حين اتُهم محمود درويش بالعمالة لإسرائيل

محمود درويش

8/9/2019 1:37:12 PM
154
ثقافة

من النسخة الورقية 

قرر الرحيل عن فلسطين فانتقده غسان كنفانى بمقال لاذع
حمل القضية فى قلبه وفى قلمه، وأفنى عمره من أجلها. سُجن وتعرض للإيذاء المادى والجسدى، حتى أصبح شعره رمزا للقضية الفلسطينية، وصار من رواد أدب المقاومة، ولهذا كان لابد للاتهامات التى لحقته أن تكون موضع حيرة واستنكار من قبل محبيه.
فى عام 1968هُوجم محمود درويش وصديقه سميح القاسم إثر انضمامهما للوفد الإسرائيلى المتجه إلى صوفيا ببلغاريا لحضور المهرجان الدولى للشباب والطلبة، ولم يقتصر الهجوم على قضية المشاركة فقط، ولكنه شمل حملهما لجواز سفر إسرائيلى، وسيرهما وراء العلم الصهيونى، بالإضافة إلى اقتصارهما على مهاجمة عدوان 67، دون المطالبة برحيل الكيان الغاصب.
وبالعودة إلى الحادث نفسه، يوضح رجاء النقاش، الناقد المصرى، فى كتابه "محمود درويش.. شاعر الأرض المحتلة" أنه فى بادئ الأمر رفضت إدارة المهرجان مشاركة دولة الاحتلال فى الفعاليات المقامة فى صوفيا؛ تلبية لمطالب الوفود العربية، ولكنها بعد ذلك اشترطت أن تبعث إسرائيل بوفد شعبى لا يمثل السلطات الإسرائيلية، فوقع الاختيار على الحزب الشيوعى الإسرائيلى، نظرا لاتصاله الوطيد بعرب 48 الذين رفضوا ترك أرضهم وبقوا داخل إسرائيل، وضم الحزب أدباء وشعراء تصدروا رموز المقاومة.
حزب إسرائيلى وعرب 48

ضاقت الحياة السياسية بـ"عرب 48"، ولم يستطيعوا تكوين أى تنظيم مستقل بهم؛ بسبب تضييق الخناق عليهم من قبل المحتل الذى قام بتحريم تنظيمهم الوحيد "الأرض"، فلم يجدوا أمامهم سوى الانضمام للحزب الشيوعى الإسرائيلى، وكان هو الحزب الوحيد الذى يسمح بانضمام العرب إليه بسهولة، كما استطاعوا أن يجدوا من خلاله فرصة للتحرك من أجل قضيتهم، وكان من بينهم محمود درويش وسميح القاسم.

وانطلاقا من هذه الظروف، شارك الشاعران فى المهرجان؛ ليتعرفا على الشباب ذوى المرجعيات الأخرى سواء كانوا عرب أم من باقى دول العالم؛ ليلفتا الأنظار إلى قضية بلدهم المحتل بوسيلة أخرى غير الرصاص والقنابل.
كما برر "النقاش" فى ذلك الكتاب حملهم لـ"الباسبور" الإسرائيلى وسيرهم وراء علم "نجمة داوود"، أنه فى حالة رفضهما السير وراء العلم، كنا سيُحرمان من دخول وطنهم بعد ذلك، ويضطران إلى استكمال نضالهما فى أى دولة عربية، وبذلك يحققا أمل المُعتدى لترحيلهم خارج البلاد، الأمر الذى حدث بالفعل مع "العاشق سئ الحظ" بعد ثلاث أعوام على وجه التقريب ولكن بمحض إرادته، فكانت الانتقادات تلاحقه دائما وأبدا.

قرار عدم العودة

توجه "درويش" للاتحاد السوفيتى عام 1970 للدراسة بمعهد العلوم الاجتماعية فى أول رحلة له خارج فلسطين، بعد رفض السلطات الفرنسية دخوله إلى البلاد فى عام 1968، وبعد انقضاء عام من إقامته بموسكو قرر عدم العودة إلى وطنه واتخذ من القاهرة وجهة جديدة للنضال. 

وتضمنت تلك الانتقادات، مقالا نشرته صحيفة الحوادث اللبنانية، تصدرت غلافها صورة "محمود" كُتب فوقها بخط عريض، "ليته يعود إلى إسرائيل"، ونادى فيه الكاتب الموقع باسم "ربيع مطر"، بعودة محمود درويش إلى بلاده فجاء فيه: "ليتك تعود إلى إسرائيل.. إلى السجن، ليتك تعود مهما كان الثمن الذى ستدفعه من حريتك وحتى من فنك وشعرك.. عد فقد اخترت وليس لك أن تتراجع.. لقد عينت نفسك، وذكره بأن "الاستقالة ممنوعة"، يُذكر أن "مطر" هو غسان كنفانى، الكاتب الفلسطينى الشهير.

ولما تعرض له من انتقادات قاسية، ولكم الخذلان الذى تعرض له محبوه، عقد "شاعر القضية الفلسطينية" مؤتمرا صحفيا فى فبراير 1971؛ لإلقاء بيان أعلن فيه أن وجوده فى القاهرة مسألة شخصية، وأن القضية التى ارتبطت باسمه، دفعته إلى اختيار موقع جديد للمحاربة، وهذا الموقع بالنسبة له، كما قال فى بيانه، أكثر انطلاقا وحرية، وسيمنحه فرصة أكبر للتعبير عن قضيته، وذكر بالبيان مشاعره التى اختلط بها الاستسلام والأمل واليأس حول نفسه وموطنه، وختم البيان بأمنية أن تمنحه الجبهة الجديدة الطاقة والانطلاق، فالأهم هو خدمة القضية التى يحيى ويموت من أجلها.

دفن بأوامر رئاسية

توجه "درويش" الولايات المتحدة للخضوع لعملية قلب مفتوح، دخل إثرها فى غيبوبة، ورحل "ابن القضية" فى 8 أغسطس عام 2008، بعدما نُزِعت أجهزة الإنعاش عنه؛ تنفيذا لطلبه قبل دخوله غرفة العمليات، ودُفِن فى مدينة رام الله بموطنه فلسطين بناء على طلب الرئيس محمود عباس.



 

اليوم الجديد