يوميات النصر بقلم هيكل

صورة أرشيفية

10/5/2019 6:09:24 PM
135
تقارير وتحقيقات

بعد 6 أيام من المعارك اعتبر أن «خريطة الشرق الأوسط تغيرت»

أمريكا كانت واثقة من قدرة إسرائيل على هزيمة مصر فى 3 أيام

دعى لإشعال الصراع باستخدام سلاح البترول

الأستاذ: دور موشى ديان العسكرى انتهى للأبد

هيكل: أثبتنا فشل نظرية الأمن القومى الصهيونية

 

لم يكن غريبا أن يكون الأستاذ محمد حسنين هيكل أبرز المتفاعلين مع أحداث حرب أكتوبر، فهو الصحفى الأبرز بالوطن العربى والمستشار الأقرب للرئيس السادات حينها، لهذا كانت فرصة مطالعة باب "بصراحة"، ومعرفة كيف كان يفكر الأستاذ حينها، وكيف كان يعبر عن تطورات القتال أمرا بالغ الأهمية.

ظهور أكتوبر الأول فى عمود الرأى الأشهر بالوطن العربى كان فى ١٢/١٠/  ١٩٧٣ بمقالته "محاولة تصور للموقف"، اعتبر فيها أنه لا يزال الوقت مبكرا لـ"رواية قصة ما حدث وعرض وقائعه، وتحليل تطوراته"، لأنه لا "يمكن التمسك بمشهد واحد فى الحركة المستمرة والمتدفقة والهادرة للشلال المندفع فوق جنادل الصخور".

وحصر الأمر فى 3 أسئلة تتصل بالأمس، وباليوم، وغد، تتعلق بـ: 1- ما الذى حققناه حتى الآن فعلا؟

واعتبر أن مصر قبلت التحدى، بعدما طالت حالة اللاسلم واللاحرب بأكثر مما هو لازم، متذكرا حوارا مع أنور السادات جرى بمساء الجمعة (21 سبتمبر)، فى شرفة استراحة برج العرب المطلة على البحر، حيث أخبره: "القرار تعامل مع الحياة والموت، والمسألة لا تتعلق بشخصى فقد عرفت الحياة وواجهت الموت، ولكنها تتعلق بألوف، مئات الألوف من الرجال سوف يأخذون الكلمة منى، وفوق ذلك هناك كرامة ومستقبل وحياة أمة فى الميزان".

2- ما الذى يتعين علينا عمله الآن؟

اجتازت مصر "حائط الخوف"، وهو أمر بالغ الأهمية فى حياة أى أمة مهما كانت النتائج، مؤكدا أن العبور لم يكن "رحلة فى بحيرة"، وإنما كانت العملية عاصفة برق ورعد، وكانت ملحمة شجاعة وتضحية، فكانت صفحة القناة نارا ودما، لكن الرجال لم يترددوا، ويوم تكتب القصة الكاملة لطلائع العبور التى اجتازت القناة - وسط الصواعق - فى قوافل من قوارب المطاط لتمهد لإقامة الجسور على الضفة الشرقية، فإن أمة بأسرها سوف تشعر بأنها عاشت لحظة من أعظم لحظات حياتها.

وأكد، أنه بأى مقياس عسكرى فإن عملية العبور سوف تصبح حدثا فى تاريخ الحروب.

3- وأخيرا... غدا، وكيف نستطيع أن نأخذه لصالحنا؟

أكد هيكل أنه صحيح أن المعركة مازالت فى بدايتها، لكننا أمام حقائق لا يمكن إنكارها؛ لقد انكسرت أساطير كثيرة فى ذلك اليوم السادس من شهر أكتوبر: أسطورة العجز العربى عن اتخاذ القرار، أسطورة الخوف الذى تكمن فى القلوب رهبة من العدو، أسطـورة القوة الرادعة الإسرائيلية.

ودعا إلى عدم فك الاشتباك مع العدو بأى ثمن مهما كانت التضحيات والضغوطات، معتبرا أن العدو لا يستطيع البقاء فى حالة التعبئة العامة أكثر من تتراوح بين خمسة عشر يوما وعشرين يوما، مؤكدا أن أمريكا كانت واثقة من استطاعة إسرائيل إنهاء الحرب هذه المرة فى ثلاثة أيام.

