في عيد وفائه.. أساطير عروس النيل كما رواها المؤرخون

صورة أرشيفية

8/15/2019 5:19:08 PM
227
تقارير وتحقيقات

تحل اليوم (15 أغسطس) مناسبة احتفال قدماء المصريين كل عام بعيد وفاء النيل، خلال حفل عظيم يتقدمه الملك وكبار رجال الدولة؛ تقديرًا لمكانة النيل في نفوسهم.

وارتبطت بتلك المناسبة أسطورة «عروس النيل»، التي كانت تقول إن القدماء المصريين كانوا يلقون فتاة حية في النيل ليرضوه.

وظهرت عدد من الروايات التي تناولت أسطورة «عروس النيل»، تستعرضها «اليوم الجديد» فيما يلي:

• إلقاء جارية بِكر وتزيينها بالحلي والثياب

يقول الفقيه والمؤرخ أبوالقاسم عبدالرحمن بن عبدالحكم في كتابه «فتوح مصر والمغرب»: «لما فتح عمرو بن العاص مصر أتى أهلها إلى عمر حين دخل شهر بؤونة فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنة لا يجري إلا بها. فقال لهم وما ذاك؟ قالوا: كلما جاءت الثالثة عشر من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بِكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليه من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم عمرو: هذا لا يكون في الإسلام وإن الإسلام يهدم ما قبله. فأقاموا شهور بؤونة وأبيب ومسرى، والنيل لا يجري كثيرًا ولا قليلًا حتى هموا بالجلاء. فلما رأى عمرو بن العاص ذلك كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه بذلك، فكتب إليه عمر بن الخطاب أن قد أصبت أن الإسلام يهدم ما قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فالقها في النيل إذا أتاك كتابي».

فلما قدم الكتاب على عمرو بن العاص فتح البطاقة فإذا فيها: «من عبدالله أمير المؤمنين إلى نيل مصر. أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد الجبار أن يجريك. فألقى بن العاص البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بشهر، وكان أهل مصر قد تهيأوا للخروج منها والجلاء، لأنه لا يقوم بمصلحتهم إلا النيل وأصبحوا يوم الصليب، وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة واستراحوا من ضحاياه هذا العام وما بعده من أعوام».

وظل المؤرخون بعد ابن الحكم يتناقلون هذه الرواية فيما كتبوه مثل المقريزي والكندي وابن تغري بردي والقطاعي وابن دقماق والسيوطي وياقوت الحموي وابن إياس.

• إلقاء دمية خشبية بدلًا من الفتاة الآدمية

ظلت حكاية إهداء عروس للنيل كل عام في عيد وفاء النيل راسخة في الأذهان، واستمرت عادة إلقاء دمية خشبية على شكل فتاة آدمية بدلًا من الفتاة الآدمية التي كانت تزف إلى النيل، جزء من مراسم الاحتفال حتى الآن، ومازال كتاب محدثون وشعراء يرددون الحكاية، حتى السينما أخذت من حكاية عروس النيل موضوعًا لأفلامها.

وبالغ الناس في تجسيد الأسطورة، فقالوا إن الفتاة تظهر مرة أخرى، وقد تحول نصفها الأسفل إلى سمكة؛ لأن النهر لا يلتهم عرائسه بل يجعلها تعيش في أعماقه كالأسماك.

• إلقاء سمكة من نوع الأطوم التي تشبه الإنسان

منذ كشف شامبليون أسرار اللغة المصرية القديمة بعد اكتشاف ضابط الحملة الفرنسية بوشارد لحجر رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر، بدأ الباحثون في دراسة جادة للتاريخ المصري القديم، ومن هؤلاء الباحث الفرنسي بول لانجيه، الذي تفرغ لدراسة حكاية عروس النيل.

