أسرار الكراسة الزرقاء لخالد محيي الدين.. من بيت النقشبندية لمجلس الثورة

غلاف الكتاب

8/18/2019 3:56:23 PM
121
ثقافة

ثمة سر صغير سأفضي به للقارئ.. عندما كانت أحداث مارس 1954، وما كان خلالها وبعدها، وعندما أثمر ذلك بالنسبة لي قرارًا بالنفي إلى خارج الوطن.. هناك في المنفى البعيد أحسست بأن أول واجب هو أن أسجل الوقائع، ودونت كل ما اعتقدت أنه جدير بالمعرفة من أحداث متعلقة بتنظيم "الضباط الأحرار"، وليلة 23 يوليو، في كراسة ذات غلاف أزرق، إلى جانب جلسات مجلس قيادة الثورة، اختلافاتنا واجتهاداتنا واتفاقاتنا، ومواقف كل منا، ومضت سنوات، كانت الكراسة تشكل عبئًا ثقيلًا على صاحبها كي تتحول لمذكرات، خاصة وأن الأمر تطلب مراجعة ما كتبه زملاؤه من مذكرات.

من هذه الكراسة الزرقاء يبدأ خالد محيي الدين، القيادي المصري البارز، مذكراته الأشهر "الآن أتكلم"، والتي تحوي الكثير من أسرار ثورة يوليو وأسبابها وتداعياتها في سرد إنساني يمزج حياة مؤلفه الشخصية بالمحيط العام للمصريين ومجلس قيادة الثورة.

تكية السادة النقشبندية

المذكرات تحمل تفسيرًا لطبيعة خالد محيي الدين المتسامحة، وتبدأ من بيت شرقي ساحر، فسقية في منتصف الحديقة الواسعة المليئة بالأشجار والورود والتمر حنة، لم يكن بيتًا عاديًا، إنه تكية السادة النقشبندية، هنا قبر الجد الأكبر لأمه وهو الشيخ "محمد عاشق"، وأيضا مسجده، ودراويش الطريقة النقشبندية يشغلون الدور الأول من التكية، وخالد ووالدته وجده الشيخ عثمان خالد، شيخ الطريقة وناظر الوقف، يشغلون الدور الثاني.

يقول "محيي الدين": بِاسم جدي لأمي سميت، وفي رحاب التكية عشت طفولتي، ويطوف بمشاهد حياة دينية سمحة وهادئة، ويعتقد أن تلك البيئة ألهمته بالتدين والتفاني في حب البشر، وهو لا ينسى في ذلك عثمان أفندي درويش الطريقة الذي ظل بمخيلته نموذجًا للتفاني والتسامح.

 كان والده يشرف على زراعة الأرض، 3 أيام في الأسبوع، ثم يأتي ليقيم معهم بالتكية، وفي إجازة الدراسة ينطلق خالد محيي الدين ليقيم بجوار التختبوش في بيت العائلة، وهي كلمة تعني "المضيفة"؛ فالجد محيي الدين تاجر ومزارع شاطر، تاجر في القطن على زمان الحرب الأهلية الأمريكية وكسب كثيرًا، واشترى مئات الأفدنة بالبلدة، وقد أدخل زراعة العنب والمانجو والبرتقال لكفر شكر بعد أن تحول لزراعة الفاكهة، وفي التختبوش اندمج محيي الدين مع أبناء الفلاحين، يلعب معهم الكرة الشراب بحماس قادر على إزاحة أي فوارق طبقية.

وهكذا ظل يقضي صيفه بكفر شكر، ليعود سريعًا بأيام الدراسة لدراويش التكية، والمثير أنه عندما توفي جده عثمان خالد، وكان أيامها ضابطًا بالجيش، عرضوا عليه مشيخة الطريقة من بعده، ولكنه اعتذر فتولاها ابن خالته.

الثلاثينات وتوقد شعلة الكرامة

شاهد خالد محيي مظاهرات 1931، في التاسعة من عمره، والتي تحولت لتصادم مع البوليس، فقد كان المتظاهرون حانقون على سياسات إسماعيل صدقي، بمن فيهم خاله العائد لتوه من فرنسا بعد حصوله على ماجستير في الاقتصاد، وظل متشددًا في المطالبة بالدستور منددًا بدكتاتورية صدقي، وهكذا كان الصراع بين مزارعين أثرياء ممتنون لصدقي الذي أنقذهم من ديون متراكمة وبين المنادين بالدستور من الطبقة المتوسطة.

