بالغاز والمدارس.. مخطط أردوغان لاستعمار المنطقة

صورة أرشيفية

10/13/2019 5:02:35 PM
261
بلاد بره

صفقة أنقرة وواشنطن لاستعمار سوريا عبدالناصر منع تركيا من اجتياح دمشق عام 1957 الأطماع التركية بسوريا تجددت منذ 3 أعوام أنقرة افتتحت مدارس ومستشفى وسوقا ومكتب بريد تدريس اللغة التركية ورفع صور أردوغان

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

كتب: ثروت منصور وأسماء رفاعي

فى الوقت الذى بدأت فيه تركيا التنقيب عن الغاز فى شرق البحر المتوسط خارج حدودها، شرعت أنقرة فى تنفيذ عملية عسكرية شمال سوريا، تحت مزاعم إقامة منطقة آمنة لعودة اللاجئين ومنع مقاتلى الأكراد من من إقامة دولة.

بداية الأطماع التركية فى شمال سوريا، تعود لعهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذى أكد كشف بنفسه أن فى 1957 قامت تركيا بتحريك قوات لها بالاتفاق مع أمريكا، من أجل احتلال المنطقة الحدودية مع سوريا، لكن تحركت مصر بإرسال قوات إلى دمشق ما دفع أنقرة إلى التراجع.

وصرح السفير جمال بيومى مساعد وزير الخارجية لـ«اليوم الجديد»، أن تركيا لها تاريخ استعمارى بالمنطقة، فاحتلت جزء من سوريا وهو لواء الاسكندرونة واغتصبته تماما، فتاريخ تركيا فى المنطقة لايشرفها ولا يجعلنا نطمئن لنواياها.

 عادت الأطماع التركية فى شمال سوريا خلال السنوات الماضية، حيث شرعت أنقرة مع بداية الأزمة السورية فى نقل المصانع والصناع السوريين من حلب إلى المدن التركية.

بدأت القوات التركية فى الدخول إلى سوريا من أجل احتلال 30 كيلومترا تمتد من أدلب حتى الحدود العراقية، وسط عجز من المجتمع الدولى على التدخل لوقف التحرك التركى الذى يسلب أرض عرابية فى وضح النهار.

الحديث التركى عن عودة اللاجئين إلى المنطقة الآمنة، خلق تخوفات لدى دوائر أمنية عربية بأن أنقرة تريد توطين اللاجئين السوريين وعناصر جماعة الإخوان المسلمين الهاربين من عدة دول حول العالم، أى إقامة دولة لجماعة الإخوان.

اجتمعت الجامعة العربية، أمس السبت، بالقاهرة تلبية لدعوة طارئة من مصر لمناقشة الأزمة السورية، وسط تأكيدت دبلوماسية بأن هناك توافقا عربيا على عودة مقعد سوريا المجمد بالجامعة.

إذاعة صوت أمريكا نشرت تقريرا، أكدت فيه أن الرئيس الروسى رسم بعض الخطوط الحمراء لنظيره التركى رجب طيب أردوغان، وهى ألا يؤدى الهجوم إلى احتلال دائم من قبل الأتراك للأراضى السورية.

تقرير لمعهد "بروكينجز" الأمريكى يؤكد أن أنقرة تعهدت لواشنطن بحراسة سجن 12 ألف عنصر من داعش موجودين فى العديد من مراكز الاحتجاز داخل سوريا،  علاوة على ذلك، هناك حوالى 58 ألف من أفراد عائلة داعش فى معسكر الهول فى شمال شرق سوريا.

وأضاف التقرير أن الرئيس أردوغان وعد بأن يعتنى جيشه بهذه المشكلة، وفى المقابل سيطلق الأمريكيون يد تركيا فى تحقيق هدفها.

 يضيف التقرير: لم يكن داعش على رأس أولويات مؤسسة الأمن القومى التركية. لا ينبغى أن يفاجأ أحد إذا أطلق الأكراد سراح سجناء داعش، وأثبتوا أن تركيا فى الواقع لا تملك القوة للسيطرة على التهديد الإرهابى الحقيقى فى سوريا".

فيما تتخوف مصر والدول العربية من أن يؤدى فرار هذه العناصر إلى عودة داعش للمنطقة، ما يهدد استقرار الشرق الأوسط من جديد ولا سيما ليبيا التى شهدت انتقال عدد من مسلحى التنظيم للقتال ضد قوات الجيش الوطنى بقيادة المشير خليفة حفتر.

