بعد عام من الفضيحة.. «نوبل الأدب» عاصفة انتقادات عالمية بدلا من «مبروك»

10/12/2019 6:59:35 PM
214
ثقافة

الفائز هاندكه معروف بتأييد مجازر الصرب للمسلمين توكارتشوك فضحت إبادة بولندا لليهود.. وإسرائيل هللت لفوزها هاندكه: أقرأ القرآن وأتحدث العربية كاتب عالمى: هاندكه «اختيار مقلق» ولديه عمى أخلاقى مروع صديق هاندكه: هو فنان رائع.. لكنه وحش أيديولوجى لاحقته نوبات خوف واضطرابات بالقلب توكارتشوك: انزعاجى من العالم أشد من المرض النفسى

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

فى كلمتها أكدت لجنة منح نوبل أن البولندية توكارتشوك فازت كونها "تستكشف عبور الحدود كشكل من أشكال الحياة." وقد وصف عمل هانديك بأنه يحمل "خصوصية التجربة البشرية من خلال البراعة اللغوية"

ولقد استغل الفوز بنوبل من قبل الكاتبة البولندية لتؤكد فى مقابلة مع صحيفة الجارديان أنها سعيدة كونها تفوز من أوروبا الوسطى، لأنها تعانى من غياب الديمقراطية، مشيرة إلى أهمية اصطفاف الناس ووعيهم فى الانتخابات المقبلة الحاسمة التى تشهدها بلادها.

وتصور روايات البولندية "توكارتشوك" بحسب الكاتبة الباكستانية العالمية رافيا زكريا "الانشقاقات التى تطارد أوروبا فى هذه الأيام، والتشاحن بين القوميين اليمينيين المتطرفين والنازيين الجدد ومناهضى الفاشيين والكوبيين" ويبدو أن اختيارها يعكس تأكيد لجنة نوبل على أهمية اليسار فى صياغة مستقبل العالم، بالنظر لكونها معارضة فى بلادها.

ويبدو أن الجائزة رفضت الاعتراف بالقيم الأخلاقية قرينة بالأدب الجيد؛ وهو ما صرح به علنا السكرتير الدائم للجائزة "ماتس مالم" قائلا أن الاختيار "على أساس جمالى وليس من اختصاص الجائزة الموازنة مع الاعتبارات السياسية".

صحيح أن هانديك كاتب أوروبى مشهور بأعماله التى تحولت للسينما، وأعماله تحظى بإعجاب النخب الأدبية، ولكن قطاعا واسعا عارض فوزه وهجر أعماله من قبل، ومنهم المفكرة الأميريكية سوزان سونتاج بعد أن قدم مسرحية "رحلة دجووت" وفيها يبرر المذابح الصربية بحق الأقليات فى البوسنة، على لسان أبطاله، وهو ما برز بشكل أكثر حدة حين دافع عن ميلوسوفيتش بطل المذابح وسار فى جنازته واصفا إياه بالإنسان المأزوم الذى يواجه فظاعات البوسنيين، بل واتهم المسلمين بأنهم وراء مذابحهم التى راح ضحيتها أكثر من 200 ألف!

فى مسرحيته "رحلة من دوغوت" يقول البطل الصربى لغريمه: "أنت تعلم أننا كنا نحميك من الأضرحة الآسيوية لقرون. وبدوننا ما زلتم تأكلون بأصابعكم"!

لا يمنع ذلك من سرور نخب وساسة بلاده بالفوز حيث أكد الرئيس النمساوى الكسندر فان دير على ذلك بالقول "لدينا الكثير لنشكر بيتر هانديك. آمل أن يعرف ذلك".

عاصفة انتقادات

 

 

انتفض العديد من الكتاب العالميين بعد فوز هاندكه بجائزة نوبل، وقال الكاتب هارى كونزرو الذى درس عمل الفائز لطلابه "إن هانديك هو خيار مقلق للجنة نوبل التى تحاول وضع الجائزة على مسارها بعد الفضائح الأخيرة". وأضاف "انه كاتب جيد يجمع بين البصيرة العميقة والعمى الأخلاقى المروع".

وقال كونزرو إنه يعتقد أن هانديك كان سيفوز بنوبل فى وقت سابق، "لو لم يقرر أن يعمل كداعية لنظام ميلوسوفيتش والإبادة الجماعية".

وفى بيان صدر يوم الخميس قالت الروائية جينيفر إيغان رئيسة منظمة الأدب وحقوق الإنسان بين أميركا: نحن نذهل باختيار كاتب استخدم صوته العلنى لتقويض الحقيقة التاريخية وتقديم العون العام لمرتكبى الابادة الجماعية مثل الرئيس الصربى السابق سلوبودان ميلوسيفيتش وزعيم صرب البوسنة رادوفان كارادجيتش". "

ونرفض القرار الذى يدعو فيه الكاتب باستمرار إلى التشكيك فى جرائم الحرب الموثقة بدقة، وهو قرار يستحق أن يحتفل به من أجل "براعته اللغوية".

