«ارجع يا زمان حِن يا ماضي».. المصريون والتراث عشق لا ينتهي

10/16/2019 8:40:25 PM
245
تقارير وتحقيقات

النوستاليجا خلقت «تجارة تراث» فى المتاجر والمقاهى مصممة أزياء: أنا مجذوبة بعشق التراث مقهى ألف ليلة وليلة حوائطه من صور فنانى الزمن الجميل حسين: المصريون يجنون إلى الماضى لأنه أفضل من الحاضر صاحب محل جرامافونات: الحاجة القديمة ليها سحرها مقهى «أم كلثوم».. ملتقى الأدباء عمره 70 عاما ثومة اجتمعت بأحمد رامى والسنباطى فى المقهى فسُمى بِاسمها جاليرى يبيع زجاجة «تراب القاهرة» بـ500 جنيه خبير نفسى: كل من يحرص على الزمن الجميل يحفظ ثقافة مجتمعه

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

كتب: منة الله سيد ودينا حلمى وهدى مدبولى وكريم أحمد

تصوير: حمزة دياب

«عشق الماضى والتراث.. حب كل ما هو قديم.. سحر الأبيض والأسود.. جمال الملابس والأنتيكات» كل ما مضى يشكل حالة تصيب الكثيرين بالهوس فيجد المرء نفسه يقع فى شباك الماضى فيتعلق قلبه بصوت ثومة أو شكل الجرامافون، أو ملابس سعاد حسنى، ديكورات البيوت القديمة بما تضمه من كلاسيكيات وأنتيكات، أو المشغولات المصنوعة من الهاند ميد، الأزياء والتسريحات والإكسسوارات التى تقتبس من الفن الفرعونى.

ساهم عشق الماضى والحنين الدائم إليه فى أن تكون هناك ما يشبه بتجارة التراث وهى باتت منتشرة حولنا، فى أكثر الأماكن فتجد تجارة الأنتيكات والمحال المتخصصة فى بيع الإكسسوارات الفرعونية، محال بيع المشغولات اليدوية" الهاند ميد"، حتى المقاهى والكافتيريات بات بعضها يستخدم الديكورات الكلاسيكية ويكسو حوائطه بصور فنانى الزمن الجميل بالأبيض والأسود، وبعضها يزيد فيجعل موسيقى وصوت أم كلثوم جزء من وجوده.

امتد عشق الماضى إلى الأسماء، فباتت المحال التجارية وبعض المطاعم والكافتيريات تختار أسماء قديمة وأحيانا أسماء مشاهير لها، كإطلاق اسم أم كلثوم ونجيب محفوظ على عدد من المقاهى والكافتيريات، كذلك استخدام أسماء فرعونية لكبار ملوك مصر القديمة فى تسمية المحال كرمسيس ونفرتيتى وكليوباترا، أو اختيار أسماء توحى بالماضى كاتياترو وروبابيكيا وغيرها.

ما الذى يجذبنا فى الماضى ولماذا نجد دائما الجمال فيه؟ لماذا يشترى البعض مقتنيات باهضة الثمن فقط لقيمتها التراثية وليس لقيمتها الفعلية فقد تكون نظيرتها بربع قيمتها أو أقل ولكن يلجأ الشخص لشراء الأقدم ودفع أربعة أضعاف القيمة وربما أكثر فقط ليقتنى الماضي؟ عن الماضى وسحره وعشق الكثيرين لامتلاكه نتحدث فى الملف التالى.

مصممة أزياء: عشق التراث دليل على الوعى   

مؤخرا ظهر عشاق الصناعات اليدوية والأزياء التراثية، فانتشرت بالتالى تلك المنتجات بالكثير من المحال وعلى صفحات الإنترنت، ما بين الأثاث المنزلى على التراث النوبى أو السيناوى، وتصميم الأزياء التراثية كالزى السيناوى أو البدوى أو الصعيدى.

وعن هذا تقول ريم شاهين، مصممة أزياء تراثية، إن التراث عشق يصيب الكثيرين وأنها إحدى المجذوبات بهذا العشق، فقد وجدت فيه جمالا حين طالعت إحدى المجلات فى صغرها وكانت تعرض بعض المشغولات التراثية، ومن يومها وهى منبهرة بهذا العالم، حتى أنها اختارت الفنون الشعبية ليكون مجال دراستها، وحاليا تعمل فى تصميم الأزياء التراثية.

