الساحرة المستديرة.. مُلهمة الشعوب ذات الألف وجه

صورة أرشيفية

7/18/2019 9:26:20 PM
157
ثقافة

لعبها بابوات الفاتيكان والفراعنة وأباطرة روما أورويل: حروب اليوم تخوضها الدول فى الملاعب قبائل الأزتك كانت تقتل الخاسرين وتقدمهم قرابين للآلهة

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

كرة جلدية بيضاء يتوزع عليها قليل من الأسود بالتساوى؛ تتدحرج بين أقدام حفنة من اللاعبين المهرة؛ يركلونها فتطير وتحلق معها القلوب والعيون فى نشوة وصرخات مكتومة، لن تجد مكانا خارج الحلبة السحرية الخضراء.. وكأنه وقت قد نذرته الشعوب المنهكة بفعل الحروب والأزمات، ومنذ قرون عدة؛ للفرح والتنافس الحر الشريف وشحذ الأمل ولو بتسديدة كرة تخترق الشبكة .

وعبر التاريخ امتلكت كرة القدم، ذلك الفعل السحرى الذى يمكن أن تلحظه ببساطة فى الشوارع إبان المباريات الهامة، والذى يأسر ألباب الشغوفين بها، وكأنهم منفصلين فى تلك اللحظات عن العالم البائس، حتى تمتليء المقاهى والشوارع والمنازل عن آخرها بالمتفرجين.

الحاجة للمتعة وللدهشة

حاول العديد من الباحثين الإجابة على تساؤل سر ارتباط الجماهير بكرة القدم، وشاركهم كبار الأدباء أيضا، فاعتبر سارتر كرة القدم بأنها مجاز الحياة، أى تعبير عنها، بكل قوانينها، أما جرامشى فقال إنها "مملكة الحرية البشرية فى الهواء الطلق"، ومساحة للأمل والسعادة، وفرصة جيدة لإظهار القدرة على العمل الجماعى المنظم، وإظهار المهارات البدنية التى تنطوى على عنصر المفاجأة.

كما أنه من تقنيات الفرح فيها أن مشاهدتها فى حلقات جماعية، فتُحدث ما يسميه جوستاف لابون فى "سيكولوجية الجماهير" بعدوى الفرح.

ولكن الإلحاح على الترويج لكرة القدم كحدث وحيد سيتحول لأمر مزعج حقا بحسب المفكر الإيطالى امبرتو إيكو، والذى شبهها بساحة جديدة للحروب وقوانينها وللتعصب أيضا، وكان يقول "لا أكره كرة القدم ولكن أكره المتعصبين لها"، وكان جورج أورويل معاد لتلك اللعبة فبحسب نظرته: "البلدان اليوم تخوض حروبها فى ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون السروال القصير والمفترض أن هذه لعبة، وأن التسلية هى هدفها، غير أن الذاكرة الخفيَّة لتناحرات الماضى تخيّم على كل مباراة، وكلما سُجّل هدف ترددت أصداء الانتصارات والهزائم القديمة".

فى مواجهة الاستعمار

لقد ارتبطت كرة القدم كذلك بذاكرة الشعوب الاستعمارية؛ وفى مصر مثلا أنشأ النادى الأهلى عمر لطفى بك عام 1907، وكان الفريق يستهدف جمع الطلبة على عمل رياضى لمواجهة الإنجليز، وفى 1943 تمكن اللاعب الشهير "مختار التتش" من جمع فريق الأهلى والسفر للعب فى فلسطين ضد الصهاينة، وبرغم معارضة الملك واتحاد الكرة، ما تسبب فى شطبهم من اللعب محليا، ولم يسمح لهم إلا بمباراة وحيدة أمام النادى المختلط "الزمالك" وبغير لاعبيه الأساسيين فكانت النتيجة الهزيمة "6 –صفر" وهى الهزيمة الوحيدة التى يفخر بها الأهلى.

