الطريق إلى دولارات «يوتيوب»

صورة أرشيفية

9/19/2019 7:53:08 PM
201
تقارير وتحقيقات

كتب: منة الله سيد وأحمد رشاد وكريم أحمد

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

الطريق إلى الثروة والشهرة دائما ما كان يحتاج لمجهود وصبر ومهارات غير عادية، وبالبحث فى سير المشاهير والعمالقة نجد أن حياتهم كانت سلسلة من الكفاح والمعاناة والصبر التى قد يعجز الإنسان العادى عن تحملها وكأن ما عانوه كان ثمنا لما حققوه ووصلوا إليه.

أما الآن فقد تغير الوضع بتطور وسائل التواصل الاجتماعى، والتي باتت قِبلة لكل الراغبين فى الترويج لأنفسهم وحصد إعجاب الناس،

ولهذا أصبح «يوتيوب» الوسيلة الأبرز لتحقيق هذا الغرض، فمتابعوه بالملايين يضمنون للراغب فى تقديم عروضه أن يحظى بمتابعة كثيفة إن أجاد تقديم نفسه للناس، وهو سلاح ذو حدين يمكن نشر المعرفة من خلاله وأيضا يمكن الترويج للرذيلة، كلٌّ منهما بابا تركته منصة الفيديوهات مفتوحا، وعلى الناس أن تختار.

الهيافة تكسب.. فيديو شرح الجنس يحقق 30 مليون مشاهدة

فى عصر التكنولوجيا وانتشار مواقع التواصل الاجتماعى بات من الممكن أن تحقق الشهرة والثروة وأنت لم تتحرك خارج غرفتك، فكل ما عليك هو تصوير فيديو بمحتوى صادم يحقق مشاهدات كبيرة فتجنى ثمارها بالدولارات، علاوة على شهرتك الواسعة لدى متابعيك على الفضاء الإلكترونى.

وكلما زادت التفاعلات على القناة من خلال «الشير واللايك والكومنتات» ترتفع نسبة المكسب التى يحصل عليها صاحبها.

ترصد «اليوم الجديد» بالأرقام حجم مشاهدات للفيديوهات الهادفة مع مقارنتها بنظيرتها التى تقدم محتويات دون المستوى، بل وأحيانا تحث على الانحطاط الأخلاقى.. سنستعرض كيف حوّل متابعو السوشيال ميديا مجموعة من منعدمى المواهب والأفكار إلى مليونيرات ومشاهير.. وكيف اختلف الذوق العام وأثره على الثقافة داخل المجتمع؟!

أوباما المصرى.. 20 مليونا يتابعون شتائمه

من ضمن القنوات التى حظيت بمشاهدات تخطت الملايين، رغم تقديمها لمحتويات لا أخلاقية، قناة «أوباما المصرى» والمسماه على اسم صاحبها الذى ينشر عليها فيديوهات يُعلم من خلالها المشاهدين السباب والشتائم، والتى تخطت مشاهداتها الـ20 مليونا.

«الزعامة» تكسب بتعليم التنمر

«الزعامة» وهى قناة تخصصت فى تقديم طرق التنمر، ويستخدم مقدمها السباب والحركات التى تشير للشتائم بالأيدى والأصابع فى الفيديوهات التى يصورها، ورغم ذلك تخطت نسبة مشاهدتها الـ8 ملايين.

الجنس يصل بـ«أنوس الحياة» إلى القمة

قناة «اللوز المصرى» وتهدف للسخرية من الفتيات والنساء، حيث تعرض فيديوهات تتنمر فيها على نماذج نسائية فى الشارع، وتخطت نسب مشاهدتها الـ5 ملايين، كذلك قناة «أنوس الحياة» التى تظهر صاحبتها بملابس عارية لتشرح الجنس على جسدها، وهى القناة التى حققت أعلى المشاهدات حيث تخطى متابعوها الـ30 مليونا.

«أحمد وزينب» شاب وزوجته يعرضان تفاصيل حياتهما بصورة جريئة على «يوتيوب» ليصل عدد المشتركين فى قناتهما إلى أكثر من ثلاثة ملايين متابع.

صاحب قناة: ضغوطات الحياة السبب

أكد يوسف أحمد، صاحب إحدى قنوات «يوتيوب»، نسبة مشاهدتها لم تتجاوز الـ10 آلاف، والتى تقدم نصائح للطلاب عن طرق المذاكرة والاستذكار بطرق كوميدية، أن البحث عن المحتوى غير "الأخلاقى" أو الترفيه غير الهادف يرجع للضغوط التى يتعرض إليها الشخص فى الحياة فتجعله يبحث عن شئ ساخر أو غير هادف غرضه الضحك حتى ينسى ما يعانى منه.

وانتقد عدم وجود رقابة على «يوتيوب»، بدعوى أنه أتاح الإمكانية لأى شخص عرض أى محتوى، حتى وإن كان مُدمرا أو منافيا للأخلاق والعادات والتقاليد.