وخرج الباحث من دراسته بأن المصريين القدماء كانوا لا يلقون بفتاة في النيل ولكنهم كانوا يحتفلون بإلقاء سمكة من نوع الأطوم، وهذا النوع من السمك قريب الشبه بالإنسان ويصفه بعض العلماء بـ«إنسان البحر»، وتتميز أنثاه بأن لها شعرًا كثيفًا فوق ظهرها، ولها ما يشبه أرداف المرأة، أما وجهها فأقرب إلى كلب البحر، وحين تسبح فوق الماء تتمايل كأنها راقصة.

وكان المصريون القدماء يزينون سمكة الأطوم بألوان زاهية ويتوجون رأسها بعقود الورد والزهور، ثم يزفونها إلى النيل في عيد وفائه.

• دميات من الفخار

يقال أيضًا إنهم اكتشفوا في نهر النيل دميات من الفخار، ومعنى هذا أنه لم يلقوا بفتيات حقيقية.

• إلقاء فتيات مدربات على السباحة

أما إلقاء عروس حقيقية في النيل، فلم تعرفه مصر إلا في عهد المماليك، حيث جاءوا بالفتيات المدربات على السباحة تدريبًا جيدًا، وألقوا بهن في النهر، ثم يتركن ليسبحن حتى الشاطئ في كرنفال الاحتفال.

• خرافة بشهادة المؤرخين

وإلقاء عروس حية في النيل ليس إلا خرافة، فجميع من أرخوا لمصر قبل ابن عبدالحكم مثل هيكاه وهيرودوت وتيودور الصقلي وبلوتراك وكليمان السكندري، الذين كتبوا عن الحياة والعادات الفرعونية والغرائب والتقاليد في مصر القديمة، لم يتناولوا من قريب أو بعيد حكاية عروس النيل.

كما أن عبدالحكم كتب هذه الحكاية بعد فتح عمرو بن العاص لمصر بـ230 عامًا، ولم يكن من معاصريها وربما رويت له.

وأوضح من متن الرواية أن النيل استمر 3 شهور لم يجرِ فيه كثير ولا قليل، ولو حدث هذا لهلك كل من في مصر، كما أنه من المستحيل علميًا ارتفاع النيل 16 ذراعًا في ليلة واحدة.

ويؤكد الباحث مختار السويفي أن الحضارة المصرية حضارة راقية لم تعرف على مر العصور الضحايا البشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه.

ويقول السويفي: «إذا كان للنيل عروس، فهي أرض مصر التي يدخل عليها النيل في موسم الفيضان كما يدخل الرجل على عروس في ليلة زفافها. كما أن نقوش المعابد المصرية والبرديات التي عددت مظاهر الحياة والتقاليد والعبادات لم تذكر حكاية عروس النيل، ولو كانت هذه حكاية حقيقية لما أغفلتها النقوش».

وتذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، إحدى عاشقات الحضارة المصرية، في كتابها «القاهرة في حياتي»، أن حكاية عروس النيل ليس لها أساسًا تاريخيًا، ولم ترد غير القصة التي ذكرها بلوتراك والتي تقول إن ايجيبتوس ملك مصر أراد اتقاء كوارث نزلت بالبلاد، فأشار إليه الكهنة بإلقاء ابنته في النيل، ففعل، ثم ألم به ندم شديد فألقى بنفسه في النيل فهلك مثل ما هلكت.

ويقول عباس محمود العقاد في كتابه «عبقرية عمر»: «إن رواية عروس النيل على علاتها قابلة للشك في غير موضع فيها عند مضاهاتها على التاريخ، وقد يكون الواقع منها دون ما رواه الرواة بكثير».

ورغم ذلك عاشت الأسطورة في وجدان مصر وتناولها الأدباء والشعراء والفنانون والسينما، ومازالت كتب كثيرة ترددها كواقع؛ لكن الحضارة المصرية بأصالتها وعمقها تؤكد كل يوم وعيها وتحضرها.

لقد قدست مصر النيل العظيم شريان الحب والنماء نبع الخير والخضرة والازدهار، واحتفت به وظلت تناجيه في أناشيدها المقدسة، وصاغت الملاحم في عشقه، ولكنها أيضًا قدست الإنسانية والإنسان، ولم تضحَ بروح إنسان من أجل فيض النهر الخالد.

اليوم الجديد