محمود درويش يتنفس "شعرًا" ولو في سطوره!

محمود درويش

8/9/2019 1:24:03 PM
201
ثقافة

من النسخة الورقية

اعتقد أن النثر سيمنحه مساحة أرحب للتعبير عن قضيته

رسائله وسردياته تحمل النَفس الشعرى ولم تتخل عن التفعيلة

حملت مقالاته صيغة المقاومة.. واعتقلته إسرائيل بسببها مرارا

 

 

محمود درويش يتنفس "شعرًا" ولو في سطوره!

أيقظته أمه وهو ابن السابعة لينجو بحياته فتبدلت طفولته

شغف بالرسم وكتب أشعاره من وحي النكبة

تمنى لو تفرغ لكتابة النثر وأصبح شاعرا فاشلًا

محنة شاعر .. فلسطين أوسع من قصيدة !

درويش نظم الشعر نثرا .. ومارس الشعر في سطوره

لماذا طلب درويش من صديقه أن يحتضن شجرة الخروب؟

كتبت : شيماء عيسى

"قصائدنا بلا لون/بلا طعم بلا صوت/إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت/و إن لم يفهم البسطا معانيها/فأولى أن نذريها/و نخلد نحن للصمت"

وهكذا يعتقد الشاعر محمود درويش كما يقر في قصيدته أن مهمته هي أن تصبح كلماته إزميلا وسلاحا ومحراثا وقميصا او بابا او مفتاحا، كلمات تسرُّ الخلان وتغيظ المعتدين.

وقد اعترف محمود درويش كثيرا بغواية النثر، بل إنه في حوار صحفي تمنى لو فشل كشاعر ليكتب نثرا يجد فيه مساحة أرحب لتحقق شعريته؛ حيث الشعر والنثر متآزران كجناحي الطائر، تماما كما عبّر أبو حيان التوحيدي قبل قرون: «أحسن الكلام ما... قامت صورته بين نظم كأنه النثر، ونثر كأنه نظم...»

محنة أن تكون شاعرا في فلسطين

يقول درويش: ما أصعب أن يكون الشاعر فلسطينيا؛ عليه أن يكون اثنين في واحد، شاعر، وسياسيا.. وقد بدأ صاحبنا نتاجه النثري عام 1971 فصدر له "شيء عن الوطن"، "يوميات الحزن العادي"، "وداعا أيتهاالحرب..وداعا أيها السلام"،" ذاكرة للنسيان"، الرسائل المتبادلة مع سميح القاسم، "عابرون في كلام عابر" وصولًا لأعماله الأخيرة "أثر الفراشة" و"في حضرة الغياب"، وكلها يوميات ورسائل وسرديات تحمل ذات النفس الشعري والصورة الوجدانية الضاربة في عمق الحقائق والمحلقة ككل قصائد درويش بل ولم تتخل عن موسيقى التفعيلة التي راهن عليها في كل كتاباته.

ويجزم النقاد بأن خطأ فادحا يعتري كل مقولة بأي ما كتبه درويش كان قصيدة نثر، فرغم اعتراف الشاعر بأن حوار ضمنيا كان يجريه معها، ولكنه كان يجد حلوله للتعبير عن ذاته من داخل الوزن.

عادة ما تحمل سرديات درويش الحلم بالعودة للبيت/الأرض، فهو لا ينسى –بحسب حديثه لمجلة عربية في باريس 1986- كيف أيقظته أمه وهو ابن السابعة ليعدو مع مئات من سكان قريته البروة هربا من العصابات الصهيونية التي احتلت الأرجاء، وكيف باع الرجال مصوغات زوجاتهم هباء لمقاومتهم ببنادق فرنسية.. لا ينسى حين تسلل وجده وعائلته للبنان، وحين عاد فوجد أن كل شيء قد صار حطامًا، ولم يبق غير شجرة خروب وكنيسة مهجورة وراعي بقر يهودي من اليمن، يؤمن بأحقيته في الارض وفق وعود الرب من ألفي عام!

منذ ذلك الحين تبدلت طفولته، ونسى الهضبة الخضراء التي عاش فيها والمطلة على سفوح عكا، وتذكر كلمات الحرب، السلام، اللاجيء، الأسير، الشهيد، إلى نهاية الخط، وقد نبغ في الرسم، كنبوغه في الشعر، ولكن والده الفلاح البسيط لم يكن بمقدوره توفير أدواته، فتعمق في كتابة الشعر وطالع عيونه الأولى.