وللتأكيد على تأييد الرأى العام العالمى لمصر، نقل مقولة ميشيل جوبير وزير خارجية فرنسا، خلال اجتماع لمجلس الأمن الفرنسى: لا نستطيع أن نوجه اللوم إلى شعوب تقاتل لاسترداد أراضيها ولا ناس لا يطلبون إلا أن يعودوا إلى ديارهم". وبنهاية مقاله قرر تلخيص كل ما حدث بالأسبوع الماضى فى عبارة واحدة: "الخريطة السياسية للشرق الأوسط قد تغيرت!".

فى اليوم التالى مباشرة ١٣/١٠/١٩٧٣ ظهرت مقالة الأستاذ مجددا بعنوان "ســـــؤال!"، دعى فيه دول البترول العربى للضغط على أمريكا بموجب ما تتحكم به فى مفاتيح المصالح بالمنطقة، بعدما أعلن أن الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون اجتمع مجلس الأمن القومى لبحث كيفية مساعدة إسرائيل بعد الخسائر الهائلة التى مُنيت بها، بعدما بلغت تقديرات "البنتاجون" أنها بلغت فى الأيام الخمسة الأولى من المعارك" - توقيت إعداد التقرير - 110 طائرات وأربعمائة دبابة، وحوالى 3 آلاف قتيل، وحوالى ألف أسير - بينهم 42 طيارا - عدا خمسة عشر ألف جريح.

ودعى هيكل لاستغلال سلاح البترول كما يجب من أجل تحقيق المزيد من الضغط على أمريكا وليعلم نيكسون أن المزيد من مساعدته لإسرائيل خلال الحرب تعنى المزيد من خسارته مصالحه الاستراتيجية بالمنطقة.

بعدها بـ6 أيام ظهرت مقالة الأستاذ مجددا، وتحديدا فى 19 أكتوبر، وكان لافتا أن الأهرام أعلنت عن بدء خفض البترول العربى، وذلك بقرار السعودية خفض 10% وأبو ظبى 12.5%، فيما قرر هيكل الكتابة عن نظرية الأمن الإسرائيلى النقطة الساخنة فى الصراع الدائر الآن"، فرأى فى مقالته أنه من الصعب عليه أن يكتشف نهاية للمعارك الطاحنة التى تدور رحاها على المرتفعات السورية فى الشمال وعلى رمال سيناء فى الجنوب، ودعى للاحتياط من قبول تل أبيب وقف إطلاق النار محذرا من تكرار سيناريو مأساة الهدنة الأولى فى حرب 1948م، ولم يعتبر أن هذه دعوة منه للقتال إلى أجل غير مسمى، وإنما اعتبارا منه أننا طالما تركنا السلاح يؤدى دوره كعنصر ضمن عناصر القوة السياسية الشاملة، فإنه قد أصبح محتما علينا ألا نتوقف قبل تحقيق الهدف من هذا القتال الدائر اليوم.

وركز على سؤال مهم حول الهدف من هذا القتال، ويعتبر أنه لا يتضمن استعادة أراضٍ اغتصبتها إسـرائيل ونسعى نحن لاستردادها، فقد تكون الأرض - الجولان وسيناء - مسرحا له، ولكنها ليست هدفه الرئيسى الآن على الأقل.

ويؤكد أن ما يجرى فى ميدان القتال الآن من صراع رهيب بالحديد والنار والدم، يمكن ترجمته سياسيا لإثبات أن نظرية الأمن الإسرائيلى خاطئة، واعتبر أن اهتزاز هذه النظرية لن يقتصر تأثيره على المرحلة الراهنة من الصراع العربى الإسرائيلى، ولكنه سيمتد بعيدا وعميقا إلى مراحل لاحقة، إن الأمر الآن لن يتعلق بتحرير الأراضى العربية المحتلة بعد 5 يونيو سنة 1967 وإنما هو يضرب فى المستقبل الإسرائيلى إلى أبعد وأعمق، حتى وإن لم يكن هذا باديا للعيان من الآن.

ذلك أنه إذا استطاع العرب تحرير أراضيهم المحتلة بعد 5 يونيو 1967 بالقوة المسلحة، فما الذى يمنعهم فى مرحلة تالية من تحرير فلسطين نفسها بالقوة المسلحة.

ودعى مصر لأن تطرح على الأمة العربية كلها استراتيجية جديدة وكاملة للصراع السياسى والعسكرى الكبير، الذى نسميه أزمة الشرق الأوسط.

وأكد، أنه لا يبالغ لو قال إنه مهما حدث أو يحدث، فإن مستقبل الجنرال موشى ديان العسكرى والسياسى قد انتهى يوم السادس من أكتوبر.

اليوم الجديد