وأوضحت ريم: أن الإقبال على الأزياء التراثية كان فى البداية مقتصرا على السياح الأجانب فقط وليس المصريين، ولكن مع تطور الوعى لدينا أصبح الكثير من المصريين حاليا مولعين بالأزياء التراثية ومقتنيات الهاند ميد «فحب التراث مرتبط بالوعى والثقافة»، بحسب قولها.

وأكدت، أنه بعد عام ٢٠١١ تطورت أعمال التراث، وأصبحت تشغل مساحات أكثر من خلال مسارح الشباب، كذلك انتشرت أشغال الهاند على النحاس والجلود وغيرها.

مهندسة ديكور: البعض يقتنى الأنتيكات ليتباهى بأنه من الأغنياء

ومن جانبها، قالت أمانى فتح الله، صاحبة المركز الفنى لأعمال الديكور والنجارة، إنها تعمل فى هذا المجال منذ عقود حيث أن مجال دراستها كان الهندسة المعمارية ودراسة الطراز المعمارى من عصر ما قبل التاريخ حتى عصرنا الحالى من بداية تصميم الأثاث حتى تنفيذه.

واعتبرت أمانى، أن حب المقتنيات القديمة يرجع لكونها قيمة وخامتها نادرة مشيرة إلى أن لذلك السبب فإن صناعة الشئ القديم مكلفة جدا.. خاصة لو كان ذلك الشئ يحتوى على البرونز، فإن تكلفته العالية ستجعل الراغب فيه يفضل الاستغناء عنه، بحسب قولها.

وأوضحت أن ليس كل نجار قادر على صناعة الأنتيكات، لافتة إلى أن أغلب العمال فى هذا المجال كل ما يشغلهم المكسب المادى أما أن تكون لديهم قدرة على الإبداع فهو أمر ليس منتشرا.

وأوضحت أن هناك فئتين تقبلان على شراء الأثاث التراثى أو الأنتيك؛ الأولى لديها وعى بقيمته وهذه فئة قليلة جدا، أما الثانية فهى تريد شراؤه بهدف التباهى والتفاخر بأن لديها منزل مثل منازل الأغنياء.

مقهى ألف ليلة وليلة

قابلنا محمد كمال فى الثلاثينيات من عمره، صاحب أحد المقاهى، والذى أطلق عليه اسم« ألف ليلة وليلة» واختار له ديكورا على التراث القديم، وقال لنا إن فكرة إنشاء مقهى بهذا الشكل جاءته عندما كان يجلس مع بعض أصدقائه، وتحدثوا عن رغبتهم فى أن يقضوا ولو ليلة واحدة من ليالى زمان، ولكن يمنعهم من ذلك أن الفنادق والأماكن التى تقدم مثل هذه الخدمة تكلفتها عالية جدا.

وأضاف، أنه فى يومها طرح عليهم فكرة تنفيذ مقهى فى الأحياء العادية على التراث القديم، فوجد ترحيبا كبيرا منهم وهو ما دفعه لتنفيذ المشروع، فحرص على أن تمتلئ حوائط المقهى بصور فنانى الزمن الجميل أمثال فاتن حمامة ورشدى أباظة وإسماعيل ياسين وكوكب الشرق أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب.

وأوضح أنه استكمالا للمشهد يخصص حفلة فى منتصف الليل لعرض أغانى الكلاسيكيات، كما يقدم المشاريب بالطريقة القديمة كالقهوة فى «كنكة فخار» ويجهزها أمام «الزبون» لجعله يشعر بالماضى مع رائحتها.

المهتمون بالتراث: المصرى عاشق لماضيه لأنه الأفضل

يقول كرم حسين، خريج كلية فنون جميلة وأحد المهتمين بالفن والتراث القديم، إن الشخصية المصرية تعتبر من الشخصيات الفريدة التى تتميز بالحنين المستمر إلى الماضى لما فيه من إجابيات كثيرة.

صاحب محل عطور يبيع أنواع عمرها 40 عاما فى زجاجات من الثلاثينات

ومن جانبه، تحدث أيمن منصور 40 عاما، صاحب محل «باريس للعطور الشرقية والغربية» والذى يعرض به أنواع كثيرة من العطور التى يقارب تاريخها الـ40 عاما قائلا: إنه أيضا فى مجال العطور يميل الكثيرون إلى عطر الماضى حيث يكثر الطلب على عطور معينة تجاوزت الـ40 وربما الـ50 عاما.