وكانت كلمات الخال عن الديمقراطية سببًا كافيًا لإيقاظ تلك المعاني بنفس خالد، ومن المدرسة الابتدائية للإبراهيمة الثانوية، انتهت علاقة خالد محيي الدين بالتكية، بعد انتقال الأسرة لشارع الملكة نازلي "رمسيس حاليًا"، وانتقل لمدرسة فؤاد الأول التي شهدت إسهامًا بالحركة الطلابية والمظاهرات، ومن هنا اندمج رغم أنفه في المناخ السياسي المتفجر عام 1935، وصاحبه في تلك الرحلة أنور السادات، رغم أنهم لم يتعرفا آنذاك لأن السادات كان يسبقه بعدة سنوات.

كانوا طلابًا غاضبين من استمرار الإنجليز بالبلاد، والغريب أن الكراهية للاحتلال كانت تصل بالبعض للإعجاب بهتلر الذي يسبب رعبًا لبريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية بين المحور والحلفاء، وقد بدأ إعجاب خالد محيي الدين يزداد بحركة مصر الفتاة بقيادة أحمد حسين، الذي كتب إليه رسالة تسببت في مشكلة عائلية حين علمت أسرته برده عليه.

كيف تعرف على عبد الناصر؟

كان الضابط عبدالمنعم عبدالرؤوف، سببًا بتعرف محيي الدين مؤلف المذكرات على جمال عبدالناصر، وتعرف كذلك على جماعة الإخوان المسلمين من خلال الصاغ محمود لبيب، كما عرف لاحقًا أنه مسؤول الجناح العسكري بالجماعة، وقد بهت حين سمع منه كلامًا عن تحرير مصر ولكن بصبغة مختلفة بعيدة عن فكرة الوطنية وقريبة فحسب من الدين، وقد حذره عثمان فوزي من الإخوان، وعلى أي حال توالت اللقاءات المنظمة في البيوت بحضور عبدالناصر، ومنها بيت الضابط أحمد مظهر، الفنان المشهور لاحقًا، وكان "ناصر" مدركًا لحقيقة استغلال الإخوان لحماسة الضباط لأجل منحهم مكانة سياسية وتعزيز نفوذهم في الجيش، وأراد تحريك قوتهم المتمثلة بنصف مليون عضو و4 آلاف شعبة لمظاهرات وتحركات جماهيرية لضرب الاحتلال، لكنهم كانوا يستمعون لخطابات البنا بغير اقتناع لأنها لم تكن تترجم لبرامج عملية على الأرض تخدم القضية الوطنية، وأدى محيي الدين وناصر قسم البيعة بغير اقتناع!

الإخوان.. من الدين للسياسة

ومع المد الوطني العارم الذي شهدته البلاد 1946، كان خالد محيي الدين زميلًا لثروت عكاشة، ضمن قوة الفرسان المكلفة بالتصدي لمظاهرات المنصورة ضد الاحتلال، وبطبيعة الحال لم يكونا على استعداد لضرب مواطنين يتظاهرون طلبًا للاستقلال، وشعرا أن الجيش لابد ألا يستغل ضد الشعب، وفي هذا التوقيت يعتقد "محيي الدين" أن جماعة الإخوان كشفت عن وجهها السياسي وتخلت عن نقائها الديني، فتقاربت من إسماعيل صدقي وحصلت على دعمه رغم عدائه للوطنيين، كما وقفت ضد اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، في تلك الآونة، وانسحب ناصر ومحيي الدين من التعاون مع الإخوان والولاء لهم.

خندق الدفاع عن فلسطين

في خنادق الفالوجا حوصر جمال عبدالناصر وصمد، وتفتحت مواهبه العسكرية والقيادية، وسافر معه العديد من الضباط تحت قيادة أحمد عبدالعزيز، ضمن كتيبة الجامعة العربية للدفاع عن فلسطين، وظلت هي الجرح المباشر إزاء العدو الإسرائيلي، جميعهم حصلوا على إجازة مفتوحة من القوات المسلحة المصرية، ومنيوا بصدمة نقص الذخيرة وقصة الأسلحة الفاسدة، التي استخدمت كما يرى "محيي الدين" ستارًا لإخفاء فساد نظام بأكمله، فالجيش كان خاويًا في أعماقه، وكان التدريب القتالي مفتقدًا، ولم تكن هناك حتى مناورة للتدريب العملي طوال 3 سنوات سابقة على حرب 1948، وهكذا ألقي بالجيش إلى أتون حرب لم يكن مستعدًا لها، وكانت الحكومة في مصر ضعيفة لا تقاوم ولا ترفض طلبًا لا للملك ولا للإنجليز، ومن ثم خضعت، وأرسلت الجيش المصري للهزيمة الدامية المخزية لكل مصري وعربي.