وبحسب نيويورك تايمز فقد سخر الأصدقاء والمؤلفون السابقون من سياسة هانديك منذ فترة طويلة.،فى عام 2008، لاحظ الروائى جوناثان ليتل: "قد يكون فنانا رائعا، ولكن كإنسان هو عدوانى بل "وحش أيديولوجى"!

بولندا تخفى كراهية توكارتشوف

 

 

وحتى رئيس بولندا التى واجهت بشراسة الكاتبة حائزة نوبل اضطرت للتراجع بعد فوزها قائلة أن ذلك يعد "دليلا على ذيوع الثقافة البولندية حول العالم"، وتراجعت وزيرة ثقافة بلادها التى كانت قبل شهر تؤكد أنها لم تقرأ لها شيئا للنهاية فى إشارة لرداءة كتابتها لتؤكد بعد الفوز بأنه عليهم قراءة أعمالها من جديد.

عندما كانت السيدة توكارتشوك تتلقى جائزة عن عملها فى مدينة وولبرزيش فى عام 2016، غادر مسؤولو القانون والعدالة القاعة بشكل متهور.

وظلت الأحزاب تؤكد مرارا على أنها تروج لأكاذيبها بلغات متعددة، ووصفتها بـ"تراجويكزانين" - وهو مصطلح قديم الطراز للخائن - ومتحلى به القوميون اليمينيون.

ولا تتردد الروائية فى الإعراب عن مواقفها المناهضة لموقف الحكومة البولندية اليمينية المحافظة. وقالت فى مقابلة لها على التليفزيون الحكومى عام 2014 إن بلادها ارتكبت أعمالا فظيعة عبر تاريخها واستعمرت دولا أخرى، واضطر ناشر أعمالها إثر ذلك لتوفير حراسة شخصية لها لحمايتها وصرحت فيما بعد: "لقد كنت ساذجة جدا. ظننت إننا بتنا قادرين على مناقشة الصفحات السوداء فى تاريخنا".

إسرائيل تهلل لفوز توكارتشوف

ولم تمض ساعات على إعلان الفوز حتى بدأت الصحف الإسرائيلية تعيد رسم صورة حائزة نوبل البولندية باعتبارها بطلة دافعت عن حقوق الأقليات اليهودية ورفضت "معاداة السامية"، بحسب صحيفة "إسرائيل تايم" ووصفتها "إسرائيل حايوم" بأنها " كاتبة تحقق فى الفصل المظلم للتاريخ البولندى، وتهاجم القوميين".

يبدو التهليل للفائزة طبيعيا من كيان يصف نفسه بدولة قومية لليهود، ويمرر للعالم محرقة يصعب نقدها، وهى مرارا أكدت: "أعتقد أنه سيتعين علينا أن نواجه تاريخنا وأن نحاول إعادة صياغته قليلا، دون أن نخفى كل ما فعلناه كمستعمرين، وأغلبية قومية قمعت الأقليات، كأصحاب عبيد أو قتلة لليهود".

وكان تركيز لجنة نوبل مثار إشادة إسرائيلية بالإشارة لكتاب من 900 صفحة قدمته توكارتشوف باسم "يعقوب"، والكتاب يدور حول حركة باطنية يهودية تأسست على يد يهودى بولندى فى القرن الثامن عشر يُدعى يعقوب فرانك، وكيف تحولت قسرا للكاثوليكية، فأسموا أنفسهم بـ"اليهود الأخفياء" وأصبحت تعاليمهم تجميع لما يشبه الحلولية وهو حلول الإله فى المادة والإنسان!

باع الكتاب 170 ألف نسخة فى هاردباك، وفازت الكاتبة بأكبر جائزة أدبية فى البلاد للمرة الثانية، ولكنها تعرضت لرسائل بالقتل من قبل اليمينيين فى بلادها.

هاندكه بالعربية.. تعارف قديم

عديد من الترجمات بالعربية ظهرت للكاتب النمساوى هاندكه، وقد تلقفها القراء حاليا بشغف أكبر لمعرفة كيف يكتب الرجل، ورغم الانتقادات لأسلوبه مبدئيا من قبل من بعض من قرأ أعماله، باعتبارها تغرق فى الغموض والتفاصيل، ويغيب عنها تلاحم الموضوع، ولكن المبدعين أكدوا أهمية قراءته أولا قبل إصدار الأحكام.

وقدّم هاندكة خلال رحلته العديد من الأعمال الأدبية الفريدة، والتى اختار لها عناوين لافتة وجذابة، منها «قلق حارس المرمى لحظة قذف ضربة الجزاء»، «خطاب قصير لأجل وداع طويل»، «التعاسة اللا مبالية»، «المرأة العسراء».

وهاندكه يعرف التحدث بالعربية ولهذا فهو قريب من المحافل الثقافية العربية.

