لحظات اليأس والوجع.. طلاب خاصمهم «المجموع» فخسروا كل شئ

صورة أرشيفية

7/28/2019 8:11:50 PM
737
تقارير وتحقيقات

أولياء أمور يتنمرون على أبنائهم عقب فشلهم بـ«الثانوية» طالبة تنتحر بالقاهرة.. وآخر يطلق النار على نفسه فى الشرقية لم تستطع الالتحاق بـ«الفنون التطبيقية» فهربت من البيت

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

صبيحة الجمعة الماضية، دخلت والدة (ا. ح) الطالب بالثانوية العامة غرفة نجلها لتفاجأ به جثة هامدة مشنوقا بواسطة حبل علّقه فى السقف، بعدما سأم من موجة التنمر الكبيرة التى تعرض لها عقب تحقيقه مجموع 87%، بالثانوية العامة، وهو مالم يُرض أهله وأصدقاؤه فاستمروا فى معايرته والسخرية منه حتى ساءت حالته النفسية لدرجة دفعته للإجهاز على حياته.

صحيح أن تقرير المعمل الجنائى أكد أنه لا توجد شبهة جنائية فى الأمر، لكن ما لن تقوله الوثائق الرسمية أن أهل الضحية يجب أن يُحاكموا جميعا أمام القضاء بتهمة القتل العمد.

إذا جلست تتصفح مواقع التواصل الاجتماعى بعد إعلان ظهور نتائج الثانوية العامة، فستكتشف أن الحالة التي بدأنها بها التقرير ليست  الوحيدة، وإنما ستتابع عشرات المنشورات يتخللها طابع الحزن عن حالات أصيبت بأمراض نفسية، ليس من تحطم أحلامهم فقط، بل لنظرات ذويهم لهم، ودائما ما نسمع عن انتحار طلاب وطالبات بعد نتيجة الثانوية العامة خوفا من مواجهة أولياء أمورهم، لماذا وصلت العلاقة بينهم هكذا؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه فى هذا التحقيق..

تحطم نفسى

"ماما بصتلى بقرف علشان جبت 94%"، كانت هذه الكلمات بداية لتتبع الإيذاء النفسى الذى سببه مصدر الأمان لطلاب لم يبلغوا من العمر 17 عاما، أملت "ن. م" الفتاة التى حاولت تحقيق حلمها وحلم والدتها فى الدخول كلية الطب، ومنذ ظهور النتائج بدأت نظرات والدتها تظهر فى عينيها تلقى باللوم على فتاة وقف بينها وبين حلمها 5%، نظرات تناست شهورا عديدة من السهر والتعب، فبدلا من احتواء صغيرتها من التحطم النفسى، ساهمت دون وعى فى شعور داخلى لا يمحى بمرور الوقت.

فيما كان "ع. م" ليس له هدفا يسعى وراءه سوى أن يبث الفرح فى بيت ذويه، إلا أن مجموع الـ80% لم يحقق هذه المهمة، بل بادله بنظرات قتلت أشياء داخله، فقبع وانزوى فى غرفته يعيش لحظات من اليأس والوجع.

 حالة من الرعب والقلق صاحبت أصدقاءه بعد أن نشر على صفحته الشخصية "فيسبوك" كلمة "وداع"، محاولين التوجه إلى بيته وكتابة منشورات داعمة له، أملا فى إصلاح ما تلف داخله.

فرَّت "ف. ع" من منزلها فور سماع صرخات عالية من والدتها، لحلم لم تحققه ابنتها التى ظلت تخطط حياتها من أجل الالتحاق بكلية "الفنون التطبيقية"، لتبدأ الصيحات تعلو بالذم أرجاء البيت فور ظهور النتيجة.

لم تكن تعلم "ف.ع" أين تذهب، وكيف لها أن تهرب من تشويش يحدث داخلها منذ تحطم حلم الطفولة، وتشويش يحدث فى كل دقيقة من قبل والدتها، فلم تجد سوى أحد الأقارب تمكث فى بيتهم لأجل غير مسمى.

الانتحار

فجوة كبيرة وقع فيها الآباء إثر أشياء لا تحدد مستقبل أبنائهم، حالات حزن خيّمت على عددٍ من المنازل فور تلقى صدمة الثانوية العامة، قصص مأسوية يكتبها الطلاب كل عام بتسجيل أرقام قياسية بالانتحار، لحظات رعب وخوف من مصير صُوِّر لهم أنه أبدى لا يستطيعون الفرار منه.