وقد عانى درويش من محنتي لجوء؛ في الخارج والداخل، فقد عاد من لبنان ليسكن قرية "دير الأسد" ومن بعدها "حيفا" وقد رأى أن غربته داخل وطنه كانت هي الأشد، لأنه لا مجال للحلم بغد أفضل، وقد تعرض لتجارب اعتقال إسرائيلية مريرة، وكانت كتاباته الصحفية بصحيفة "الجديد" و"الاتحاد العربي" وغيرها من عمق إسرائيل، ينبوع جديد لتفكر موهبته النثرية، حتى كانت مقالاته تطير لعواصم العرب والعالم وتحمل صبغة المقاومة، وازدادت أثرا بعد نكسة يونيو 1967

رسائل الأرض بين محمود وسميح

تعد رسائل محمود درويش من منفاه في باريس، لصديقه الشاعر سميح القاسم في فلسطين، من أبدع مراسلات الشعراء العرب المنثورة، وأصدقها، وقد كتبها في أواسط الثمانينات، بهدف أن "نعلق سيرتنا على السطوح..فأصل الحكاية هو رغبتنا الوارفة في أن نترك حولنا، وبعدنا، وفينا، تجربة جيل تألب على نور الأمل وعلى نار الحسرة"

لنر الشعر نهرا عذبا يجري مع ذكريات الطفولة المدهشة؛ رائحة الخريف والخبيز "من حق الولد أن يقيس المدى بفتحة ناي، أن يقع في بئر أو فوهة كبيرة في جذع شجرة خروب"

يتذكر دار جده التي تتوسطها شجرة التوت. وكيف تركوا كل شيء على حاله: "الحصان، والخروف، والثور، والأبواب المفتوحة، والعشاء الساخن، وآذان العشاء، وجهاز الراديو الوحيد لعله ظل مفتوحا ليذيع أخبار انتصاراتنا إلى الآن"

 يذكر هتافهما "أبدا على هذا الطريق.. أبدا مهما اشتد مزاح الزمن، ومهما توسع حمار الخواجا بلعام"..يعتبر أن " أولئك المحتلين، الواقفين بيني وبينك، لا يستحقون أية مقارنة مع أي شر عربي..

يعود للمكان" أريد أي مكان لأعود إلى ذاتي، أضع الورق على خشب صلب، أكتب رسالة أطول، أعلق لوحة على جدار لي، أرتب ملابسي لأعطيك عنواني، لأربي نبتة منزلية، لأزرع حوضا  من النعناع، لأنتظر المطر الاول كل شيء، خارج المكان، عابر وسريع الزوال حتى لو كان جمهورية، ذلك.. ذلك هو ما يجعلني عاجزا عن الرحيل الحر.." ويتابع: "ست عشرة سنة تكفي لأصرخ: بدي أعود. بدي أعود. كافية لأتلاشى في الأغنية حتى النصر أو القبر."

وفي تلك الرسائل، نطالع محاورة درويش مع كاتب فنلندي سأله عن مستعمرة "يسعور"، التي عاش فيها الفنلندي اليهودي عشر سنوات قبل أن يعود لبلده، وهي ذات القرية التي ولد فيها درويش ودمرتها العصابات الصهيونية، وهنا أجابه الشاعر الكبير: يا سيد دانيال كاتس، يبدو لي أنك تعرف أنني ولدت هناك، تحت غرفة نومك، وتعرف أن لا حق لي في العودة إلى مكان ولادتي، بينما أنت الفنلدني، صاحب العشرين ألف بحيرة، تملك الحق في العودة إلى بلادي في أي وقت تشاء" وهنا أهداه الفنلندي أغنية من أعماقه تتحدث عن شعوره بظلم الفلسطينيين ووخز الضمير الذي أعاده لبلاده، وقد علم أن شجرة الخروب زرعها العرب وليس المهاجرون اليهود!

يجتر درويش في رسائله قهره في عواصم الضباب وهو يرى ماكينة الكذب الإسرائيلية، وأغنياتهم التي يتحتم أن ينشدها الجميع تضامنا مع الضحية !

ويرجوه أخيرا: ارجوك يا حارس الخروبة من أغاني الآخرين إن مررت بها غدا، أن تعانقها وأن تحفر على جذعها اسمي واسمك.. ولا تتأخر!  باريس 3 يونيو 1986

اليوم الجديد