تقول تقارير صحفية أمريكية، أن ترامب سيوافق على أى عقوبات سيصدرها الكونجرس إذا لم يفِ أردوغان بوعده لواشنطن وهو حراسة مقاتلى داعش ومنع فراراهم وعدم عودة التنظيم مرة أخرى فى سوريا، مشيرة إلى أن أردوغان سيكون وقع فى فخ دونالد ترامب الذى تعهد بأنه سيدمر الاقتصاد التركى إذا لم تحافظ أنقرة على وعودها.

على أرض الواقع.. يظهر أن تركيا تستهدف احتلالا دائما للأرضى السورية، على غرار قبرص المحتلة، فمنذ عام 2016 بدأت أنقرة فى بسط هيمنتها على حلب ومنبج وأدلب حيث أنشأت العديد من المدارس التى تدرس اللغة التركية ورفعت لافتات بالتركية.

فى البداية أنشأت أنقرة شبكة كهرباء فى مدينة جرابلس السورية، كما رفعت  صورة أردوغان على المستشفى الرئيسى فى هذه المنطقة، وفق تقرير نشرته "فرانس برس" فى أكتوبر الماضى.

وفى سوق أعزاز أنشأت أنقرة محال تبيع البضائع التركية من حلويات وثياب ومواد تنظيف ومشروبات غازية ومواد غذائية كالسمنة والسكر والزيت بالعملة التركية فقط فى بلد عربى.

وفتحت "المديرية العامة للبريد التركية" الرسمية  مكتبا لها فى مدينة أعزاز يعمل فيه موظفون أتراك وسوريون فى أقوى علامة على مخطط "تتريك شمال سوريا".

 وأعلنت تركيا عن إنشاء جامعة "غازى عنتاب" نسبة إلى مؤسس الدولة العثمانية، مؤكدة أن الجامعة ستبدأ بثلاث كليات فى بلدات تقع بتلك المنطقة، بحسب ما نقلت "رويترز" عن الجريدة الرسمية التركية.

وتضم الجامعة كلية للعلوم الإسلامية فى أعزاز بسوريا، وأخرى للتربية فى عفرين، وثالثة للاقتصاد وعلوم الإدارة فى الباب، ومن المقرر أن يصل عدد الكليات إلى 7 فى وقت لاحق.

وآخر خطوة تعتزم تركيا تنفيذها، هى إقامة منطقة صناعية لتوفير وظائف لـ7 آلاف شخص من الأتراك والسوريين.

غزو ثان لقبرص طمعا فى الغاز

على صعيد آخر بدأت تركيا فى التنقيب عن الغاز فى البحر المتوسط باستخدام القوة فى انتهاك واضح لحقوق قبرص ما اعتبرته نيقوسا بمثابة "غزو ثانٍ" لها.

يعود النزاع بين تركيا وقبرص إلى عهد ما قبل اكتشافات الغاز شرق المتوسط، ففى عام 1974 نظم القبارصة اليونانيون انقلابا بهدف توحيد قبرص مع اليونان، فأرسلت تركيا قوات لحماية القبارصة الأتراك، ولكن اندلع العنف بين الطوائف المختلفة بجميع انحاء الجزيرة، حتى أعلن القبارصة الأتراك جمهورية شمال قبرص التركية عام 1983، وأنشأوا نظامهم الإدارى والسياسى فى خطوة لم تعترف بها إلا أنقرة التى لم تعترف بالشطر الجنوبى كدولة.

وبدأ النزاع التركى القبرصى على غاز شرق المتوسط  منذ محاولات التنقيب عن وجود الغاز عام 2008، حيث منحت قبرص شركة "نوبل إنيرجى" ترخيصا لإجراء عمليات الاستكشاف فى محيطها الإقليمى، إلا أن البحرية التركية اعترضت سفن الشركة بدعوى أنها كانت تعمل فى المنطقة الخاضعة للولاية القضائية التركية، وفقا لدراسة أجراها مركز بروكسل للبحوث وحقوق الإنسان.

وواصلت  تركيا مضايقة السفن التى تعمل بالمياه القبرصية حتى عام 2011، حينما  أعلنت شركة "نوبيل إنيرجى" اكتشاف حقل غاز أفروديت الذى يحتوى على 4.1 تريليون متر مكعب من الغاز فى ديسمبر 2011.