وأضاف، أن الأمر لا يقتصر فقط على عطر الماضى وحده بل إن الأمر امتد لبحث العميل عن شكل الزجاجات القديمة، وبينما نعرض أشكال من زجاجات العطور تتطابق مثيلتها فى الثلاثينيات وبالفعل وجدنا إقبال كبير عليها.

واعتبر أن أسباب إقبال العملاء على العطور القديمة يرجع لكونها كانت ذات جودة عالية مستطردا: العطر الذى يستطيع أن يفرض نفسه 40 عاما من الطبيعى أن يظل مطلوبا.

الجرامافون مزاج الغاوى حتى بعد اختراع الانترنت

بمجرد أن تدخل إليه تشعر وكأنك عدت 50 عاما إلى الوراء فكل ما حولك يذكرك بالماضى ويزداد الأمر مع صوت ثومة تغنى من كلمات بيرم التونسى وألحان زكريا أحمد« بالأمل.. لولاه كنت ضحية» من أسطوانة تعمل على جهاز الجرامافون.. لتطالع فجأة وجه رجل يبلغ من العمر 50 عاما يجلس وسط أنتيكاته وأدواته الموسيقية القديمة.

إنه خالد زكى صاحب محل أنتيكات بشارع المعز، اقتربنا منه ليحدثنا عن المولعين بالزمن الجميل لدرجة أنهم يشترون الجرامافون والأجهزة القديمة بمبالغ كبيرة فى عصر الإنترنت الذى من الممكن أن يستمعوا فيه لأى أغنية بضغطة زر واحدة.

يروى زكى أنه يرث مهنته الممثلة فى بيع الجرامافون، والأدوات الموسيقية القديمة التى يرجع تاريخها إلى قرن من الزمن، عن والده وجده حبا فى أصالة الفن القديم قائلا: "الحاجة القديمة ليها سحرها فى الكلام.. بتحسى إنها بتكلمك فى لغة بينك وبينها".

وأوضح أنه رغم تطور الزمن إلا أنه لن يتخلى عن مهنته، رغم قلة دخلها وارتباطها فقط «بالزبون الغاوى» مستطردا: «هفضل أشتغل فى الحاجة اللى بحبها، واتربيت عليها لأن تراثنا العظيم مينفعش ينتهى".

بالمحل يوجد راديو بلاستيك قديم بسعر 100 جنيه، بالإضافة إلى تليفون منزلى ذات القرص الدائرى، وراديو خشب 1500 جنيه، أما الجرامافون فيتراوح سعره ما بين 1800 حتى 2500 جنيه.

قهوة أم كلثوم.. عمرها 71 عاما زارتها الست فأطلق صاحبها اسمها عليها

وبينما نتجول فى أحد شوارع وسط البلد بالقاهرة، إذا بصوت الست يرتفع فاقتربنا لنعرف مصدره، فإذا بمقهى قديم يحمل اسم «أم كلثوم» يتراءى أمامنا تكتسو حوائطه بصورة ثومة تحمل منديلها المميز بين أصابعها.

التقينا بإكرامى نبيل 60 عاما المسئول عن المقهى، والذى قال لنا إن عمر هذا المكان يصل إلى 71 سنة منذ عهد الملك فاروق، وقد كانت ملتقى الشعراء والأدباء والفنانين والسائحين أيضا من مختلف البلدان.

وقال أشرف الجوهرى 50 عاما، أحد مسئولى المقهى، إن السيدة أم كلثوم كانت تتردد على المقهى هى والشاعر أحمد رامى والموسيقار رياض السنباطى، ونظرا لحب وتقدير صاحب المقهى لها أطلق اسمها عليه، موضحا أن التراث القديم يحن إليه كل من لديه ذوق راقٍ.

كليم الأحجبة يقى المصريين من الحسد

بالرغم من تطور العصر وظهور أنواع كثيرة من الأبسطة مثل السجاد وغيره بمختلف أنواعه وأشكاله، إلا أن صناعة الكليم اليدوى ما زالت تنبض بالحياة فتجمع الماضى بالحاضر، وتنقش تراث مصر وريفها من جديد على خيوطها.

يقول عصام يس، صاحب مشروع «كليم يدوى» لـ«اليوم الجديد»: إن بيع الكليم اليدوى لم يقتصر على المصريين والسوق المحلى فقط، بل إنه بات مطلوبا فى ما يقرب من 33 دولة أخرى منها روسيا وأمريكا والإمارات والكويت والسعودية وكينيا وتنزانيا.

