كورسات الوهم.. بيزنس النصب على الشباب بـ«اعتمادية الوزارات»

صورة أرشيفية

9/16/2019 10:31:34 PM
247
تقارير وتحقيقات

منحة «الخارجية» بـ800 جنيه.. و1500 للتوثيق الطلاب: المراكز بيتعمدوا يسقطونا عشان مناخدش التأمين 200 جنيه سعر كتاب لا يتعدى حجمه 80 صفحة عضو بـ«خارجية النواب»: لا علاقة للوزارة بهذه المراكز

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

"سبوبة الخارجية للكورسات".. وصف أقرب لبيزنس يُتاجر به باسم وزارة الخارجية، مستغلين إقبال خريجى الجامعات على الدورات التدريبية للتأهيل لسوق العمل، بعدما اكتشف أصحاب الكورسات أن إعلان أسمائهم وحدها يكفي لجذب الضحايا، فاعتمدوا على اعتماد شهادتهم الموهوم اعتمادها من وزارة الخارجية المصرية، ومن ثم تبدأ عملية الغش.

طرق ملتوية

كانت الطريقة الوحيدة لجذب آلاف الشباب، هى وضع مصطلح "المنح المجانية المعتمدة من وزارة الخارجية"، فى كل تسويق إلكترونى، لتبدأ الخطوات تتجه لهم فور العلم بحصولهم على شهادة تثبت أنهم على الطريق الصحيح، خاصة لدى الشباب المحبذ لفكرة السفر خارج مصر، وغير المؤهل ماديا لدفع قيمة كبيرة فى إحدى الدورات التدريبية الموثوق بها.

فبخطوات متأنية، وعقل مشتت، وأقدام تأخذ خطوة فى القدوم وخطوات فى التراجع، بدأت إسراء أحمد، البالغة من العمر 22 عاما، وإحدى خريجات جامعة حلوان، فى التقدم لأحد فروع الكورس المعلن عنه فى موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك"، بعد أن أعلن المركز عن منحة وزارة الخارجية المجانية فى الشهر الجارى، بشرط دفع مبلغ تأمينى 800 جنيه، ويتم استرداده فور الانتهاء من الدورة التدريبة الملتحقة بها.

لحظات تردد وقلق تجاههم كادت أن تجعلها ترحل ولكن ذكر وزارة الخارجية كانت دافع لها فى القدوم عليه، محدثة عقلها: "وإيه يعنى 800 جنيه ده تمن مستوى واحد فى كورس بره؟!"، ومن ثم بدأت إسراء فى دفع المبلغ التأمينى وتم إعطائها ورقة لتكتب موافقة على شروطهم لكى تسترجع المبلغ المطلوب، لم يلفت انتباها سوى عدم وجود لفظ اعتماد الشهادة فى الأوراق الموجودة أمامها.

بدأت "إسراء" فى استعادة وعيها، وبخطوات واثقة ذهبت لتستفهم عن عدم وجود اعتماد الوزارة فى الوقت الذى سميت المنحة المجانية باسمها، لتعلم أنها مجرد رغبة وإذا أرادت توثيقها، يجب دفع 1500 جنيه، وفى حالة عدم الرغبة يتم اعتمادها من النقابة التابعة للمركز، بحسب قولهم، شئ ما دفعها نحو الفرار، ولكن بدأت فى قراءة الشروط بتأنٍ مرة أخرى، لتجد أن شرط استعادة المبلغ التأمينى المدفوع هو ألا يتم رسوب الطالب فى امتحان واحد وفى حالة غيابه مرة أولى لا تسترد رسوم التأمين.

فخ لا مخرج منه

لم تكن "إسراء" هى الحالة الأولى من نوعها، فعلى الرغم من حالة الشك التى انتابتها منذ البداية، إلا أن وقع العديد من الضحايا فى وهم الخارجية، كانت من بينهم "تقى طه"، البالغة من العمر 24 عاما، وقعت فى فخ الاعتماد، فمنذ أن تخرجت فى الجامعة وعملت فى وظيفتها المفضلة، كانت ترى أن اللغة شئ أساسى للارتقاء فى عملها، ولكن لم يكن راتبها الشهرى، يكفى بأن تلتحق بأحد الكورسات المخصصة ذات المبالغ العالية لكى تتقن اللغة.

بدأت "تقى" فى البحث عن مكان يذاع صيته، يعرف بين الناس بإمكانية التعلم منه، ليظهر أمامها منشور على موقع "فيسبوك" يتضمن وجود منحة مجانية من وزارة الخارجية بشرط دفع مبلغ تأمينى 350 جنيه يُسترد عند انتهائه، بدون تفكير بدأت تقى فى التواصل معهم، بعد أن تأكدت من ذيع صيت المكان، لتسارع دون فى دفع المبلغ.

