وقوعها مرة أخرى تحت سيطرة داعش، مضيفا أنه قد تكون هناك صعوبات لتهدم البنية التحتية، ولكن من المؤكد أن عائدات النفط من هذه الأبار سوف تغطى الكثير من هذه النفقات.

هل يتمكن داعش من استعادة السيطرة على حقول النفط؟
صرح محلل بمجموعة الأزمات الدولية لصحيفة "يو إس إيه توداي" بأنه لا يعتقد أن تنظيم داعش لديه فرصه لإعادة السيطرة على الحقول ولكنه قادر على مواجهتها عسكريا، فيما يؤكد إبراهيم الأسسيل، الباحث بمركز شؤون الشرق الأوسط، أن داعش يفتقر حاليا إلى القدرة العسكرية اللازمة لاستعادة الحقو ولكنه قد يكون لدية قوة للقيام بذلك مستقبلا، مشيرا إلى أن مخاوف ترامب لا تقتصر على داعش فحسب، بل تمتد للخوف من سيطرة نظام الأسد وحلفاؤه مثل إيران على النفط ولا سيما أنه يخضع لعقوبات اقتصادية صارمة.

وأشار جمال بيومى، إلى أن أمريكا ليست من يمنع داعش، فيقال إن داعش إحدى مخترعات أمريكا، وأن انسحابها أو وجودها ليس ما يمنع داعش، فما يمكن أن يمنعها من إعادة السيطرة على النفط السورى، هو إقامة حكم سليم فى سوريا والعراق وحكم وطنى يكون قادر على السيطرة على مثل هذه الحركات، وليس الاستعمار الأمريكى بأى شكل من أشكاله.

وقال الدكتور ماك شرقاوى، إن الخطورة تظهر بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن مناصرة الأكراد، ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية، وسحبت القوات الموجودة فى شمال سوريا بالساحل الشمالى، وبالتالى تحول تركيزهم إلى حماية المناطق التى يسيطرون عليها من الغزو التركى، ما سمح لمقاتلى داعش المأسورين من قوات سوريا الديمقراطية بالهروب.

وأكد أن هناك أعدادا أخرى قد تسربت إلى العراق وسوريا وفقا لتصريحات قائد المنطقة المركزية للقوات الأمريكية بالمنطقة، وهذا بالتأكيد يساعد على نشاط مقاتلى داعش وإعادة إنتاج داعش مرة أخرى، وأن النفط  من أهم ما سيتجه إليه مقاتلو داعش، فيسيطرون على آبار البترول حتى يكون هناك تمويل لمقاتلى الجماعة.

اليوم الجديد