وفى ضوء تزايد اكتشافات الغاز شرق المتوسط، ولاسيما حقل "ظهر" المصرى عام 2015، الذى يحتوى على 30 تريليون قدم مكعب من الغاز مما يجعله أكبر اكتشاف للغاز فى البحر الأبيض المتوسط، قامت مصر بترسيم حدودها البحرية؛ حتى لا يتم الطعن فى استخراجها للغاز من الحقول المكتشفة، بينما ظلت قبرص تعانى من أزمة الحدود البحرية المتنازع عليها مع تركيا.

وتصاعدت التوترات عندما أرسلت تركيا سفن بحرية لاستكشاف المنطقة، وتمكنت فى غضون ثلاثة أيام من إيقاف سفينة الحفر الإيطالية؛ لتكون بذلك أول مرة تعترض فيها تركيا سفينة أوروبية، ثم أرسلت السفينة "فاتح" لتكون  أول سفينة تركية للتنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، وبداية حقبة جديدة فى أهداف الحفر والتنقيب عن الغاز لتركيا، حسبما صرح وزير الطاقة التركى.

وأرسلت تركيا فى شهرى مايو ويونيو الماضيين العديد من سفن الحفر والتنقيب للمياة القبرصية للتنقيب عن الغاز، ورافق السفن أسطول من سفن البحرية التركية والغواصات والطائرات المسيرة وطائرات الدورية، حسبما أفادت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.

واشتدت حدة التوترات بين تركيا وقبرص مطلع الأسبوع الماضى، حيث أعلن صرح فاتح دونميز، وزير الطاقة التركى، أن سفينة الحفر التركية "يافوز" ستبدأ التنقيب عن النط والغاز، وأكد الأربعاء الماضى أن السفينة وصلت إلى موقع إلى موقع جوزيلورت -1، وستبدأ أعمال حفر جديدة.

وأفادت دراسة أجرها مركز أبحاث ريسيرش جيت الألمانى، بأن الاستكشافات الجديدة يمكن أن تزيد احتياطات الغاز الطبيعى المؤكدة إلى 8 مليون متر مكعب، بما سيجعلها تنافس حجم الاحتياطيات المؤكدة فى الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وأكبر من الجزائر ونيجيريا والعراق، وحوالى ثلث قطر، وهو ثالث أكبر احتياطى للغاز الطبيعى فى العالم بعد إيران وروسيا.

وذكرت أن أهمية المنطقة تختلف بالنسبة للقوى العالمية المختلفة طبقا لمصالحها المتنوعة، فيعد أمرا استراتيجيا للاتحاد الأوروبى، حيث سيسمح له بتلبية طلبة المتزايد على الغاز وتنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتماده على الغاز الروسى، وبالنسبة لتركيا فإن بناء أنابيب إيست ميد لنقل الغاز من اليونان وقبرص والاحتلال الإسرائليلى إلى الاتحاد الأوربى يقوض طموحها فى أن تصبح مركزا رئيسيا لنقل الغاز إلى أوروبا عبر روسيا.

كيف يتم حل نزاع شرق المتوسط؟

أجرى معهد الشرق الأوسط للدراسات بواشنطن دراسة فى سبتمبر الماضى، أكد فيها أن تركيا تمر بأزمة اقتصادية حادة منذ الصيف الماضى، وأن عقوبات الاتحاد الأوربى تأتى فى وقت غير مناسب لأنقرة التى قد تواجة عقوبات أمريكية لشرائها نظم الدفاع الصاروخى الروسى S-400.

وصرح السفير جمال بيومى، مساعد وزير الخارجية الأسبق لـ«اليوم الجديد»، بأن ما  قامت به تركيا عدوانا بكل معايير العدوان فى القانون الدولى، مشيرا إلى أن القوى الأوروبية والولايات المتحدة أدانت هذا العدوان، مع صمت بعض الدول مثل إيران وروسيا.

وقال مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن مجلس الأمن بإمكانه حل الأزمة، فضلا عن دور الاتحاد الأوربى، لأن قبرص دولة عضو به، وحذر الاتحاد الأوربى تركيا مرارا وتكرارا من انتهاك السيادية، وأن الأمر يحتاج وقفة من المجتمع الدولى ضد ممارسات أردوغان.

وأكد الدكتور ماك شرقاوى، المحلل السياسى وعضو الحزب الديمقراطى الأمريكى، فى تصريحاته  لـ«اليوم الجديد»، أن مصر تعتنق دائما مبدأ المفاوضات وحل المشكلات بالإجراءات السلمية، مضيفا أن الدبلوماسية المصرية من الممكن أن تلجأ إلى الأمم المتحدة وتتقدم بشكوى لمجلس الأمن ضد هذه الانتهاكات، ويمكن أيضا الدخول فى إجراءات قانونية دولية من التحكيم أو من المحكمة الدولية.

