الخادمات.. أكل العيش مُر

9/11/2019 5:29:10 PM
143
تقارير وتحقيقات

خبير نفسى: الأفلام زرعت بالمصريين تحقير «الشغّالات» خادمة مدينة نصر طالبت بزيادة راتبها فقتلتها سيدتها «علام»: مَن يعاقب الناس بالضرب «سادى ومازوخى» محامٍ يطالب بتدشين نقابة للخادمات

من النسخة الورقية بجريدة اليوم الجديد 

«رضينا بالهم، والهم مش راضى بينا».. مثّل شعبى يمكن اعتباره أكثر ما يعبر عن حال هؤلاء الفتيات اللائى يلجأن للعمل داخل البيوت باحثات عن فرصة لـ«أكل العيش»، بسبب المسؤوليات الكبيرة التى تقع على عاتقهن، فبرغم رضائهن بهذا العمل الشاق الذى لم يلاقِ استحسانا داخل المجتمع، إلا أنهن يعانين من مضايقات كثيرة من بعض الأسر والعائلات التى يعملن لديها.

«اليوم الجديد» قررت فتح هذا الملف، ورصد أبرز المضايقات اللائى تعرضن لها، ووصلت إلى حد الضرب والتحرش والاغتصاب.

هالة: ابن صاحب البيت حاول اغتصابى فهربت

فى مطلع عام 2011، وجدت هالة، التى تبلغ من العمر 35 عاما، نفسها مسؤولة عن 5 إخوة، أكبرهم 10 سنوات، بعدما توفى والديهم، وكان لِزاما عليها أن تقوم بدور الأب والأم وتؤمن لهم معيشتهم.

«هالة» التى لم تُكمل تعليمها الثانوى، طرقت كل أبواب العمل؛ من أجل الإنفاق على أسرتها، وبالصدفة وجدت إعلانا يطلب خادمات للعمل فى المنازل، من خلال مكتب توظيف بمبالغ كبيرة، وهو الأمر الذى لم تتردد فى الإقبال عليه.

تقول الفتاة الثلاثينية، فى حديثها لـ«اليوم الجديد»، إنها طالبت المسؤولين عن مكتب العمل بكتابة «عقد» يضمن حقوقها ولكن طلبها قُوبل بالرفض، فرضيت بالأمر الواقع.

تضيف «هالة» أنها عملت لصالح إحدى العائلات الكبيرة فى القاهرة، لأسرة تتكون من أب وأم و3 شباب، أكبرهم يبلغ من العمر 25 عاما وابنة متزوجة.

وتابعت: «كانت الأمور تسير بشكل جيد، كانوا يعاملونى باحترام، وأعمل لمدة ست أيام فى الأسبوع، وكنت أترك أخوتى الصغار مع عمتى لترعاهم لحين عودتى».

واستطردت الفتاة الثلاثينية: «ذات يوم اضطر الأب والأم للذهاب إلى ابنتهما التى وضعت طفلها مؤخرا، وطلبا منّى أن أبقى فى المنزل يوم إجازتى، وفجأة وجدت الابن الأكبر يقترب منّى إلا أنى أبعدته عنى بكل قوة، وبعد هذه الواقعة حاولت الهرب، ولكن كانت صورة إخوتى الصغار دائما فى مخيلتى».

واختتمت حديثها قائلة: «ذات يوم كنت نائمة، فاقتحم غرفتى وحاول أن ينال منّى ولكنى قاومته وهربت من البيت، وقضيت تلك الليلة فى الشارع، ثم ذهبت إلى صاحب المكتب فوبَّخنى لترك العمل دون إذن، عندها قررت إنهاء عملى كخادمة».

حنان: «الناس بيقولوا لبنتى أمك خدامة»

أمر «هالة» لا يختلف كثيرا عن «حنان»، التى اضطرت للعمل كخادمة ومربية أطفال فى مدينتها بمحافظة الغربية، بعد أن تركها زوجها بابنتها الصغيرة.

تقول «حنان»: «فيه ناس بتطلب أنضّف شقتها مرتين فى الأسبوع، وناس تانية منّى أغسل سجاجيد، رقمى مع الكل واللى عاوزنى بيكلمنى».