لم يمر العديد من الوقت، لتتفاجأ بتأجيل الكورس أسبوع تلو الآخر، ودفع أموال عديدة دون ذكر سابق منهم، كحصولهم على 200 جنيه كل ثلاثة مستويات لسعر الكتاب الذى لم يتعدَ الـ80 ورقة، بخلاف دفع رسوم عند إجراء الامتحان وعند ظهور نتائجه، حتى وقعت فى فخ لا تعلم كيف وقعت فيه.

"بيتعمدوا يسقطونا".. بهذه الكلمات بدأت الضحية حديثها بعد أن فاض الكيل بها، لتجد نفسها ترسب فى امتحان وراء الآخر، دون أن ترى ورقة امتحانها لتتفادى الأخطاء الواقعة، حتى أعادت الامتحان، لترسب للمرة الثانية وعليها إعادة المستوى بأكمله.

ووجدت نفسها أمام نفق مظلم خدعت فيه، متسائلة: "هما كده كده برسوبى الأول أخدوا فلوس التأمين، طب إزاى وصل بيهم حالة الإهمال والرفض أنهم يبلغونى إنى رسبت مرة ثانية وكمان رفضوا يورونى الورق ولقيتهم بيتعمدوا ينزلونا فى الدرجات ".

مبدأ الفهلوة

أما حسام أيمن، البالغ من العمر 27 عاما، فكان عدم إتقانه اللغة حاجزا لحلم السفر الذى يأمل به، كان الأمر مشتت له، هل يجمع أموال لترتيب إجراءات سفره، أم يبدأ فى إتقان لغات أخرى، إلى أن سرقت الأيام حلمه، حتى راوده من جديد بعد تعيينه بشركة لها أفرع عديدة فى الدول الأجنبية.

ظل يبحث عن مكان معتمد إلى أن وصل لدوامة كورسات الخارجية والتى بدأت من 2500 جنيه، لم يلفت انتباهه شئ سوى اعتمادها من وزارة الخارجية، ليبدأ فى التقدم للدورة، وحصل على شهادته ولكن جميع الاعتمادات محلية، ليدرك بعد 12 شهرا أنه وقع فى دوامة النصب.

 الوزارات لم تعلن

على الرغم من البحث عن إعلان منح الوزارات داخل الصفحات الرسمية لها، إلا أنه اتضح أن العديد من الشركات والمراكز التدريبة "تحت بير السلم"، تضع أسماء الوزارات بجوار إعلانها؛ لجذب أكبر عدد من الشباب.

ولم يرد عن وزارة الخارجية وجود أى بيان أو إعلان عن منحة تدريبة لأى لغة، سوى تأهيل لاختبارات السلك الدبلوماسى فقط، لا غير، بخلاف إعلان وزارة الاتصالات عن منح للبرمجة وغيرها من هذه التخصصات، ولم يصدر أى إعلان منها عن كورسات أخرى مجانية.

إمكانية التوثيق

وتواصلت "اليوم الجديد" مع عدد من المراكز التدريبية الموثقة شهادتها بالعديد من الوزارات، للتأكد من المصدر الأساسى للتوثيق، حيث أشار أحد المراكز إلى تقديم شهادات باعتماد نقابة المهندسين والتطبيقيين واتوديسك، فى مقابل 450 جنيها، وفى حالة إذا أراد الطالب شهادة من وزارة الخارجية يتم دفع مبلغ قدره 650 جنيها للمصريين، بشرط أن يجتاز جميع الاختبارات المحددة له فى كل مستوى، على أن يتم استرجاع مبلغ التأمين فى حالة إذا كان الكورس منحة مجانية.

"توثيق الخارجية شئ والشهادة الأساسية شئ آخر".. بهذه الجملة بدأت إحدى العاملات بأكاديمية تعليمية مغمورة فى الإجابة عن الشهادات الموثقة من الخارجية، مؤكدة أن الشهادة الأساسية هى التى تحمل اسم الأكاديمية، ومن ثم إذا فضّل المتدرب وضع توثيق وزارة الخارجية يتم دفع مبلغ مالى يبدأ من 1000 جنيه بحسب الجنسية.

بيزنس الوهم

ومن ناحيته، علقت عضو لجنة الخارجية بالبرلمان، أمل زكريا، على الزج باسم وزارة الخارجية بالدورات التدريبية، فقالت: "شهادات وهمية للبيع لتوثيق زورهم، سواء باستخدام أسماء الجامعات العالمية والدولية أو الوزارات السيادية".

وأضافت زكريا، فى تصريح لـ«اليوم الجديد»، أن هدف هذه المراكز هو التربح وخداع الضحايا واستنزاف أموالهم، لافتة إلى أن الأمر زاد بوهم البعض بالحصول على شهادة دكتوراه وماجستير فخرية، للشعور بالوجاهة الوهمية.

وأوضحت أنه لا دخل لوزارة الخارجية بهذه الادعاءات، مشيرة إلى ضرورة تحرك الأجهزة والمجتمع المدنى؛ للتصدى لتلك الظاهرة المخيفة التى تتمركز على نواقص النفس وتتلاعب بعقلية الشباب.

اليوم الجديد