في ذكرى توليه.. أشهر المحن في حياة «الخليفة العالم» المأمون

الخليفة المأمون

8/27/2019 9:55:32 AM
47
ثقافة

في مثل هذا اليوم من عام 813 تولى المأمون بن هارون الرشيد الخلافة في الدولة العباسية بعد مقتل أخيه الأمين.

قال ابن طباطبا في كتابه الفخري: "واعلم أن المأمون كان من عظماء الخلفاء ومن عقلاء الرجال وله اختراعات كثيرة في مملكته، منها أول من لخص منهم علوم الحكمة وحصل كتبها وأمر بنقلها إلى العربية وشهَّرها، وحل إقليدس ونظر في علوم الأوائل وتكلم في الطب وقرب أهل الحكمة".

وتتلمذ المأمون على شيوخ الأدب واللغة في عصره، أمثال سيبويه واليزيدي ويحيى بن المبارك، وذكر ثمامة بن أشرس النميري: "ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون"، وقد عٌدّ عصره أزهى العصور الإسلامية في العلم والأدب

محنة الصراع مع الأمين

كانت أولى المحن التي تعرض لها المأمون، هي صراع مع أخيه الأمين، وقد عين الخليفة هارون الرشيد ابنه الأمين خلفًا من بعده، سنة 175هـ/791م، وجعل له ولاية العراق والشام حتى أقصى المغرب، ثم في سنة 182هـ/799م عين المأمون في ولاية العهد الثانية على أن تكون له ولاية خراسان وما يتصل بها من الولايات الشرقية، وبذلك قسم الدولة لشرق وغرب وقد تكتل العرب بزعامة الفضل بن الربيع إلى جانب الأمين، في حين انضم الفرس بزعامة الفضل بن سهل إلى جانب المأمون.

وقد أخذ الخليفة الأمين وصية الأب التي أودعها الكعبة المشرفة علامة على قداستها، وأحرقها، وخلع أخاه من ولاية العهد وعين ابنه موسى الناطق بالحق وليا للعهد، وكان المأمون آنذاك في خراسان، وقد بدأ لتوه في تجييش جيش كبير لملاقاة أخيه واستمرت الحروب أربع سنوات، إلى أن استطاع المأمون محاصرة بغداد، والتغلب على الأمين وقتله عام 198هـ / 813م، ظافرا بالخلافة.

محنة موالاة الفرس ثم العرب

تذكر المراجع أن سياسة المأمون جمعت بين المواقف المتناقضة فكان يميل إلى الفرس تارة، ثم إلى العلويين تارة أخرى، ثم يميل إلى أهل السنة والجماعة تارة ثالثة، وقد فضل مدينة خراسان بالخلافة في البداية ومكث فيها ست سنوات، حتى تعاظمت الأزمات في عاصمة الخلافة بغداد، وخاصة أن الأمين كان قد اتخذ قرارات موالية للعلويين منها ارتداء الأخضر للجيش وهو شعارهم بديلًا عن لباس العباسيين الأسود، وقد ألغى لاحقا ذلك إرضاء لأهل السنة.

وكان الوزير الفضل بن سهل قد تعاظم نفوذه في عهد المأمون، وكان من الشيعة ويناصر المؤيدين لإسقاط الخلافة العباسية، وقد أقنعه بجعل الولاية من بعده للإمام علي الرضا أحد الأئمة الإثني عشرية، فكان له ما أراد، حتى راجعته عمة أبيه زينب بنت سليمان بن علي، وكانت امرأة ذات مكانة كبيرة لدى العباسيين، وقد ساعده على التراجع أن العراقيين لما علموا بموقفه خلعوه من الخلافة وولوا عمه إبراهيم المهدي خليفة عليهم

وقد قتل المأمون وزيره الفضل وهو في الحمام، ومات علي الرضا في طوس جراء أزمة في معدته، وقيل أنه تعرض للسم، فكتب المأمون إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم بموت علي بن موسى ويسألهم الدخول في طاعته، فأقبلوا ورحبوا وخلعوا عمه.

وتخللت تلك المرحلة صدور فتاوى عجيبة من تأثر السلطان بالفقه الشيعي ومنها إباحة زواج المتعة، ولكن قضاة أهل السنة ببغداد ومنهم يحيى بن أكثم وقفوا للخليفة بالحكمة والموعظة الحسنة فعاد لمذهبه.