ليبدأ مسلسل الانتحار يسيطر على الطلاب خلال الأيام الأخيرة، حيث تلقت نيابة شمال القاهرة بلاغا بانتحار طالبة بالثانوية العامة عقب ظهور النتائج بعدة ساعات، وتبين إصابتها بحالة اكتئاب وانهيار من البكاء ونوبات الصراخ المتتالية، ومن ثم ألقت بنفسها من شرفة المنزل.

حالات الخذلان وعدم الدعم النفسى، كانت سببا فى سقوط العديد من الضحايا، فلم يهم الطلاب كم حصدوا بقدر ما كان يشغل بالهم رد فعل والديهم تجاههم.

فيما أطلق طالب بالثانوية العامة على نفسه "النار" من طبنجة والده بكفر صقر الشرقية، ما أدى إلى وفاته، وتبين خلال التحقيقات أنه تعرض لإصابة نفسية إثر رسوبه فى بعض المواد.

الجلد بالسخرية

فى الوقت الذى خيّم الحزن والقسوة على بيوت طلاب الثانوية، كانت والدة أحمد تتبع معه أسلوب السخط والاستهزاء به، بالرغم من علمها من قبل أنه لم يكن يفضّل الالتحاق بالكليات القمة.

فبكلام لاذع بدأت فى منعه من كل شئ يفضله، نظير ما حصده من ٧٠٪ لشعبة الرياضيات، حتى بهتت ملامح وجه، وتحول من طالب يحاول تقبل قدره والبحث داخل نفسه عما يريد، إلى شخص يأبى كل شئ، يمكث فى حجرته بركن مظلم يرفض الخروج منه، بحسب ما وصفته شقيقته الكبرى.

"أنا اللى حواليا بيرموا كلام بيأذينى أيام وشهور وسنين".. بهذه الكلمات كتبت "أ. ح" عبر تعليق بأحد صفحات الثانوية العامة يتساءل عن ردود أفعال أولياء الأمور عند ظهور النتيجة، واصفة ما تشعر به إثر إلقاء كلمات من أقرب مصدر آمن لها، ورفض النقاش معها وسماعها واعتبارها مذنبة من الدرجة الأولى.

تنمر الآباء على الأبناء

قال استشارى الأمراض النفسية، الدكتور جمال فرويز، إن تعامل الآباء مع أبنائهم المراهقين بهذا الشكل يعد نوعا من أنواع التنمر.

وأضاف "فرويز"، فى تصريح لـ"اليوم الجديد"، أن بعض الطلاب سيُصابون بأمراض نفسية خاصة العصبيين منهم، والمصابين بأعراض القلق، وتختلف أنواع العصاب ما بين "الهستيرية، القهرية، القلق، الرهابية".

وأوضح، أن طلاب الثانوية العامة يبلغون من العمر 17 عاما، أى يعتبرون مراهقين، متسائلا كيف فى هذا العمر يتنمر ذويهم عليهم سواء بالسخرية أو المقارنة بينهم وبين آخرين؟!

وأشار إلى أن هؤلاء المراهقين أول شئ يلجأون إليه هو الانتحار أو الإيذاء الذاتى، للحصول على الاهتمام أو العطف من الآخرين، وهو ما يسمى بتدهور سن المراهقة.

وتابع استشارى الأمراض النفسية، أنه لابد على الأهالى اتخاذ الحذر تجنبا لحدوث كوارث وتشويه فى تكوين شخصية أبنائهم.

ثقافة بحاجة لتعديل

وبدورها قالت أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، سامية خضر، إن ثقافة المجتمع فى حاجة إلى تعديل مسار، مضيفة أن تفكير المجتمع يتمحور ناحية التقاليد المتبعة من الصغر وحتى التمرد على المسار المتبع.

وأشارت خضر، فى تصريح لـ"اليوم الجديد"، إلى ضرورة سعى الطلاب لتحقيق أحلامهم، لا أحلام ذويهم، لذا لابد من تجنب الضغوط عليهم، والحرص على الوقوف بجوارهم فى الأزمات.

وأوضحت أن ما يحدث فى هذه المناسبات سيظل عالقا فى أذهان الطلاب، مما قد يصيبهم بالنفور من آبائهم، إذا لم يتعرضوا لضغط عصبى جعلهم يقدمون على إيذاء أنفسهم، مضيفة أن معظم المفكرين والنابغين لم يصنفوا مجتمعيا بأنهم ضمن كليات القمة.

اليوم الجديد