 هل يمكن أن يتطور الأمر إلى نزاع عسكرى؟

صرح الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فى يوليو الماضى، بأن  تركيا مستعدة لإعادة غزو قبرص إذا لزم الأمر، وقال خلال احتفال قبرص التركية بالذكرى الـ45 للغزو التركى، إن الجيش التركى لن يتردد فى اتخاذ نفس الخطوة التى اتخذها قبل 45 عاما إذا لزم الأمر من أجل حياة وأمن القبارصة الأتراك".

ووصفت  السلطات القبرصية هذه التصريحات بالاستفزازية، وأن تنقيب تركيا عن الغاز بشكل غير قانونى عبر مصاحبة سفن حربية وطائرات من طراز إف -16 وأخرى مسيرة لسفن التنقيب، بمثابة "غزو ثانٍ" لقبرص،  حسبما أفادت وكالة الأنباء اليونانية.

ونشر مركز أبحاث جيو بوليتكال مونيتور الكندى، دراسة أكد فيها أن محاولات تركيا للتنقيب عن الغاز والوقوف ضد السفن القبرصية واليونانية قد يؤدى لمواجهات قاتلة من شانها أن تجبر الاتحاد الأوربى وحلف الناتو على الرد بقوة أكبر فى النهاية، وأن المواجهة التركية مع الغرب ستتصاعد بسرعة شرق المتوسط.

وفى هذا السياق وأكد جمال بيومى أنه من الصعب أن يتطور الأمر لنزاع عسكرى، لأن تركيا لديها قوة عسكرية كبيرة، ولن تقدر قبرص أو اليونان على مواجهاتها، ولكن يمكن أن يتحد المجتمع الدولى ويحذرها، مشيرا أن تركيا ستخسر الكثير إذا استمرت فى هذا النزاع.

وقال الدكتور ماك شرقاوى، أن أردوغان سيفكر أكثر من مرة قبل أن يدخل فى مناوشات وصراع مع دول شرق المتوسط وخاصة مصر؛ لأن البحرية المصرية بحرية قوية، ولاسيما بعدما أتمت الأسطول البحرى الثانى لها من القطع البحرية التى أدخلتها مصر، فأصبح هناك أسطولان، وهما الأسطول الجنوبى الذى يحمى مصالح مصر فى البحر الأحمر وخاصة باب المندب، والأسطول الشمالى الآن وهو يحمى مصالح مصر بالبحر المتوسط،  وترتيبها أصبح الثامن عالميا.

 وكانت مصر واليونان وقبرص دعوا فى بيانهم المشترك عقب القمة الثلاثية بالقاهرة منتصف الأسبوع الماضى، تركيا لوقف أعمالها الاستفزازية فى التنقيب عن الغاز شرق المتوسط، وأدان البيان الانتهاكات التركية المتكررة ببحر إيجة والمياة القبرصية.

وأعلن الدكتور ماك شرقاوى أن أن مصر لها رد على هذه الإجراءات، فمصر تنظم الآن المنظمة الدولية "EMGF"، لتحول منتدى غاز شرق المتوسط لتصبح منظمة دولية مقرها القاهرة، وأبرز المؤسسين لها هم: مصر، قبرص، الأردن، اليونان وإيطاليا.

وقال "شرقاوي" إن أهداف المنظمة ستتمثل فى اجتذاب أعضاء شرق المتوسط المنتجة أو المستهلكة للغاز، ومن الممكن أن ينضم لها أيضا منظمات إقليمية أو دول أخرى أو منظمات دولية بصفة مراقب، وسيكون هناك جذب للأطراف الصناعية التى تعمل بالغاز فضلا عن اجتذاب الكثير من المستثمرين وجهات التمويل.

وأكد المحلل السياسى، أن هذه المنظمة ستساعد على خلق حوار منهجى وصياغة سياسات إقليمية مشتركة لدول هذه المنظمة، وستقدم خدمة كبيرة للحفاظ على مصالح أعضاء هذه الاتفاقية، وستؤسس سوق دولية للغاز وستكون بادرة اقتصادية تساعد دول هذه المبادرة وتساعد اقتصاداتها، وستساعد الدول المستهلكة فى تأمين احتياجاتها من الغاز، مشيرا إلى ان مخرون مجموع هذه الدول يصل تقريبا إلى  345 تريليون قدم مربع من الغاز.

اليوم الجديد