ثورة الأمصار

أدى ضعف السلطة في بغداد نتيجة الحروب إلى ظهور حركات متمردة كثيرة في الأقاليم الإسلامية، وخاصة مصر والمغرب والعراق، ومنها ثورة القبط البشموريين في مصر، وقد وأد المأمون جميع تلك الثورات بالقوة الغاشمة، كما تمكن قائده طاهر بن الحسين من القضاء على ثورات العرب أنصار الأمين.

 وتم القضاء على ثورة بابك الخرمي التي استفحل أمرها في عهد المأمون ولم يتم القضاء عليها إلا في خلافة المعتصم بالله.

جهاد الروم

تذكر المصادر أن المأمون ورغم علاقاته بأوروبا لكنه لم يغفل عن قتال الروم، بل غزاهم أكثر من مرة، فقاد المأمون في السنوات الأخيرة من حياته جيوشه بنفسه وتوغل في الأراضي البيزنطية في آسيا الصغرى مابين 214 - 218هـ، وجعل معظم إقامته في الشام، وافتتح حصن قرة وهرقلة وغيرها حتى اضطر الروم إلى طلب الصلح.

محنة خلق القرآن

كان ميل المأمون للمعتزلة فقرب إليه الفلاسفة والمتكلمين، وشجع المناظرات العقلية في المسائل الدينية، غير أن محنة خلق القرآن المشهورة بينه وبين الأئمة من أهل السنة عصفت به.

وقرر المأمون إجبار أهل العلم والمحدثين على اعتناق هذا المذهب، وعقد لهم محاكم تفتيش وهددهم بالفصل والحرمان والتعذيب والتشريد حتى أكرههم على ذلك، وأقسم أن يقتل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح إذا لم يجيبا بالقول بخلق القرآن، وعندها جثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: "سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته, اللهم لا تجعلنا نراه ولا تجعله يرانا".

وبينما كان المأمون في أراضي الدولة البيزنطية في آخر غزواته، وهو في البذندون شمالي مدينة طرسوس، أصابته حمى لم تمهله كثيرًا، وفي 18 من رجب سنة 218هـ أدركته الوفاة ودفن، وتولى الخلافة بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بالله.

و في كتابها "صورة الإمام في الخطاب الإسلامي الحديث" تؤكد الدكتورة سعاد التميمي أن المأمون كان له مشروع في العقيدة والسياسة دفعه لاستقطاب المعتزلة في بلاطه وطرد الفقهاء بعد أن رأى تعاظم سلطانهم

عصر ازدهار العلم

برغم ما سبق، تفرد عهد المأمون بتشجيع مطلق للعلوم من فلسفة وطب ورياضيات وفلك واهتمام خاص بعلوم اليونان، وقد أسس الخليفة عام 830م جامعة بيت الحكمة في بغداد والتي كانت من كبريات جامعات عصرها، واخترع في عهده الاسطرلاب وعدد من الآلات التقنية الأخرى وأهمها المراصد الفلكية، وحاول العلماء قياس محيط الأرض.

وازدهرت في عهد المأمون عمليات الترجمة ونقلت العلوم والآداب السريانية والفارسية واليونانية إلى العربية، اكتسبت من خلاله اللغة العربية مكانة مرموقة إذ تحولت من لغة شعر وأدب فحسب إلى لغة علم وفلسفة

وقد أبدى المأمون اهتمامه بجمع تراث الحضارات القديمة وخاصة الحضارة اليونانية، أرسل بعثات من العلماء إلى القسطنطينية وقبرص للبحث عن نفائس الكتب اليونانية ونقلها إلى بيت الحكمة في بغداد، وقد اعترفت أوروبا بانها نهلت كثيرا من علوم تلك المرحلة.

وقد عُرف المأمون برجاحة عقله، وحبه للعلم والعلماء، وعدله مع الرعية وقد تبحَّر في الفلسفة وعلوم القرآن، كما درس الكثير من المذاهب، حتى قيل عنه إنه لو لم يكن المأمون خليفة لصار أحد علماء عصره

 

اليوم الجديد