المحتوى الهادف يقاوم.. نصف مليون يتابعون تلخيصات مايكل للكتب فى «الزتونة»

وعلى صعيد آخر، رصدت «اليوم الجديد» عدد المتابعات التى تحصدها القنوات ذات المحتوى الهادف سواء علمى أو تثقيفى مثل مايكل راشد فى قناته "الزتونة"، والتى يقوم فيها بتلخيص كتب عالمية بطريقة مبسطة، ومع ذلك تصل لم يتجاوز عدد مشتركى الـ597 ألفا، وقناة إيجيكولوجى لمزج العلم بالتاريخ والفلسفة عدد مشتركيها الـ 896 ألفا.

كذلك القناة الخاصة ببسنت نور الدين والتى تعرض أجمل الأماكن الأثرية والتراثية فى العالم فلم تتخطَ أرقام المتابعين لها الـ138 ألف مشترك، وقناة «نضال ريدز» التى تلخص الكتب للمشاهد ورغم ذلك لم يتجاوز عدد المشتركين 140 ألفا.

وهناك قنوات تحظى بمشاهدات عالية تقدم محتويات ليست ثقافية أو أخلاقية، وإنما تهم فئة من المتابعين كقنوات الطبخ والموضة والميكب أرتست، أو الخاصة بالترفيه والإثارة كالقنوات الفنية والخاصة بالحوادث.

اللغز.. عودة لزمن الحوادث الجميل

قناة اللغز بدأها الصحفى يونس محمد منذ شهر مارس من العام الجارى ليقدم من خلالها أخبار الحوادث فى شكل جديد، وفى فترة قصيرة لا تتجاوز الشهرين استطاع أن يحصل على الدرع الفضى من «يوتيوب»، حيث حصد نسبة مشاهدات بلغت المليون متابع.

يقول يونس لـ«اليوم الجديد»: أنا صحفى متخصص فى قسم الحوادث، وكان من الطبيعى أن يكون هدف القناة هو تقديم أخبار الحوادث، ولم أقم بأى دعاية سوى وضع «لينك» القناة على «فيسبوك»، ثم فوجئت بأن الفيديوهات تعدت مشاهدتها المليون مشاهدة.

وأضاف: مشكلتى مع «يوتيوب» هى تصنيف المحتوى كمحتوى عنيف، وبالتالى لا يوجد لى أرباح، بالرغم من تقديمى لنصائح عقب عرض الجريمة هدفها عمل ردع عام فى المجتمع، ومع ذلك سوف أستمر فى عرض المحتوى؛ لأنه كثيرا ما أحصل على رد فعل إيجابى من الجمهور، وعندى أمل أن يتم عرضه فى التليفزيون قريبا.

وعن رأيه فى التفاوت بين أعداد المقبلين على المحتويات الهادفة وغيرها، يضيف: المنافسة فى «يوتيوب» شريفة، ولا تحتاج أكثر من محتوى جيد وطريقة تقديم أيضا جيدة، لذلك هناك قنوات هادفة كثير ولها جمهور عريض.

أما مروة الشريف، صاحبة قناة تقدم نصائح ومنتجات العناية بالمرأة، واستخدام الهاند ميد فى المنزل، والتى وصل عدد مشتركيها إلى 100 ألف تقريبا، فتحكى أنها بدأت القناة منذ عام 2014، وهدفها الأساسى هو إفادة الناس وليس الربح؛ "لأن الأشياء المفيدة هى التى تدوم مع الناس".

وأضافت أنه لا شك أن عدد المشتركين الكثير يعد مقياس نجاح، لكنها لا تحب أن تلجأ إلى أى وسيلة سهلة لزيادة عدد المشاهدات، لذلك تلجأ إلى التطوير من نفسها ومن المحتوى التى تعرضه لتفيد الناس بغض النظر عن نسبة المشاهدات.

موظف: انفصلت عن زوجتى بسبب فيديوهات «أحمد وزينب»

قال محمد حسن، أحد الشغوفين بموقع «يوتيوب»، إنه كان حريصا على متابعة الزوجين «أحمد وزينب»، عقب ظهورهما لأول مرة بسبب ما كانا قدمانه من نصائح للشباب، حتى نالا الشهرة، وبدآ في نشر فيديوهات سطحية مبتذلة  لتحقيق مشاهدات  عالية تجلب الربح السريع، واصفا سبب هذا بأنه «لعنة الدولارات»، بحسب وصفه.

وأوضح أن علاقته الزوجية انهارت بسبب تلك القناة، حيث إن زوجته بدأت تقلدهما وتريد أن تسافر فى رحلات مثلهما لأمريكا وفرنسا، فى حين أنه موظف وراتبه لا يتجاوز الـ3000 جنيه ولديه طفلان، وباتت كلما ذهبا أو خرجا فى مكان ما لا يعجبها وتطلع لما هو أفضل حتى انتهت حياتهما وانفصلا.