آمال الثورة وأحلامها الضائعة

ويروي "محيي الدين"، وقائع ثورة يوليو حتى عزل الملك فاروق، وقد نجحت الثورة في طرد الملك، وتحقيق الإصلاح الزراعي، ومصادرة أملاك أسرة محمد علي، وبناء آلاف المدارس والوحدات الصحية، لكن الجلاء كان العقدة، ولعب ناصر لعبة خطرة حققت نجاحًا حتى ألغى معاهدة الجلاء، واستولى على القاعدة البريطانية بالقناة بعد العدوان الثلاثي على مصر

ثم بدأ الصراع الكبير، مارس 1954، وسعى عبد الناصر إلى كسب تأييد إنجلترا وأمريكا لصفه، ويتلخص كما هو معروف بالجدل حول عودة الجيش لثكناته والديمقراطية، وانحياز خالد محيي الدين لموقف محمد نجيب على حساب عبد الناصر، وحاصرت التهم خالد محيي الدين بعد موقفه المؤيد لعودة الجيش للثكنات، وقرر العزلة قائلًا إنه قد شعر بتلاشي أحلامه شيئًا فشيئًا، ويعني أحلامه بالحرية والديمقراطية.

ويتهم مؤلف المذكرات أساطين القانون الدستوري بتدبيج نصوصًا تمكنها من التلاعب بالحياة الحزبية، ويرسمون لها خطوات ماكرة أربكت الأحزاب التي كانت مرتبكة بذاتها وضعيفة وعاجزة عن ممارسة أي فعل يمتلك صفة الاعتراض او المقاومة.

وكان "خالد"، يستشعر خلافًا شديدًا مع ما يصدر من تشريعات؛ قانون رأس المال الأجنبي، قانون الأحزاب، إلغاء دستور 1923، وحل الأحزاب، والقبض على ضباط المدفعية

وفي نهاية 1952، كان مجلس قيادة الثورة قد أعلن برئاسة محمد نجيب ووكيله عبد الناصر، ثم شن في يناير 1953 حملة اعتقالات واسعة شملت 14 من قادة الأحزاب و39 شخصًا بتهمة الاتصال بجهات أجنبية، و48 شيوعيًا من أعضاء حدتو، وأعلنت فترة انتقال 3 سنوات وقيام هيئة التحرير والدستور المؤقت الذي وضع سلطة السيادة في الدولة لمجلس قيادة الثورة، وبدأ الحكم العسكري المباشر بعد تشكيل المؤتمر المشترك من الوزراء وقيادة الثورة لإصدار التشريعات.

وأضاف "محيي الدين"، أن كانت الطبقة الوسطى، قد سئمت الحياة النيابية والأحزاب التقليدية وربطت بينها وبين كل فساد الماضي، إلا أنه لم يدرك عمق هذه المشاعر إلا في أزمة مارس عندما أحس بمشاعر الكثيرين منهم ضده، لدرجة أن كل أقارب زوجته كانوا ضد مواقفه خلال أزمة مارس، مستنكرين مطالبته بالبرلمان والانتخابات وعودة الأحزاب.

يقول "خالد": "نسينا في غمرة حماسنا ونحن ضباط عاديون أن الديمقراطية تعني في الأساس تداول السلطة، فما أن أصبحنا حكامًا حتى نسى البعض ما تعاهدنا عليه، وتمسك بالسلطة، وكأن البقاء بالسلطة هو بذاته حفاظ على منجزات الثورة ومصالح الشعب، ولا شك أن موقفا كهذا استند لفساد الحكم في العهد الملكي، وشكلية التوجه الديمقراطي".
ويرى كاتب المذكرات أن مارس 1954، تجربة ظلت تهيمن على أسلوب ناصر في الحكم وتصرفاته إزاء معارضيه، ولم يدرك أن مثل هذا النجاح وقتي، ولم يكتشف متى يتعين عليه العودة للديمقراطية والتعددية الحزبية، وانساق في التجربة حتى جاءت هزيمة 1967 ولم تكن هزيمة عسكرية بل سياسية لنظام فشلت آلياته في اكتشاف ما إذا كانت البلاد جاهزة للحرب أم لا، وبعد الهزيمة كانت هناك فرصة تاريخية لتحقيق الديمقراطية، لكنها ضاعت لأن الديمقراطية تتطلب من الحاكم تنازلات للشعب ولم يكن ناصر مستعدًا لذلك، واستمرت أزمة الديمقراطية التي ولدتها ثورة يوليو حتى كتابة المذكرات أي بعد 40 عامًا متواصلة.

اليوم الجديد