«مفتاح دار السعادة».. رحلة يصحبك إليها ابن القيم

من لوحات المستشرقين عن الصلاة

8/10/2019 4:18:43 PM
121
ثقافة

قال بعض العارفين: "مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها"، وقال آخر "إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيب". وقال آخر: "والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته".

وهكذا عرف المسلمون الأوائل أسرار السعادة في حياة القلب، فقال أبو الحسين الوراق: "حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، والعيش الهنى الحياة مع الله تعالى لا غير".

وبالتزامن مع وقوف المسلمين على عرفات الله واقتراب الاحتفال بعيد الأضحى، نقترب من معنى السعادة، التي هي منتهى آمال البشر، الكل يسعى إليها، وقليل من يدركها، وقد تعددت مصنفات العلماء المسلمين في أصول السعادة المبنية على الإيمان بالله، وكان بينها هذا السفر الجليل للعلامة ابن القيم الفقيه الحنبلي الذي عاش في القرن الثامن الهجري وذاع صيته وعرف بمؤلفاته في إصلاح القلب، ومنها المعروف بـ"مفتاح دار السعادة".

يقول ابن القيم: لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله، ومن أكثر من الأعمال الصالحة واجتنب الذنوب والخطايا عاش سعيداً وكان من ربه قريباً، قال سبحانه : " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " [النحل: 97] .

والقلب السليم هو مفتاح السعادة، يقول أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- عن اليوم الآخرة، كما ورد في القرآن الكريم: { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] 

وتعددت آيات الله في صفات هذا القلب وأنه محط نظر الرب سبحانه من العبد، وهداية هذا القلب هي هدف الرسالات والكتاب الذي أنزله الله على النبي محمد وما نزل على الرسل من قبله، يقول النبي: (ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ) [رواه البخاري] .

يقول ابن القيم: وقد ظن بعض الناس أن السعادة في المال والثراء، ومنهم من توهمها في المنصب والجاه، ومنهم من طلبها في تحقيق الأماني المحرمة، ولكن يؤكد ابن القيم أنه من جمع ثلاثة كان سعيداً حقاً : الشكر على النعم، والصبر على الابتلاء، والاستغفار من الذنوب.

إن بصيرة المؤمن هي سر سعادته، يقول الله: " أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها.. " (الأنعام: 122).

ولهذا يقول العلامة صاحب الكتاب: " أصل كل خير للعبد بل لكل حي ناطق كمال حياته ونوره، فالحياة والنور مادة كل خير.. فبالحياة تكون قوته وسمعه وبصره وحياؤه وعفته.. كذلك إذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه فاستبان حسن الحسن بنوره وآثره بحياته وكذلك قبح القبيح "

إن فرح المؤمن مرتبط بفضل ربه وإدراكه له، يقول الله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58]، قال الإمام الطبري: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن، أي إن كان شيء في الدنيا يستحق أن يفرح به فهو فضل الله ورحمته.

وينظر الإسلام للسعادة الدنيوية بمعزل عن الإيمان باعتبارها ظل زائل، وقد قال -سبحانه-: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:205-207]؟ فهذه المتع التي فرحوا بها في الدنيا وامتدت لهم سنين ماتوا وتركوها لغيرهم!

ولذلك نرى الأنبياء والصالحين إذا دعوا ربهم شيء من الدنيا لم يسألوه دون أن يربطوا سؤالهم بالآخرة: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) [الشعراء:83-85].

ولو تأملنا العهد الإلهي منذ خلق آدم عليه السلام، سنجده في قوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، وهكذا فالسعادة مرتبطة بهدى الله لعباده ولن تأتي بغير ذلك

ويؤكد العلامة ابن القيم أن عهد الله مع آدم لا سبيل إليه إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة بابُ الوصول إليه، والعلم مفتاحُ ذلك الباب المتوقف فتحُه عليه.

والجنة لن يدخلها إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو الذى همه كله فى الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها:{يَا أَيَّتُهَا النّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ رَاضِيَة مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27-28] .

ولهذا فالسعادة في زكاة القلب، يقول الله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] وقال الحسن: "قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله تعالى، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله تعالى" قال ابن قتيبة: "يريد أفلح من زكى نفسه، أى نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة، واصطناع المعروف".

{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 10] أى نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصى. والفاجر أبدا خفى المكان، زَمِن المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس. فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها، ومصطنع المعروف قد شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع الأرض

وزكاة القلب كما يشير ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" لا تكتمل إلا بطهارته، فالقلب الطاهر لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته.

وقد قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)} [هود: 108]، فأخبَر سبحانه أنَّ هذا العطاءَ في جنة الخُلد غير مقطوع، وما أُعطِيَه آدمُ فقد انقطع؛ فلم تكن تلك جنةَ الخُلد.

اليوم الجديد