وبحسب كتاب ياسر أيوب "مصر وكرة القدم"، فلقد انتشر التحذير من "لعبة الإنجليز" ولكن فات الوقت وانتشر الولع، وتلقفتها الأقدام فى الحوارى والشوارع، بعد أن كانت مقصورة على معسكرات الإنجليز، وجلبها الجنود فى حقائبهم، وينقل الكتاب عن الباحثة إيفا لافريش أن المصريين اخترعوا لغتهم الكروية الخاصة، وقد لعب المصريون بكور من الأقمشة "كرة شراب".

ولقد أصبحت الكرة فى أفريقيا تحديدا هى عجلة الكبرياء الثقافى والتضامن القومى، وفى البلاد التى استعمرتها الإنجليز تحولت إلى ما يشبه إحدى وسائل المقاومة ومحاولات الاستقلال، بحسب باحثين أوروبيين وأمريكيين.

ولقد تأسست فى عواصم الثورة العربية نوادى كرة القدم الأولى، ومنها فى ليبيا نادى "عمر المختار" فى عهد الاحتلال الإيطالى، وكذلك فى تونس والجزائر والمغرب إبان الاحتلال.

لعبة البهلوانات والرعاع

ويشير الكتاب الهام "كرة القدم بين الشمس والظل" لإدوارد جاليانو؛ إلى أن الصينيين على الأرجح كانوا أول من عرف كرة القدم منذ خمسة آلاف السنة، وقد كانت لعبة البهلوانات وتشترط عدم لمس الأرض، ولقد انتقلت بين حضارات عدة ونراها عبر جدران المعابد الفرعونية فى مصر، وفى القرن الرابع عشر قد وردت على لسان أحد الأبطال بمسرحية شكسبير يقول: 

إننى أتدحرج فيما بينكم ..أتراكم اتخذتمونى طابة كرة قدم؟ 

ويقال إن الإمبراطور يوليوس قيصر كان يتقن استخدام كلتا ساقيه فى لعب الكرة، وفى عام ١٣١٤ منع الحكام ومنهم إدوارد الثانى هذه اللعبة الرعاعية والصاخبة، والتى تخلف أعدادا من الضحايا؛ إذ لم تكن لها قوانين أو أعداد محددة.

وكانت الحشود فى فرنسا تتوافد إلى المباريات التى تجرى فى أوسع الميادين وفوق مياه نهر أرنو المتجمدة لمشاهدة "الكالشو" أو كرة القدم، كما فى إيطاليا، بل لقد لعبها فى حدائق الفاتيكان البابوات كليمنت السابع وليون التاسع وأوربانو الثامن.

أما فى المكسيك وفى أمريكا الوسطى، فكانت طابة المطاط هى شمس الطقوس المقدسة منذ حوالى ألف وخمسمائة سنة قبل المسيح. 

وينقل الكتاب عادات وحشية للأزتك بقتل الخاسرين وتقديمهم قرابين بعد طلائهم بخطوط حمراء، لكى تكون الأرض خصبة والسماء سخية!

محنة اللاعب المشهور

لقد تحولت كرة القدم من مجرد متعة، إلى صناعة، بحسب الكاتب "جاليانو" بل وأحد أكثر الأعمال التجارية ربحا فى العالم.

والكتاب يضعنا أمام صورة درامية للاعب الكرة فهو "يركض لاهثا على شفير الهاوية، فى جانب تنتظره سماوات المجد، وفى الجانب الآخر هواة الدمار. لقد خرج من حى شعبى، أصبح يرمقه بإعجاب، وقد نجا من أعمال المصنع والمكتب، ورغم أنه يتوجب عليه أن ينضح عرق مثل مرشة، ودون حق فى التعب أو الخطأ، فإنه يظهر فى الصحف والتليفزيون والنساء يتنهدن من أجله، ويقلده الأطفال، أما هو فقد أصبح مجبرا على الربح، ورجال الأعمال يشترونه ويبيعونه ويعيرونه ويسلم هو قيادته لهم بمقابل الوعد بمزيد من الشهرة والمال، وكلما نال منهم ازداد أسّره وقيوده ومعسكراته الشاقة وشيخوخته المبكرة، وتلك الشهرة اللعوب التى تغادره دون ورقة اعتذار فى أحيان كثيرة".

اليوم الجديد