ومن الأعمال الحديثة التى تصدر للكاتب: "دوان جون"  عن دارى "ممدوح عدوان" و"سرد" السوريتين ترجمة المصرى سمير جريس، الذى أكد أن "هاندكه" يستثمر فى روايته الجديدة خلود هذه الشخصية، كونها من الشخصيات التى ما زال الأدباء والفنانون يعودون إليها عبر شخصية العاشق "دون جوان".

وفى حوار مع صحيفة إماراتية أكد الكاتب أنه يقرأ القرآن ويتحدث العربية، ويؤكد: «هناك أكثر من صوت فى داخلى، لست مصابا بالفصام، أى أن أكون مجنونا، ولكن كنت أمتلك نزعة فصامية، وقال إنه يحب الكتابة باليد، وأنه يشعر بالقلم، كما أنه يعجب بالأشخاص الذين يعملون بأياديهم وقد شارك فى صباه بالعمل بورشة نجارة مع أحد أعمامه.

تناول هاندكه قصة والدته  ماريا هاندكه، التى فارقت الحياة بعد معاناتها من الاكتئاب المرضى فى قصته بعنوان محنة فى عام 1972، وحولت إلى فيلم سينمائى فى عام 1974.

ونشرت جولة بالحصان عبر البودنزيه فى عام 1971، وتعتبر أكثر أعماله نجاحا فى فرنسا وساهمت بالتعريف بالكاتب. وبعد عام صدرت قصته ساعة الشعور الحقيقى فى عام 1975، وبدأ كتابة يومياته وزن العالم فى عام 1977, والتى ظلت تنشر متفرقة حتى عام1990. وفى عام 1976 أدخل الكاتب المستشفى لإصابته بنوبات خوف مرضية واضطرابات فى ضربات القلب.

لم يفقد هاندكه صلته بوطنه النمسا، وانضم بين عامى 1973 و1977 إلى تجمع كتاب جراتس، وفى عام 1978 ظلت ابنته أمينا لدى أمها فى برلين. وأثناء ذلك قام برحلة إلى ألاسكا وعاد عبر نيويورك إلى وطنه. وكانت تلك العودة فى نهاية 1978 تمثل أكبر أزمة تهدد مسيرته الأدبية. وفى رسائل تبادلها مع هيرمان لينتس وصف له يأسه الذى رافقه لدى كتابة قصته عودة طويلة إلى الوطن.

توكارتشوف..من معالجة الإدمان للأدب

وتوكارتشوف كاتبة غزيرة الإنتاج وأعمالها ترجمت للغات عدة، وقد عرفت بأعمالها "بريمفال وغيرها من الأوقات"، "كتاب يعقوب"، "قيادة محاربتك فوق عظام الموتى" و"الرحلات"، رواية تجريبية حصلت عليها فى عام 2018 جائزة مان بوكر الدولية للخيال المترجم.

وتجمع روايتها "الرحلات الجوية" والتى تصدر قريبا بالعربية عن دار التنوير وفازت بجائزة بوكر الدولية فى عام 2018 بين حكايات السفر فى اليوم الحديث وتسلط الضوء على قصة عالِم التشريح الهولندى فيليب فيرهاين، الذى قام بتشريح ساقه المبتورة ورسمها، أما خلال القرن الثامن عشر، فتستعرض الكاتبة قصة العبد المولود فى شمال إفريقيا، لكنه بعد موته ظهر مرة أخرى فى النمسا.

وتدور روايتها "دع محراثك يدهس عظام الموتى" حول قرية بولندية نائية، وتتابع هذه الحكاية التى تقوم بها امرأة عجوز غير مركزية تحقق فى قتل البشر والحيوانات فى مجتمع غابات بعيد تحالف القوى والمال والبطريركية إلى نتيجتها البشعة، التى تبدو كليكسون منسجمة تماما مع أزمتنا السياسية والبيئية الحالية.

عندما تم عرض فيلم أغنيزكا هولاند التعبيرى للرواية، بوكوت (سبور) لأول مرة فى مهرجان برلين السينمائى العام الماضي, أدانته وكالة الأنباء البولندية بأنه "عمل متشدد ضد المسيحيين يشجع الإرهاب البيئى".

وكانت توكارتشوك تبلغ من العمر ست سنوات، وتعيش فى مدينة سويشوف الصغيرة، عندما اندلعت احتجاجات الطلاب عام 1968. وكانت أسرة والدها لاجئون من جزء من بولندا الموجودة حاليا فى أوكرانيا. وكان الوالدان مدرسين عاشا فى جزيرة من المفكرين اليساريين، ولهذا فقد تأثرت كثيرا بنشأتها والتى انطبعت على أعمالها.

وقد تركت عملها كطبيبة نفسية قائلة: "أدركت أن انزعاجى من العالم كان أشد من مريضاتي"! واتخذت طريقها لمساعدة الناس عبر بوابة الأدب.

اليوم الجديد