أكدت «حنان» أنها تعمل فى هذا المجال منذ 10 سنوات، مشيرة إلى أنها كثيرا ما تتعرض للتحرش ولكن «أكل العيش مُر»، فتقول: «فى كثير من الأحيان أشعر بأزواج من أخدمهم يلمسون جسدى، وكنت فى البداية أقوم بافتعال شجار معهم ولا يهمنى ماذا يحدث، مع مرور الوقت ومع زيادة مسؤوليات طفلتى، اضطررتُ إلى الصمت والاكتفاء بترك العمل».

منذ عامين، وأثناء خدمتها فى أحد المنازل التى يسكنها زوج وزوجة لا يمتلكان أطفال لظروف صحية للأخيرة، أُعجب الرجل بـ«حنان»، وطلب منها الزواج بطريقة شرعية؛ من أجل أن يُحقق حلمه وينجب طفلا، ولكن كان شرطه الوحيد أن يتم الزواج بدون علم الزوجة، ووافقتْ.

ولكن فرحتها لم تكتمل، فالزوجة الأولى علمت بالأمر، وقامت بتهديدها كى تبتعد عنها، وتضيف: «بالطبع ابتعدت حفاظا على حياتى، لقد كُتب علىّ أن أعيش هكذا، حتى ابنتى يقومون بشتمها قائلين أمك خدامة».

أميرة: حاولت الانتحار بسبب المعاملة السيئة

قصة ثالثة بطلتها هذه المرة أميرة التى كانت تعمل كخادمة لدى أحد بيوت الأثرياء منذ سنتين، وتحكى قائلة: «عملت كخادمة فى أحد بيوت الأُسر الغنية، عن طريق مكتب عمل، وذات يوم اشتكتنى إحدى بنات العائلة لأبيها بسبب طعام أعدّدته، فقام بضربى، ومنذ ذلك الحين أصبح ضربهم لى أمرا عاديا، وكلما حاولت أن أشتكى للمكتب يقولون إن الأمر ليس من شأننا، ولا حل لى سوى الصمت».

وتابعت: «هربت من العمل لدى تلك الأسرة، بعدما حاولت الأم أن تحرقنى بالنار، بسبب أكل الكلب الخاص بهم، وحاولت كثيرا الانتحار بسبب معاملتهم، ولكن كل مرة كنت أتردد فى فعل ذلك».

قضايا هزت الرأى العام 

فى مارس 2017، شهدت مدينة نصر حادثة مروعة، بسبب مقتل خادمة فلبينية، تُدعى سميرة وتبلغ من العمر 32 عاما، على يد ربة المنزل، والتى اعترفت أن الخادمة كانت تعمل لديها لمدة عامين كاملين، وبسبب رغبة الأخيرة فى راتب أكبر ومحاولتها الهرب، قامت ربة المنزل بقتلها.

واعترفت المتهمة، أمام تحقيقات النيابة أنها حصلت على الخادمة من أحد مكاتب التوظيف بموجب عقد قيمته 7 آلاف دولار لصالح المكتب، وراتبها الشهرى 300 دولار، ونشبت مشاجرة بينها وبين المجنى عليها بعد أن فوجئت بمحاولتها الهرب من المنزل، قائلة لها: «لازم تكملى العقد بتاعك، ده أنا دفعالك 7 آلاف دولار»، ثم وجهت لها 3 طعنات فى البطن والصدر، وماتت على الفور.

وبعد عام من تلك الواقعة وفى نفس المدينة، ألقت خادمة بنفسها من الطابق الرابع؛ هربا من قسوة ربة المنزل الذى تعمل به، وتحرر محضر بالواقعة، وتم تبليغ قسم شرطة مصر الجديدة بسقوط سيدة من علوٍ أمام أحد العقارات.

وبسؤالها قررت أن مخدومتها دائمة التعدى عليها بالضرب والتعذيب، ويوم الواقعة حبستها داخل الشقة، وعندما عادت خافت من تكرار تعذيبها، فألقت بنفسها هربا منها.

