«لى حصة من سِفر أيوب».. استخدامه للتوراة فى أشعاره

نحمود درويش

8/9/2019 1:30:23 PM
178
ثقافة

استخدم محمود درويش الرموز التوراتية فى شعره وبرع فى توظيفها توظيفا فنيا نموذجيا، إذ أعطى للرمز دلالته التاريخية تارة، وأعطاه دلالة رمزية مغايرة تارة أخرى، ومن بين أهم المصادر التى اعتمد عليها لكتابة فنه، كان كتاب التوراة، فقام درويش بالتناص مع أكثر من 40 نصا وحكاية توراتيين، إما بالإشارة أو التلميح أو الاقتباس المباشر.

فى ديوانه الأول "أوراق الزيتون" يقول درويش: خبئى عن أذنى هذه الخرافات الرتيبة/ أنا أدرى منك بالإنسان.. بالأرض الغريبة"، وهنا يطالعنا بتماس بسيط من أرض الغربة التى أبكته قبل أن يبكيه أى شئ آخر، فقد أبكت قبله عيسى (أدوم) أخو يعقوب وموسى وداود، وهم فى أرض غربتهم، فلم يروا إلا الحزن، إذ الفرح إلى دروب قلوبهم مسدود، فكيف للغريب أن يغنى أو يرنم وهو بعيد عن الوطن؟ وهو المعنى الذى ورد ذِكره فى سِفرى الخروج والتكوين.

أيضا استعان "درويش" بلفظة "هللويا" التى افتتح بها قصيدته فى ديوان "أحبك أو لا أحبك"، قائلا: "آه يا أطفال بابل، ستعودون إلى القدس قريبا، وقريبا تكبرون. وقريبا وقريبا، هللويا.. هللويا"، وهى الكلمة البادئة والخاتمة للمزامير الحمدية فى الكتاب المقدس، والتى احتفل بها بنو إسرائيل قديما بالعودة من سبيِّهم ونجاتهم من أى محنة تصيبهم.

كما استلهم مما رُوى عن النبى موسى فى سِفر الخروج الإصحاح الخامس: "رجع إلى الرب وقال يا سيدى لماذا أسأت إلى هذا الشعب، لماذا أرسلتنى، فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم بِاسمك أساء إلى هذا الشعب، وأنتَ لم تخلص شعبك"، ومن هذه الفقرة التقط بعض تعبيرات موسى، عليه السلام، بعد معاتبة أهله له وتحميله مسؤولية ما يجرى لهم، يقول شاعر فلسطين فى ديوانه "أعراس": ستكون نسرا من لهيب، والبلاد فضاؤك الكحلى/ تسأل: هل أسأت إليك يا شعبى؟ وتنكسر"، وهنا تتجلى رؤية درويش لنفسه كمتحدث بِاسم الشعب الفلسطينى وناطق بوجدانه، وهو يحاسب نفسه، هل أساء إلى الشعب الفلسطينى بتعبيره عنه، وهل كلماته عجزت عن التعبير عن أمانيه؟

يقول فى قصيدة "شتاء ريتا": "لى حصة من مشهد الموج المسافر فى الغيوم، وحصة من سفر تكوين البداية، وحصة من سفر أيوب، ومن عيد الحصاد". كما يؤكد هنا أن أمواج الغيوم ليست مخصوصة لأحد، وبهذا فهو يقول لليهود إن أسفاركم المقدسة لا تخصكم وحدكم، وإنما له حصة ونصيب منها.

فى الإصحاح الـ11 من سِفر الملوك الأول يقتل الملك آخاب مواطنا يُدعى نابوت اليزرعيلى وورث عنه بستانه، وهى المفارقة التى يبرع في استخدامها درويش حين يقول فى ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا": (إن ضاقت الزنزانة امتدت بى الأرض، ولكن رعاياك تخسون كلامى غاضبين، ويصيحون بآخاب زايزابيل: قوما، ورثا بستان نابوت الثمين، ويقولون: لنا الله، وأرض الله لا للآخرين)، هذا هو ديدن اليهود الذى يراه درويش منذ خليقتهم، ويعتبرون أنهم شعب الله وأن أرض فلسطين حقهم الوحيد.

اليوم الجديد