وأوضح أن أسعار الكليم تتجاوز أحيانا الـ3 آلاف جنيه حسب الحجم والشكل والتفاصيل ونوع الصوف المستخدم، لافتا إلى اعتماده بشكل كبير على إحياء التراث فى تصميمه حتى أنه مؤخرا ظهر كليم الأحجبة، وهو عبارة عن مثلثات تشبه الحجاب الذى كان يستخدمه المصريين قديما للوقاية من الحسد، وهناك أيضا الجوبلان وهى معلقات توضع على الحائط، تصف مصر بكل ما فيها من مناطق صحراوية وزراعية والأقصر وأسوان وبيوت النوبة، وللعميل إمكانية اختيار الرسمة التى يريدها.

جاليرى يبيع زجاجة تراب القاهرة بـ500 جنيه لتوثيق الذكريات

القِلة، الزير، البلاص الذى يستخدمه الفلاحون لتخزين الجبنة والعسل، رغيف العيش، كراسى القهوة، تذاكر أوتوبيس هيئة النقل العام حين كانت سعر التذكرة 25 قرش، الطعمية، البطاطا والذرة المشوى والتين الشوكى، اسبرين ريفو الذى لم يكون يخلو منه أى بيت مصرى.. تفاصيل كثيرة مجرد رؤيتها تشعرك بقلب مصر النابض، وتذكرك بالعاصمة، وتعيدك للماضى.

كل تلك الأشياء وأكثر تجدها فى جاليرى ومعرض " Cairopolitan"، الذى استوحى اسمه من فندق "Cosmopolitan Hotel" فى وسط البلد، ويعنى المدينة الكبيرة التى تضم معالم معمارية عديدة فى إشارة للقاهرة.

بمجرد دخولك المكان، تشعر أنك فى متحف يحتوى على أدق معالم القاهرة التى أندثر بعضها، فتجد شكل مصغر للزير لكنه يستخدم كديكور يوضع على المكتب ويوضع بداخله الأقلام، أما القلة فتم أيضا تصغيرها وإعادة توظيفها لتكون ملاحة يوضع بداخلها الملح والفلفل على السفرة وفى المطبخ، أما مقاعد القهوة الخشب، والعملات المعدنية التى لم تعد متداولة مثل الخمس والعشر قروش، فجميعهم صُنعوا من جديد ليُوضع فوقهم أى كوب.

أما المنتج الأكثر جدلا فكان زجاجة تراب القاهرة، والتى تتكون من زلط، رمال شمال افريقيا، بقايا عضوية، بقايا أكل ومشروبات (كشرى، قشر لب، شاى)، حشرات، أعقاب سجائر، مسحوق عظام، نباتات متحللة، ورق، جير، فضلات المواشى والحيوانات، شعر آدمى وحيوانى، دهانات جافة، فخار، عيدان خشبية، غيار معدنى، ثانى أكسيد الكبريت، قش، حصى، فلين، عيوبنا، عادتنا، تركيباتنا صالحة لمدى الحياة، بسعر 500 جنيه.

وقد نوه الجاليرى بأن هذه الزجاجة لن يفهم قيمتها إلا من يقدر معنى توثيق الذكريات، حيث أن هذا التراب بعد مرور أزمنة سيكون آخر شئ متبقى مننا، والدليل الوحيد لمعرفة تكوين حياتنا وأرضنا ومحتواها وما تمكنا من إنتاجه. 

 فرويز: الحنين إلى الماضى سببه النوستاليجا

من جانبه، أكد دكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى، أن القديم بالنسبة لنا يشعرنا بالعظمة وفى أذهاننا هو فترة أفضل، والحنين إليه وللماضى يأتى لرغبة الناس فى عيش هذه الفترات التى لم يعاصروها، وفى كثير من الأحيان يكون الحنين للماضى سببه عدم الرضا بشكل الحياة الآن، مما يجعل استحضار صورة الماضى ترفع من الحالة النفسية.

وأرجع «فرويز»: الحنين للماضى إلى مايسمى "بالنوستاليجا"، وهى عودة الذكريات القديمة والفن الراقى القديم وهى ثقافة مصر المعروفة قديما الذى تحلى بالألفاظ السلوكية السليمة نفسيا وأخلاقيا، والتى كانت سببا فى رقى الإنسان وسمو ثقافته.

كما اعتبر فرويز، أن تطور التكنولوجيا وانتشار السوشيال ميديا ساهم فى غياب ثقافة وسلوك الزمن الأصيل، مهنئا كل من يحرص على الزمن الجميل بأنه يحفظ ثقافة مجتمعه.

اليوم الجديد