أرقام وإحصاءات

وفقا لوزارة القوى العاملة، فإن عدد مكاتب تشغيل الخادمات فى مصر يتجاوز 250 مكتبا، لم يُرخص إلا خمسة منها فقط، ولا يوجد إحصائية بعدد الخادمات فى مصر؛ لأنه لا يوجد قانون يقوم بتنظيم المهنة من الأساس. 

أما عن رواتب الخادمات، فتختلف من مكتب لآخر، ومن حى لآخر بالقاهرة، وبناء على نوع الخادمة إذ كانت مصرية أم أجنبية، وأيضا إتقانها للغة الانجليزية. 

فى محاولة لمعرفة كل ذلك، اتصل «اليوم الجديد» هاتفيا بأحد إعلانات الخادمات المنتشرة على الإنترنت، ولاختيار الخادمة المناسبة، سأل المكتب عن عدة تفاصيل من ضمنها؛ حجم المكان، نوع الخادمة مصرية أم أجنبية، وإذا كانت لإقامة أم لعدة أيام فى الأسبوع؛ ليحدد السعر طبقا لهذه المتطلبات، مع إمكانية إرسال صور الخادمات للاختيار منهن.

وجاء رد المكتب، أن أسعار الخادمات الأجانب تختلف عن المصريات والآسيويات، فسعر الخادمة الإثيوبية يتراوح من 4500 إلى 7000 جنيه، أما الفلبينية والإندونسية فيتراوح سعرهما من 11 إلى 20 ألف جنيه، أما الأجانب فسعرهن يبدأ من 20 ألف جنيه مصرى، ويجب الدفع بالدولار، بالإضافة إلى أن المصرية تبدأ من 1500 حتى 3500 جنيه.

وللمكتب نسبة من هذه الأموال، والدفع لا يكون للخادمة مباشرة إنما للمكتب، ويتم تحويل أجرة الخادمة منه، وبالنسبة للتعامل للمرة الأولى، يجب دفع شهرين مقدما، مع دفع تأمين يصل لـ10 آلاف جنيه، وأيضا لا يوجد عقد، فالاتفاق يكون وديا. 

أخصائى نفسى: الأفلام والمسلسلات شوهت صورتهن

من جانبه، قال أحمد علام أخصائى الصحة النفسية، إن الخادمات شأنهن مثل أى إنسان آخر، ولكن بسبب الثقافة المصرية، وخصوصا الأفلام والمسلسلات، زُرع فى المصريين السادية وتمجيد الذات والتحقير من أى شخص يعمل لديهم.

وأضاف أخصائى الصحة النفسية، أن الأفلام والمسلسلات تتناول هذه الفئة بصورة نمطية سيئة مما يجعلهم فريسة لأصحاب الشهوة والمال؛ لاعتقادهم بأنه طالما يدفع لهن فهو يملكهن.

وأكد «علام» أنه بالنسبة للضرب والتعذيب، فهذا يرجع إلى أن الإنسان الذى يقوم بهذا الفعل فهو شخص سادى ومازوخى يتلذذ بتعذيب الآخرين، ويحتاج إلى علاج.

لا قانون يحمى ولا نقابة تجمع

يقول نبيل سالم، المحامى الجنائى، إن مهنة التخديم فى مصر لا يوجد لها قانون ينظمها، ولا نقابة تجمع من يعمل بها، وذلك يُعد خطورة كبيرة، لأنه فى حالة ارتكاب الخادم جريمة بحق مخدوميه، أو العكس يصعب إثباتها أو ضبط كل منهم ومساءلتهم قانونيا، بالإضافة إلى غياب قانون ينظم عملية العقود، ما يدفع مكاتب العمل إلى سرقة جهد الخادمين علانية، واستغلالهم فى أعمال غير قانونية.

ويضيف «سالم»، أنه من الصعب تدشين نقابة للخادمات، لأنه لا يوجد لها قانون من الأساس، ولا جمعية عمومية تجمع أفراد المهنة؛ لذلك يجب أولا المطالبة بقانون ينظم عملية التخديم فى مصر، ثم بعد ذلك تدشين نقابة تطالب بحقوقهم.

 

اليوم الجديد