ماذا قالت لنا كتب التاريخ عن حج النبي والخلفاء الراشدين؟

8/7/2019 3:19:12 PM
182
ثقافة

- في أي عام فرض الحج على المسلمين؟

- وكيف اختلف أصحاب كتب الحديث و السنن في عدد حجات النبي (ص)؟

- كيف استدل الفقهاء من حجة النبي في العام العاشر أن الحج على التراخي وليس على الفور؟

- كم كانت تكاليف الحج في عهد الخلفاء الراشدين؟

فرض الحج على المسلمين في العام السادس من الهجرة، وكان المسلمون يحجون مع المشركين، إلى أن نزل قوله تعالى في سورة براءة، في العام التاسع من الهجرة:

(يَا أيُّها الذينَ آمنُوا إنَّمَا المشركونَ نَجَسٌ فلا يقربُوا المسجدَ الحرامَ بعدَ عامِهِمْ هذَا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فسوفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ منْ فضلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللهَ عليمٌ حكيمٌ).

وفي تلك السطور لن نتعرض للحج من حيث مناسكه وأركانه وسننه ، ولكن سنتعرض لما يمكن أن نسميه الجزء التاريخي لتلك الفريضة العظيمة ، وبالتحديد هذا الجزء الخاص بالنبي والخلفاء الراشدين ، وكيف كانت سيرتهم وأخبارهم  مع الحج ، وذلك من خلال ما جاء في كتب السير والتاريخ ..

حج النبي ( ص):

من الغريب والمثير للعجب أن كتاب السير والسنن قد اختلفوا في عدد المرات التي أدى فيها النبي فريضة الحج ..

وقد ورد في الصحيحين ، عندما سأل قتادة أنس بن مالك

فقال له: "يا أنس كم حجة حج رسول الله -صلى الله عليه وسلـم؟، فقال أنس: (لقد حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة، واعتمر أربعة مرات).

وفي سنن الترمذي أن النبي (ص)  حج ثلاث حجج ،حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر ومعها عمرة فساق ثلاثة وستين بدنة..

وفيها أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قد حج حجة واحدة واعتمر أربع عمر عمرة في ذي القعدة وعمرة الحديبية وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة.

أما في سنن ابن ماجة فقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر من المدينة .

وفي مسند أحمد أن النبي (ص) حج حجة وحجة واعتمر أربع عمرات .

والمرجح تاريخيا أن النبي (ص) لم يحج إلا مرة واحدة وأنه قد اعتمر أربع عمرات .

ففي يوم مشهود من أيام الدنيا وأيام الإسلام  خرج رسول الله (ص) في العام العاشر من الهجرة ومعه مائة ألف أو يزيدون؛ يؤدون مناسك الحج بعد أن أصبحت مكة في حمى المسلمين وتحت سيطرتهم ، وبعد أن طهرت الكعبة من الأصنام وبعد أن محيت آثار الشرك والجاهلية .

وقد جاء عن رسول الله (ص) أنه لما كان في آخر حياته نادى مناديه أنه يريد الحج وكانت حجة الوداع ؛ لأنها كانت في آخر عمره ؛ ولأن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ودع فيها الأمة فوقف يوم عرفة وقال-: " أيها الناس اسمعوا قولي وخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " .

وفهم الصحابة إشارة النبي إلى دنو الأجل واقتراب الرحيل

وحلول وقت الفراق ..فتأثرت قلوبهم وهاجت أحزانهم وتحركت مشاعرهم ، والتصقت أعينهم بالنبي وأخذوا عنه هديه وسنته في حجة الوداع على أتم الوجوه وأكملها حتى حفظوا الزمان ، وحفظوا المكان ، وحفظوا الحركات ، وحفظوا الكلمات، ثم تناقلوها بعد ذلك جيلا بعد جيل حتى وصلت إلينا كما هي بالتواتر العملي .
وتوصف هذه الحجة بأوصاف عديدة أشهرها البلاغ والإسلام والوداع.

وسميت حجة البلاغ؛ لأن رسول الله كان يقول عقب كل أمر أو نَهْيي في خطبته أَلا هل بلغت؟ فيقول الجمع الحاشد: نعم، فيقول عليه الصلاة والسلام: اللهم فاشهد.

وسميت حجة الإسلام؛ لأنها الحجة الوحيدة التي أداها الرسول الكريم في الإسلام بعد فرضيته ونزل فيها قوله تعالى: (اليوم أكملت لكمْ دينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعمتِي ورَضِيتُ لكُمْ الإسلامَ دينًا) المائدة:

وسميت حجة الوداع؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودع أمته قائلا: “أيها الناس اسْمعُوا قولي فإني لا أدري لعلي لا أَلْقاكُم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا” فقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى بعد عودته إلى المدينة بقليل.