خبيرة نفسية: بعض الناس يفعلون أى شئ لتحقيق الـ« target»

أوضحت الدكتورة حنان غديرى، رئيس منطقة شرق المتوسط فى الجمعية العالمية للتأهيل النفسى والاجتماعى، أسباب الإقبال على المحتويات الأقل إفادة، قائلة: "أولا مشاهدة الناس لشئ لا يعنى موافقتهم عليه، لذلك نجد الكثير من التعليقات السلبية والهجومية على المحتوى غير الهادف".

وأضافت أن هناك عدة أسباب لهذا الإقبال منها، طريقة العرض الجذابة التى يستخدمها صانع المحتوى لإثارة الطرف الآخر وجعله يقبل على محتواه، فغالبا ما يكون هدف صناع المحتوى غير الهادف هو الربح والحصول على أكبر عدد من المشاهدات، وفى سبيل ذلك يفعلون أى شئ لتحقيق الـtarget  الخاص بهم، بالإضافة إلى استمرارهم فى عرض المحتوى وعدم الاستسلام لأى شئ حتى الهجوم.

وتابعت "غديرى": أما أسباب ضعف الإقبال على المحتوى الهادف، فتتمثل فى إهمال صناع هذا المحتوى لقواعد الـmarketing، وأن 90% من تركيزهم منصب على المحتوى نفسه وليس كيفية التسويق له، وعدم تفكيرهم بشكل كبير فى جذب المشاهدين، لذلك يجب عليهم أن يتوقفوا عن الإحباط ولوم الناس وأن يطوروا من أنفسهم وطريقة عرضهم للمحتوى وأن يغلفوه بالشكل الذى يحبه الناس؛ "لأنهم فى الآخر بيروحوا للى بيعرف يجذبهم، وهناك مثال لشخص غلف محتواه العلمى ببعض الكوميديا فشاهده الملايين".

وأشارت إلى أن الشخص الذى اختار أن يصنع محتوى علميا بحتا، يجب عليه أن يعى أن عدد المثقفين والمهتمين بهذا المحتوى ليس كبيرا، لذلك فعدد المشاهدات سيكون محدودا.

خبير محتوى رقمى: مصر سعت لإطلاق منصة كـ«يوتيوب» قبل 25 يناير

وكشف المهندس محمد الحارثى، خبير المحتوى الرقمى، أن مصر كان لها محاولات سابقة لإطلاق منصة مشابهة لـ«يوتيوب» مخصصة للأطفال ضمن المبادرات التى كانت تراعها سوزان مبارك، والتى ولكن توقفت منذ 25 يناير.

وأشار «الحارثى» فى تصريحات لـ«اليوم الجديد» إلى ضرورة أن يتبنى المجتمع المصرى بكل فئاته وطبقاته مبادرات مماثلة للحد من الآثار السلبية للمحتوى الرقمى المنشور على شبكة الإنترنت، والذى يتعرض له يوميا أطفالنا وشبابنا طوال ساعات اليوم.

وأوضح الخبير أنه من الناحية الفنية يمكن غلق المنصات أو المواقع التى تقدم محتوى غير لائق أو غير مناسب لثقافتنا الشرقية، ولكن هذا الأمر سيكون مكلفا للغاية، أما بالنسبة لمنصة «يوتيوب» تحديدا فهذه المنصة تحتوى على أدوات تجعل الآباء والأمهات مثلا قادرين على متابعة ما يتعرض له أبناؤهم، كما يحدد «يوتيوب» المستويات العمرية والمحتوى المناسب لكل فئة عمرية، ولكن هذه المحددات تتم بناء على معايير الإدارة الأمريكية للمنصة، والتى لا تتناسب فى أغلبها مع المعايير الأخلاقية لنا كمجتمعات شرقية.

وأضاف أن عالم الإنترنت هو عالم افتراضى مفتوح بين كل دول العالم ويحتوى على كافة الثقافات من كل مكان وبالتالى من يدخل هذا العالم من الفئات العمرية الكبيرة "بعد مرحلة الطفولة والمراهقة" ويختار أن يكون متواجدا فيه، فعليه أن يعلم ما يمكن أن يتعرض له من محتوى عبر هذه المنصات، وفى ضوء ذلك تأتى عملية التوعية بهذا الأمر هى الحل الأول لمواجهة هذا الخطر.

واقترح أن يكون لدينا منصات مصرية وعربية منافسة لمنصة «يوتيوب» والمنصات الدولية التى تبث لنا ثقافات مختلفة، تكون بمثابة النافذة الرئيسية لشباب المجتمعات العربية والشرقية التى نعيش فيها، وفى نفس الوقت رفع مستوى الوعى لدى الشباب والنشء بخطورة الانفتاح العشوائى على منصات المحتوى الأجنبية، وأن نأخذ منها ما هو مفيد ونبتعد عن المحتوى السلبى بها.

اليوم الجديد