وقد يكون تعدد المسميات لتلك الحجة الواحدة ، هو السبب في  أن يظن البعض أن النبي (ص) حج أكثر من مرة ، لكنها في الحقيقة أسماء عديدة لحجة واحدة.

وهنا يتبادرإلى الذهن سؤال: إذا كان الله قد فرض على نبيه وعلى المسلمين في العام في العام السادس فلماذا حج صلى الله عليه وسلم في العام العاشر ؟

والإجابة تكمن في فكرة هل الحج على الفور أم على التراخي؟

فالجمهور يرون أن الحج على الفور ، بينما يذهب آخرون إلى أنه على  التراخي ومنهم  الشافعي والأوزاعي ومحمد بن الحنفية وغيرهم، وكان دليلهم في ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يحج إلا في العام العاشر .

الخلفاء وفريضة الحج:

جاء في ( الذهب المسبوك ) للمقريزي ، أنه لما بويع لأبي بكر بالخلافة في إحدى عشرة من الهجرة ، حج بالناس في هذه السنة عتاب بن أسيد وقيل عبد الرحمن بن عوف .

ويقطع المقريزي بتولي أبي بكر إمرة الحج  في سنة اثنتا عشرة  وأنه قد استخلف عثمان على المدينة .. وهناك آراء أخرى تفيد أن أبا بكر لم يحج في خلافته قط.

وتولى إمارة الحج في عهد عمر بن الخطاب في سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف  فحج بالناس وحج مع عمر أيضاً آخر حجة حجها عمرُ سنة ثلاث وعشرين  .

 

وتولاها سنة أربع عشرة عمر نفسه ، ثم تولاها في السنين التالية مدة خلافته  ،وقد حج عمر في خلافته تسع مرات  بحسب بعض الآراء.

وفي عهد الخليفة  الثالث عثمان بن عفان فقد تولى إمارة الموسم (الحج) عبد الرحمن بن عوف وذلك في سنة أربع وعشرين ، وقيل أن الخليفة نفسه حج بالناس في تلك السنة ، أما بقية سنوات حكم الخليفة عثمان فقد تولى بنفسه إمارة الحج.

وأما في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ، ونظرا للظروف والصراعات السياسية التي أحاطت بعهده منذ اللحظة الأولى لتوليه الخلافة ، فقد شغل هو عن الحج بنفسه

فكان أمراؤه على الحج عبد الله بن عباس وقد تولى إمارة الحج ف سنة ست وثلاثين، وسبع وثلاثين ، وقيل كما في رواية للطبري أن الذي حج سنة سبع وثلاثين عبيد الله ابن عباس .

وفي سنة ثمان وثلاثين  اختلفت الأقوال في نفس الموضوع فقيل أن الذي  حج بالناس هو  عبد الله بن عباس ، و قيل أن الذي حج كان قثم بن العباس  .

وفي سنة تسع وثلاثين حج بالناس شيبة بن عثمان الحجبي صاحب مفتاح الكعبة، ومن المفارقات أن أباه ممن قتله علي بن أبي طالب يوم أحد كافرا، وأظهر شيبة الإسلام يوم الفتح، وشهد حنينا وفي قلبه شيء من الشك، وقد همَّ بالفتك برسول الله (ص) ، فأطلع الله على ذلك رسوله فأخبره بما همَّ به، فأسلم باطنا وحسن إسلامه ، وقاتل يومئذ وصبر فيمن صبر.

والحقيقة أن شيبة لم يرشحه الخليفة لإمارة الحج، إنما كان قد رشح عبد الله بن عباس ، في الوقت الذي أرسل فيه معاوية بن أبي سفيان من قبله يزيد بن شجرة أميراً للحج فتنازع الأميران ، ثم اصطلحا على إمارة شيبة .

وفي محاولتنا لاستخراج معلومة مؤكدة من المصادر عن تكاليف رحلة الحج في هذا الزمان ، فإننا للأسف لم نجد أي بيان محدد بذلك..

لكن هناك رواية في تاريخ الطبري، يمكن إلى حد ما من خلالها استنتاج - ولو بشكل تقريبي - تكلفة الرحلة المباركة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب..

تقول الرواية عن إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال " مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السوق ومعه الدرة فخفقني بها خفقة فأصاب طرف ثوبي فقال أمط عن الطريق فلما كان في العام المقبل لقيني فقال يا سلمة تريد الحج فقلت نعم فأخذ بيدي فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمائة درهم وقال استعن بها على حجك".

 وفي (مروج الذهب ) للمسعودي، وفي سياق حديثة عن الثروات التي تضخمت في عهد الخليفة عثمان بن عفان ، ومقارنة ذلك بما كان في  عصر عمر بن الخطاب : "و حج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر دينارا، وقال لولده عبد اللّه: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا".

اليوم الجديد